تنمية ومجتمع

زيادة أجور المعلّمين: هل تنعكس في الارتقاء بمستويات الأداء؟

كثيرًا ما يشكو المعلمون في أنحاء مختلفة من العالم تدني مستوى أجورهم، ويطالبون بتحسين مستوى هذه الأجور من أجل مستوى معيشة يليق بهذه الفئة المسئولة عن إعداد جيل المستقبل، كما ربط بعض الباحثين التربويين بين تحسين أجور المعلمين وتأثيره الإيجابي على مخرجات النظام التعليمي. المشكلة هي أن هذه العلاقة غير مؤكدة، فتحسين الأجور لا يقابله بالضرورة تحسن في أداء المعلمين، خاصةً في المدارس الحكومية التي تتحدد فيها أجور المعلمين على مقياس متدرج ومغلق.  ولا يختلف الأمر كثيرًا في مصر، حيث يعاني المعلمون من تدني مستوى الأجور، وغالبًا ما ينادون بتحسين الأجور من أجل تقديم أداء أفضل يسهم في تحسين مخرجات…

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة

كثيرًا ما يشكو المعلمون في أنحاء مختلفة من العالم تدني مستوى أجورهم، ويطالبون بتحسين مستوى هذه الأجور من أجل مستوى معيشة يليق بهذه الفئة المسئولة عن إعداد جيل المستقبل، كما ربط بعض الباحثين التربويين بين تحسين أجور المعلمين وتأثيره الإيجابي على مخرجات النظام التعليمي. المشكلة هي أن هذه العلاقة غير مؤكدة، فتحسين الأجور لا يقابله بالضرورة تحسن في أداء المعلمين، خاصةً في المدارس الحكومية التي تتحدد فيها أجور المعلمين على مقياس متدرج ومغلق. 

ولا يختلف الأمر كثيرًا في مصر، حيث يعاني المعلمون من تدني مستوى الأجور، وغالبًا ما ينادون بتحسين الأجور من أجل تقديم أداء أفضل يسهم في تحسين مخرجات العملية التعليمية، وكأن تدني الأجور هو السبب الوحيد لانخفاض الأداء التعليمي وصولًا إلى ما هو عليه الآن. فالأمر الملفت للانتباه هو ثبات مستوى الأداء أو حتى تراجعه حتى مع إقرار زيادة في أجور المعلمين، فالزيادة –دائمًا من وجهة نظر المعلمين- لا ترتقي لطموحاتهم ولا تلبي احتياجاتهم، وهي من ثمّ لا تؤدي إلى تحسين في مستويات الأداء، طالما كانت تجيء في شكل قطرات وجرعات تسكينية لسد الذرائع أكثر منها لإحداث نقلة كافية في مستوى أجور المعلمين.

أجور المعلمين في مصر

تخطى إجمالي موازنة التعليم قبل الجامعي 157 مليار جنيه للعام المالي 2020/2021، منها قرابة 80 مليار جنيه مخصصة للأجور والتعويضات؛ أي إن الأجور المخصصة لوزارة واحدة -وزارة التربية والتعليم- تمثل 25% تقريبًا من الإجمالي العام للأجور المخصصة لجميع الوزارات والتي بلغت 335 مليار جنيه، ولكن هذه النسبة الكبيرة لا تعني بالضرورة أن الأوضاع المادية للعاملين تحت مظلة الوزارة مُرضية أو تقترب من متوسط الأجور الذي يتقاضاه المعلمون في عدد من الدول التي تتشابه ظروفها مع مصر. ويرجع ذلك إلى عدد العاملين الضخم بوزارة التربية والتعليم، حيث يبلغ عددهم وفقًا لكتاب الإحصاء السنوي مليونًا و525 ألف معلم وأخصائي وإداري وعامل.

وبحساب المتوسط من خلال قسمة إجمالي الأجور المخصصة للوزارة على عدد العاملين، يمكن أن يتجاوز الرقم 4300 جنيه على أساس شهري و52 ألف جنيه على أساس سنوي؛ ولكن الواقع يختلف كثيرًا عن هذا المتوسط؛ فالنشرة السنوية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء توضح أن متوسط الأجور الأسبوعية للعاملين في قطاع التعليم بلغ 521 جنيهًا، أي 2257 جنيهًا شهريًا، وقد يرجع الاختلاف بين المتوسطين إلى سببين: أولهما، أن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء اعتمد على حساب متوسط أجور عينة مكونة من 65 ألفًا من العاملين في 624 مؤسسة تعليمية فقط. وثانيهما، أن النشرة السنوية اعتمدت على بيانات ترجع لعام 2018، حيث كانت الموازنة العامة للدولة قد خصصت 65 مليار جنيه لبند أجور التعليم ما قبل الجامعي. وفي كل الأحوال، يؤثر انخفاض مستوى الأجور سلبًا على مستوى معيشة المعلمين، وبالتالي انخفاض مستوى الرضا الوظيفي لديهم وما يتبعه من تدني مستوى الأداء في المدارس الحكومية.

ونظرًا لضعف البيانات التي تتيحها وزارة المالية أو وزارة التربية والتعليم حول هيكل الأجور أو الحد الأدنى والأقصى لأجور المعلمين، فقد استعانت بعض المواقع الإخبارية بصورة غير رسمية بمفردات مرتب المعلمين على اختلاف درجاتهم الوظيفية كما هو موضح بالجدول التالي، وهي أجور ضعيفة إذا ما قورنت بأجور بعض الفئات الأخرى، وقد تختلف الأجور الفعلية عن الرقم المذكور بسبب خصم الضرائب والتأمينات.

جدول أجور المعلمين العاملين في المدارس الحكومية المصرية على أساس شهري

المصدر: وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني.

دوافع الإقبال على كليات التربية رغم ندرة فرص العمل

علاوةً على تدني مستوى أجور المعلمين في المدارس الحكومية، فقد توقف تعيين المعلمين في المدارس الحكومية بنظام تكليف خريجي كليات التربية منذ أكثر من عشرين عامًا، وأصبح العمل في تلك المدارس بنظام التعاقد لأعداد قليلة مقارنةً بأعداد الخريجين سنويًا، بحيث يتم التعاقد لمدة تصل إلى ثلاث سنوات يتم بعدها تثبيت هؤلاء المعلمين. في مرحلة تالية تحولت الوزارة إلى نظام المسابقة لسد احتياجاتها على فترات متباعدة. ونظريًا فإن هذه السياسات قد تؤدي إلى العزوف عن الالتحاق بكليات التربية، فلم تعد هناك وظيفة مضمونة أو مقابل مادي يضمن مستوى معيشة مناسب، بالإضافة إلى محدودية مسارات العمل أمام خريجي كليات التربية التي تعد طلابها للعمل كمعلمين دون أي وظيفة أخرى. ولكن على الرغم من ذلك، ما زالت كليات التربية تشهد إقبالًا كبيرًا يزيد على احتياجات سوق العمل، حيث تشير نشرة “خريجو الجامعات والمعاهد العليا” الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في 2019 إلى أن إجمالي أعداد الخريجين في مجال التعليم تجاوز 73 ألف خريج. ويمكن أن يرجع ذلك الإقبال إلى عدة أسباب، منها:

  • تأتي كليات التربية في مكانة متوسطة مع كليات التمريض والعلوم والألسن بعد كليات الطب والهندسة والحاسبات والمعلومات والاقتصاد والعلوم السياسية أو ما يُطلق عليها كليات القمة، وقبل كليات الآداب والتجارة والحقوق والزراعة؛ فيُلاحظ أن الطلاب الذين لم يلحقوا بكليات القمة يفضلون الالتحاق بكلية التربية.
  • لا تمثل أجور المعلمين التي يتقاضونها في المدارس إجمالي الدخل الذي يمكن أن يحصلوا عليه، فما يحصلون عليه من الدروس الخصوصية يصل إلى أضعاف الراتب الرسمي، وهو ما يدفع عددًا كبيرًا من الملتحقين بكليات التربية إلى العمل في مراكز الدروس الخصوصية، أو تأسيس مركز للدروس الخصوصية حتى قبل إتمام سنوات الدراسة الجامعية.

ماذا نتوقع في ظل تدني مستوى الأجور؟!

يضعنا مستوى الأجور المتدني الذي تقدمه المدارس الحكومية في مصر أمام تحديين رئيسيين يؤثران بشكل كبير على جودة العملية التعليمية. يتمثل التحدي الأول في أن الأجور الضعيفة تمثل عامل طرد للمعلمين الذين يمتلكون قدرًا عاليًا من المهارات والقدرات والمعارف اللازمة للتدريس؛ وبالتالي فإن نسبة كبيرة ممن يتم الاستعانة بهم بالفعل يحتاجون إلى تأهيل وتدريب مستمر أثناء الخدمة، مما يفرض أعباء على وزارة التربية والتعليم في هذه النقطة. أما التحدي الثاني فيتمثل في أن الأجور الضعيفة تسهم بشكل كبير في ضعف دافعية المعلمين نحو العمل، أي إن منهم من يذهب إلى المدرسة لتقديم الحد الأدنى من مهام وظيفته دون النظر إلى جودة ما يقدمه من خدمة تعليمية، ودون سعي نحو تحسين أو تطوير قدراته.

ولأن الجميع يسعون نحو مستوى معيشة أفضل، يلجأ معظم المعلمين إلى تحسين مستوى الدخل من خلال الدروس الخصوصية أو العمل في وظائف أخرى قد لا تليق بمكانة المعلم وقيمته الاجتماعية؛ وقد يتمكن البعض من ذوي المهارات والقدرات التدريسية الجيدة من الانتقال إلى مدرسة دولية أو خاصة من أجل مقابل مادي أعلى، فتفقد المدارس الحكومية الكفاءات البشرية القليلة التي تمتلكها. علاوةً على ذلك، فإن نسبة لا يستهان بها من خريجي كليات التربية ممن لا تتاح لهم فرصة جيدة للعمل داخل مصر يسافرون للعمل في مدارس دول الخليج بعد عام أو اثنين من التخرج.

وبذلك، لا تسمح ظروف العمل في مجال التعليم في مصر باستقطاب المعلمين الأكفاء القادرين على إحداث طفرة في نواتج التعلم، بل يمكن اعتبارها طاردة للكفاءات، خاصةً في ظل تفاقم عدد من المشكلات الأخرى مثل تلك المتعلقة بالبنية التحتية والتكنولوجية، وارتفاع كثافات الفصول، وارتفاع نصيب المعلم من التلاميذ؛ الأمر الذي يستدعي تدخلًا عاجلًا لإصلاح هيكل أجور المعلمين بشكل يدفعهم لتقديم خدمة تعليمية جيدة، ويبقي على المعلمين الأكفاء داخل النظام التعليمي.

وقد يتمثل هذا التدخل في إحداث قفزات في أجور المعلمين على مدى زمني يتراوح بين ثلاث وخمس سنوات تصل به في نهاية تلك الفترة إلى مستوى يقترب من أجور المعلمين في الدول ذات الظروف المشابهة لمصر، على أن يقابل هذه الزيادة إعادة تقييم لمعلمي ومديري المدارس الحكومية لضمان أن تحقق زيادة الأجور الهدف منها، وهو تحسين الأداء الذي ينعكس بالضرورة على مستوى جودة المخرج التعليمي، وأن يتم قياس مستوى الدافعية للعمل لديهم على فترات زمنية محددة من خلال اختبارات نفسية مُخصصة لهذا الغرض.

ختامًا، يترتّب على تدني مستوى أجور المعلمين في المدارس الحكومية بمصر عدد من المشكلات التي تؤثر على أداء النظام التعليمي ككل، مما يستدعي إعادة هيكلة أجور هذه الفئة من أجل جذب أفضل العناصر للعمل بمهنة التدريس، واستبقاء الكفاءات الموجودة بالفعل، وخلق الحافز أو الدافع لتقديم ما هو أفضل من الحد الأدنى للأداء داخل المدارس الحكومية.

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة