وحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

تعزيز الحضور: دوافع وتحديات الانخراط العسكري التركي في العراق

في ظل مساعي تركيا لتبني سياسة خارجية أقل تصادمًا وأكثر مرونة مع جيرانها وذلك من خلال إعادة ترتيب أوراقها والعمل على ضبط تحالفاتها والخروج من حالة العزلة الإقليمية والدولية، يأتي التحرك التركي في العراق مغايرًا لهذا النهج بصورة كبيرة، خاصة مع عزمها تعزيز وترسيخ وجودها في الشمال العراقي، إما من خلال العمليات والضربات العسكرية المتتالية، أو عبر ترسيخ وجودها الميداني من خلال تدشين عدد من القواعد ونقاط الانتشار. وقد ظهر مؤخرًا عدد من التحركات الرامية لانخراط عسكري متزايد لأنقرة في الساحة العراقية في ظل اتهامات متكررة من الجانب العراقي لتركيا بانتهاك سيادتها، إذ تركت زيارة وزير الدفاع التركي “خلوصي أكار”…

محمود قاسم
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

في ظل مساعي تركيا لتبني سياسة خارجية أقل تصادمًا وأكثر مرونة مع جيرانها وذلك من خلال إعادة ترتيب أوراقها والعمل على ضبط تحالفاتها والخروج من حالة العزلة الإقليمية والدولية، يأتي التحرك التركي في العراق مغايرًا لهذا النهج بصورة كبيرة، خاصة مع عزمها تعزيز وترسيخ وجودها في الشمال العراقي، إما من خلال العمليات والضربات العسكرية المتتالية، أو عبر ترسيخ وجودها الميداني من خلال تدشين عدد من القواعد ونقاط الانتشار.

وقد ظهر مؤخرًا عدد من التحركات الرامية لانخراط عسكري متزايد لأنقرة في الساحة العراقية في ظل اتهامات متكررة من الجانب العراقي لتركيا بانتهاك سيادتها، إذ تركت زيارة وزير الدفاع التركي “خلوصي أكار” لقاعدة عسكرية شمال العراق مطلع مايو الماضي برفقة كل من رئيس الأركان “يشار غولر” وقائد القوات البرية “أوميت دوندار” تساؤلات حول أهداف ودوافع تركيا وراء تعظيم نفوذها العسكري شمال العراق، خاصة أن تلك الزيارة جاءت بعد يوم من إعلان “سليمان صويلو” وزير الداخلية التركي عن إنشاء قاعدة عسكرية تركية في منطقة ميتينا شمال العراق.

انخراط متصاعد

اتخذ التدخل العسكري التركي شمال العراق أشكالًا وأنماطًا عديدة، وقد ارتكز في بداية الأمر على التوافق بين الجانبين عبر عدد من الاتفاقيات والبروتوكولات الأمنية، على غرار توقيع اتفاق للتعاون وتأمين الحدود بين تركيا والعراق عام 1983، علاوة على اتفاق مماثل عام 1984 عُرف “آنذاك” بالمطاردة الحثيثة والذي أتاح للطرفين الدخول بعمق 5 إلى 10 كم في أراضي الدول الأخرى، ولمدة لا تتجاوز ثلاثة أيام لمواجهة العناصر المسلحة، وهو ما وظفته تركيا بشكل كبير في مهاجمة عناصر حزب العمال الكردستاني.

ومنذ ذلك الحين، تصاعد الانخراط العسكري التركي في العراق بشكل مكثف وعبر محطات ومراحل متباينة، حيث نشرت نحو 15 ألف جندي خلال عام 1992 للمشاركة في عمليات شمال العراق، وقد اتسعت حدة التوغل خلال عملية تُعد الأضخم للقوات التركية شمال العراق عام 1995، إذ قامت أنقرة بحشد نحو 35 ألف جندي، وتمكنت وقتها من الدخول في الأراضي العراقية بعمق نحو 60 كم في الأراضي العراقية، وعلى ذات المنوال قدمت دعمًا للحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة “مسعود برزاني” عام 1997 عبر حشد نحو 30 ألف جندي للقتال ضد عناصر حزب العمال الكردستاني. وقد تبع هذا التدخل مجموعة من التدخلات العسكرية التركية في الأراضي العراقية والتي اتسمت أغلبها بالمطاردات والضربات المكثفة ضد عناصر حزب العمال الكردستاني.

وقد تحوّلت تركيا من نمط المطاردة للعمل على ترسيخ الوجود الدائم عبر قواعد عسكرية ونقاط انتشار وتمركزات أمنية، خاصة في أعقاب سقوط صدام حسين وتنامي نفوذ حزب العمال في جبال قنديل، وقد شكّل ظهور تنظيم داعش في أعقاب سقوط الموصل فرصة وظفتها أنقرة في نشر قواتها العسكرية شمال العراق، وذلك من خلال تدشين قاعدة بعشيقة لدعم وتدريب القوات المحلية. ونشر نحو 5000 جندي تركيا في إقليم كردستان العراق.

وبمرور الوقت تحولت المطاردات العسكرية لحزب العمال الكردستاني في التسعينيات لوجود دائم وثابت عبر نقاط انتشار وتمركزات أمنية وصلت لأكثر من 37 نقطة عسكرية وأمنية وفقًا لخريطة نشرتها الرئاسة التركية (يوليو 2020)، بعمق يصل لنحو 40 كم داخل الأراضي العراقية، مما يشير لمضاعفة القواعد العسكرية ونقاط الانتشار، إذ أشار عدد من التقارير إلى وجود نحو 19 قاعدة تركية في إقليم كردستان بموجب اتفاق يعود لعام 1995، فضلًا عن مساعٍ مستمرة لتدشين قواعد عسكرية تركية شمال العراق من بينها ما أعلن عنه مؤخرًا حول الرغبة في تأسيس قاعدة في منطقة “ميتينا”، علاوة على ما تم تداوله –عبر تقارير- في يوليو الماضي عن استعداد الجيش التركي لإنشاء 3 قواعد عسكرية جديدة في منطقتي سينات وهفتنين، شمالي العراق.

دوافع عديدة

ثمة دوافع وراء زيادة واتساع الانتشار العسكري التركي شمال العراق، منها ما يرتبط بالتوظيف الداخلي وما يتعلق بالحنين للماضي العثماني، علاوة على الهدف المعلن دائمًا والمتمثل في تحجيم نفوذ حزب العمال الكردستاني، حيث لا ينفصل المشهد السياسي في الداخل التركي عن أية تحركات خارجية يقودها الرئيس التركي، خاصة في الفترات التي تسبقها استحقاقات انتخابية، حيث يعمل عبر تلك التحركات على حشد الرأي العام واستقطاب القوميين داخل تركيا، ومن هنا يسعى دائمًا للترويج للمخاطر والتأثيرات المحتملة على الأمن القومي التركي بسبب عناصر حزب العمال الكردستاني. وعليه، يأتي التوغل العسكري شمال العراق والهجمات الجوية ضمن استراتيجية أردوغان لمغازلة الداخل. وقد بدا ذلك بوضوح في أعقاب مقتل 12 جنديًا تركيًا (فبراير 2021)، خاصة أن تلك العملية قد أثارت ردة فعل غاضبة تجاه الرئيس التركي بعدما وجهت له المعارضة اتهامات بشأن هذا الحادث، معتبرة أن مقتل هؤلاء جاء نتيجة سوء التخطيط والتنفيذ، إذ إن عملية “مخلب النسر2” التي انطلقت 10 فبراير كانت تستهدف تحرير تلك العناصر.

وتشير تحركات أردوغان في الداخل تجاه حزب الشعوب الديمقراطي في أعقاب تلك الواقعة وحملة الاعتقالات الموجهة ضد عناصره ومحاولات حظر الحزب وإنهاء دوره في الحياة السياسية لحدود توظيف الانخراط العسكري ضد حزب العمال الكردستاني في الداخل، خاصة في ظل تراجع شعبية الحزب الحاكم، وتنامي نفوذ المعارضة، ومن هنا يعمل أردوغان على الإبقاء على حظوظه في الانتخابات القادمة 2023، وإنقاذ شعبيته المتراجعة عبر تلك التدخلات العسكرية شمال العراق.

من ناحية أخرى، تعمل أنقرة منذ استئناف هجماتها على حزب العمال الكردستاني عام 2015 على تحييد عناصر الحزب وإضعافه، وهو الهدف المعلن وراء كافة الهجمات والضربات التي تُنفذها تركيا، كما تستهدف بشكل رئيسي الحيلولة دون الوصول لحلم الدولة الكردية وذلك من خلال تقويض سبل التواصل المحتملة بين مناطق الانتشار والوجود الكردي عبر مواجهة شاملة تستهدف أكراد سوريا والعراق، علاوة على استهداف أكراد الداخل، ما يمكن الاستدلال عليه من تصريحات أردوغان (فبراير 2021) حيث خاطب أنصاره قائلًا: “لا جبال قنديل ولا سنجار ولا سوريا.. من الآن، لم يعد هناك مكان آمن لهؤلاء الإرهابيين”، ما يشير إلى استراتيجية أردوغان القائمة على المواجهة الشاملة لتلك العناصر وفي كافة الميادين.

ويمكن قراءة ما تم تداوله (مايو 2021) حول رغبة تركيا في تدشين قاعدة عسكرية كبيرة في منطقة “ميتينا” في محافظة دهوك لتحقيق هدفين؛ أولهما: الحاجة لأن تصبح القاعدة نقطة انطلاق وانتشار ضد العناصر الكردية في العراق عبر تقديم الدعم اللوجيستي والميداني للهجمات التركية، علاوة على الحاجة لتدمير المعسكرات التابعة للحزب والقضاء على منظومة السيطرة والتحكم، ما ينتهي إلى قطع أي تواصل بين عناصر الحزب في جبال قنديل ومحافظة دهوك والمناطق الأخرى، أو من خلال منع التواصل بين العناصر الكردية في العراق وسوريا.

وتتحرك تركيا بجانب التحركات العسكرية على مستوى سياسي ودبلوماسي، حيث أعادت فتح قنصليتها (مايو 2021) في الموصل بعد إغلاق دام سبعة أعوام على خلفية سيطرة داعش على المدينة. وفي هذا السياق، يشير عددٌ من التحليلات إلى أن التحركات التركية شمال العراق يأتي في سياق انتظار تركيا لانتهاء اتفاقية لوزان 2023 والتي ترى أنها حرمتها من الموصل وكركوك وغيرها من المناطق التي كانت تخضع للدولة العثمانية، ومن هنا يمكن اعتبار أحد دوافع تركيا للتحرك في الشمال العراقي كجزء من محاولة إحياء العثمانية، واستعادة النفوذ بالمناطق التي كانت تسيطر عليها، خاصة في ظل رفض أردوغان لحدود تركيا الحالية التي أفرزتها اتفاقية لوزان عام 1923.

تحديات وعراقيل

جملة من التحديات والعراقيل التي تواجه التحركات التركية شمال العراق، يرتبط أولها بصعوبة القضاء بشكل تام ونهائي على عناصر حزب العمال الكردستاني، خاصة في ظل الطبيعة الجبلية الوعرة لمناطق نفوذه وتمركز تلك العناصر، مما يعني أن الطبيعة الجغرافية والتضاريس تقف عائقًا أمام الهدف التركي الأكبر المتمثل في القضاء على حزب العمال. ويتعلق التحدي الثاني بطبيعة الرفض السياسي والشعبي للتدخلات العسكرية التركية التي يُنظر إليها باعتبارها انتهاكًا لسيادة العراق وسلامة أراضيه، وهو ما عبر عنه الرئيس العراقي “برهم صالح” في بيان (6 يونيو 2021) والذي طالب فيه بضرورة سحب القوات التركية من شمال العراق.

علاوة على ذلك، يظل التنافس الإيراني التركي ورفض المليشيات المرتبطة بإيران للتدخلات العسكرية التركية ضمن العراقيل الكبيرة أمام تركيا، حيث أثارت احتمالية تدخل تركيا عسكريًا في منطقة سنجار ردود فعل غاضبة ورافضة للمليشيات الإيرانية التي عبرت عبر عدد من البيانات عن استعدادها للوقوف ضد أية توغلات وتدخلات محتملة من قبل تركيا. من ناحية أخرى، يظل الموقف الأمريكي وعملية ترتيبات وإعادة ضبط الأوراق التي يقوم بها البيت الأبيض أحد التحديات الماثلة أمام أنقرة، خاصة أن أجندة بايدن تجاه الأكراد بشكل عام قد لا تتماشى مع التحركات التركية.

وفيما يرتبط بمسار العلاقة بين تركيا والعراق، وحدود تأثير العمليات العسكرية عليها؛ يمكننا الوقوف على عدد من القضايا والتحولات التي قد تحول على الأقل في الوقت الراهن دون التصعيد بينهما. فعلى الرغم من المواقف السياسية والدبلوماسية المتمثلة في الرفض العراقي للتدخلات العسكرية التركية شمال العراق؛ إلا أن هناك عددًا من الملفات التي ستحكم تلك العلاقة، سواء ما يرتبط بقرب الانتخابات العراقية 2021 ورغبة عدد من الأطراف والقوى السياسية في تحييد أو على الأقل عدم المجازفة بالأصوات المقربة من تركيا، وهو ما قد يحول دون اتخاذ أية قرارات صدامية في الوقت الراهن، كما يظل ملف المياه وقدرة أنقرة على التحكم في حصة العراق من نهري دجلة والفرات ضمن أوراق الضغط التي يمكن أن تلوح بها تركيا بين حين وآخر. علاوة على ذلك، تظل العلاقات الاقتصادية محددًا رئيسيًا في مستقبل العلاقة بين بغداد وأنقرة، خاصة بعدما تجاوز حجم التبادل التجاري بين الطرفين أكثر من 20 مليار دولار خلال عام 2020، بعدما سجل نحو 15.8 مليار دولار خلال عام 2019.

في الأخير، يمكن الإشارة لتعدد الروايات حول التدخلات العسكرية التركية في العراق، فوفقًا للمنظور التركي فإنها تأتي في إطار حماية الأمن القومي التركي من خطر التمدد الكردي، كما ينظر العراق إليها باعتبارها انتزاعًا لسيادتها وانتهاكًا لسلامتها الإقليمية، ومع ذلك تظل دوافع وأهداف تركيا في الحضور بالعراق أبعد من كونها موجهة ضد حزب العمال الكردستاني، خاصة في ظل الرغبة المباشرة من قبل أنقرة بتعزيز حضورها وتثبيت أقدامها في الساحة العراقية باعتبارها عمقًا استراتيجيًا لها.

محمود قاسم
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة