البنك الدولى وتعافى اقتصادات الشرق الأوسط

عضو الهيئة الاستشارية

نشر البنك الدولى مؤخراً دراسة مهمة حاول فيها الاجابة عن كيفية قيام المؤسسات برسم مسار لتعافى الاقتصاد فى منطقة الشرق الاوسط، فى ظل جائحة كورونا، والتى أدت الى تراجع الايرادات الحكومية، وانخفاض النمو وضعف الحوكمة والشفافية، وزيادة الديون، فى منطقة كانت تعانى بالفعل ارتفاع الدين العام، مما زاد من الاعباء. وتشير الدراسة الى ان انحسار الجائحة سيظهر حتما تعارضا بين المكاسب المحققة فى الأجل القصير والتكلفة المحتملة للانفاق العام بالدين على المدى البعيد. فعلى المدى القصير تظل الحاجة الى المزيد من الانفاق العام للتخفيف من الآثار السلبية خاصة على الفقراء، وهو مايتم تمويله بالدين العام. الامر الذى يهدد آفاق النمو،…

عبد الفتاح الجبالي on Email
عبد الفتاح الجبالي
عضو الهيئة الاستشارية

نشر البنك الدولى مؤخراً دراسة مهمة حاول فيها الاجابة عن كيفية قيام المؤسسات برسم مسار لتعافى الاقتصاد فى منطقة الشرق الاوسط، فى ظل جائحة كورونا، والتى أدت الى تراجع الايرادات الحكومية، وانخفاض النمو وضعف الحوكمة والشفافية، وزيادة الديون، فى منطقة كانت تعانى بالفعل ارتفاع الدين العام، مما زاد من الاعباء. وتشير الدراسة الى ان انحسار الجائحة سيظهر حتما تعارضا بين المكاسب المحققة فى الأجل القصير والتكلفة المحتملة للانفاق العام بالدين على المدى البعيد. فعلى المدى القصير تظل الحاجة الى المزيد من الانفاق العام للتخفيف من الآثار السلبية خاصة على الفقراء، وهو مايتم تمويله بالدين العام. الامر الذى يهدد آفاق النمو، ويطرح التساؤل الجوهرى عما يجب على بلدان المنطقة القيام به للقضاء على هذا التضارب؟

وفى هذا السياق تتناول الدراسة التداعيات الاقتصادية للجائحة وآثارها السلبية، المتعلقة بانخفاض عرض العمالة نتيجة لتعطل الاسواق بسبب سياسات الغلق والتباعد الاجتماعى، مما أفقد الفقراء وظائفهم وخسروا دخولهم وخفضوا استهلاكهم، خاصة ان معظمهم يعملون فى القطاع غير الرسمي. وكلها امور اثرت بشدة على مستوى الرعاية الاجتماعية وأدت الى ضغوط هائلة على الموازنات العامة لبلدان المنطقة. كنتيجة لتدخل الحكومات بتنفيذ سياسات غير مسبوقة فى الحماية الاجتماعية مثل التوسع فى التحويلات النقدية للاسر الفقيرة وكبار السن والعاملين فى القطاع غير الرسمي، بالاضافة الى دعم المنتجات الغذائية الاساسية للاسر الاكثر احتياجا. وزيادة اجور العاملين فى القطاع الحكومى والعام. وهو ما أوجد ضغوطا هائلة على المالية العامة وقلل من الحيز المالى المتاح، وازداد العجز بموازناتها،واضطرت بلدان المنطقة لتمويل هذا العجز بالدين العام الذى تسارعت وتيرته بشدة خلال هذه الفترة. ومما أسهم فى تعقيد المشكلة انخفاض معدلات النمو الامر الذى أدى لاتساع الفارق بينها وبين معدلات الفائدة.

ومن المعروف ان ازدياد الدين العام إلى الحد الذى يتعذر معه ببساطة الاستمرار فى تحمل أعبائه على المدى البعيد يشير إلى ضعف المالية العامة. وبمعنى آخر فان القدرة على تحمل الدين تتوقف على سعر الفائدة ومعدل النمو الاقتصادى ونسبة العجز الاولى للموازنة إلى إجمالى الناتج. ومادام سعر الفائدة على الدين العام يتجاوز المعدل الاسمى للنمو الاقتصادى فان الدين العام سوف يميل إلى النمو بوتيرة أسرع من إجمالى الناتج المحلي، إلا إذا كان لدى البلد فائض أولى فى الموازنة. وكلما اتسعت الفجوة بين سعر الفائدة ومعدل النمو الاسمى، كبر حجم الفائض المطلوب للحفاظ على نسبة الدين إلى الناتج.

وبالتالى فان معدل النمو والفائض (او العجز الاولي) هما العاملان الاكثر تأثيرا على الدين العام فى المنطقة، حيث يؤثران على الجدارة الائتمانية للمنطقة ويقيد فرص الحصول على المزيد من التمويل بل ويمكن ان يؤدى الى التضخم وانخفاض قيمة العملة وهروب رءوس الاموال وأزمات مالية ( مثل الحالة اللبنانية). وهنا تشير الدراسة الى انه وعلى الرغم من الانخفاض الشديد فى معدلات الفائدة العالمية فإن بلدان المنطقة اقترضت بمعدلات مرتفعة للغاية.

والسؤال الجوهرى هنا هل هناك حد أقصى لمستوى الدين اذا تم تجاوزه يلحق الضرر بالنمو الاقتصادي؟ هنا يشير التقرير الى ان هذا الحد يختلف بحسب كل بلد وذلك تبعا لاوضاعه الاقتصادية والاجتماعية ولتاريخه مع التعثر والتضخم.وهكذا فان الأدبيات لم تنبئنا بنسبة معينة من الدين العام الى الناتج يمكن اللجوء إليها بحيث يصبح تجاوزها يهدد الاستقرار الاقتصادى الكلي. وبالتالى فان تحديد مستوى معين للدين العام يتوقف على طبيعة كل دولة على حدة ومدى التطور الاقتصادى والاجتماعى والظروف المحيطة بها والاحتمالات المستقبلية للنمو…الخ. وهكذا فاذا كان للدين العام الاثر فى تخفيف حدة القيود المالية قصيرة الاجل على الحكومات مما يسمح لها بمواصلة الانفاق العام الحالى والاستثماري، الا ان ذلك يتطلب ان يكون العائد الاقتصادى والاجتماعى للإنفاق الحكومى اعلى من سعر الفائدة. ومع زيادة الانتاجية بمرور الوقت تصبح الاجيال القادمة قادرة على خدمة الدين. اما اذا حدث العكس وكانت اسعار الفائدة اعلى من العائد الاقتصادى والاجتماعى للانفاق الحكومى لاستخدام الدين العام فى تمويل اغراض غير انتاجية، فان عبء الدين سيتزايد بصورة كبيرة وتزيد نسبتها فى المصروفات العامة مما يحد من قدرة الحكومات على الانفاق على البنود الاساسية مثل البنية التحتية ورأس المال البشرى ويضعف النمو الاقتصادى.

من هذا المنطلق يشير التقرير الى ان حل هذه المعضلة يتطلب اتباع استراتيجية متعددة السنوات تتسم بالشفافية والموثوقية، خاصة فيما يتعلق بالدين العام المستتر مثل ديون الشركات المملوكة للدولة والاموال خارج الموازنة والالتزامات الاخرى التى يمكن ان تصبح مكشوفة فى الأوقات العصيبة، وهى كلها امور تهدف الى الحد من تكلفة الدين العام وخفض نسبته للناتج المحلى والوصول بها لمستويات مستدامة. وذلك عن طريق تحديد اولويات الإنفاق العام بحيث تهدف اساسا الى تعزيز الطلب الإجمالى وحماية الاسر الفقيرة والاستثمار فى الصحة العامة وزيادة امكانية الفقراء فى الحصول على الخدمات، بما فيها توفير اللقاحات ومنع تفشى الفيروس الخ. فضلا عن ضرورة حوكمة الاستثمارات العامة بما يضمن تحسين القدرة على زيادة القدرة الانتاجية للاقتصاد. عن طريق تطبيق اصلاحات هيكلية وعميقة. لتوفير الوظائف للعاملين ورفع انتاجيتهم وتشجيع المنافسة العادلة. وتمكين القطاع غير الرسمى من الوصول الى الخدمات والاسواق بالاعتماد على التكنولوجيا الرقمية خاصة فى مجالى الاتصالات والتمويل، وهكذا تصبح المؤسسات هى المفتاح لمساعدة بلدان المنطقة فى اعادة البناء بصورة افضل مع ضمان ضبط الاوضاع المالية.

نقلا عن جريدة الاهرام بتاريخ 14 يوليو 2021
عبد الفتاح الجبالي on Email
عبد الفتاح الجبالي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب