وحدة الدراسات الأوروبية

حدود التضامن.. استراتيجية أوروبا المالية لمواجهة تداعيات الجائحة

يشهد النظام العالمي عددًا من التحولات المُتلاحقة في ميزان القوى بين الفاعلين الدوليين، من خلال اختبار مدى قدرتهم على التأثير والاحتواء لمسار الأزمات، والحفاظ على مصالحهم وأولوياتهم على الصعيد الداخلي والخارجي، ولذلك سعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز فاعليته لإدارة التداعيات المالية التي أفرزتها جائحة (كوفيد-19) التي تفشت في القارة منذ أن أصبح بؤرة للانتشار منذ مارس 2020.  وفي ذلك السياق تأتي أهمية دراسة عمل المفوضية الأوروبية (الذراع التنفيذي للاتحاد الأوروبي) التي تسعى كي تصبح فاعلًا جيوسياسيًا عبر توظيف كافة آليات القوة المتاحة لديها، لتنسيق استجابة موحدة. تجلى ذلك في استراتيجيتها المالية التي تبنتها كنهج آمن متعدد المسارات للاستجابة للأزمة، وتمهيدًا…

آية عبد العزيز
باحثة بوحدة الدراسات الأوروبية

يشهد النظام العالمي عددًا من التحولات المُتلاحقة في ميزان القوى بين الفاعلين الدوليين، من خلال اختبار مدى قدرتهم على التأثير والاحتواء لمسار الأزمات، والحفاظ على مصالحهم وأولوياتهم على الصعيد الداخلي والخارجي، ولذلك سعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز فاعليته لإدارة التداعيات المالية التي أفرزتها جائحة (كوفيد-19) التي تفشت في القارة منذ أن أصبح بؤرة للانتشار منذ مارس 2020. 

وفي ذلك السياق تأتي أهمية دراسة عمل المفوضية الأوروبية (الذراع التنفيذي للاتحاد الأوروبي) التي تسعى كي تصبح فاعلًا جيوسياسيًا عبر توظيف كافة آليات القوة المتاحة لديها، لتنسيق استجابة موحدة. تجلى ذلك في استراتيجيتها المالية التي تبنتها كنهج آمن متعدد المسارات للاستجابة للأزمة، وتمهيدًا للاستقرار المالي للدول الأعضاء إبان الجائحة وفي المرحلة ما بعدها، وخاصة بعد انكماش الناتج المحلي الإجمالي في الاتحاد الأوروبي بنسبة 6.1%، الأمر الذي يُشير إلى تراجع القيمة السوقية للسلع والخدمات التي يتم إنتاجها، وهو ما انعكس على قوة ونمو الاقتصاد الأوروبي، فيما بلغ معدل التضخم حوالي 0.68٪، وذلك عام 2020. 

بالرغم من ذلك، تحسنت النظرة المستقبلية للاقتصاد الأوروبي مؤخرًا؛ حيث من المتوقع أن يتوسع اقتصاد الاتحاد الأوروبي بنسبة 4.2٪ في عام 2021 وبنسبة 4.4٪ في عام 2022، وأن ينمو اقتصاد منطقة اليورو بنسبة 4.3٪ لعام 2021 و4.4٪ لعام 2022، وذلك نتيجة عدد من العوامل التي تأتي في مقدمتها الجهود التي بذلتها المفوضية الأوروبية التي كان آخرها في 15 يونيو 2021، عندما تمكنت من تجميع 20 مليار يورو كجزء أولي من برنامج الجيل القادم للاتحاد الأوروبي “NextGenerationEU” عبر سندات مدتها عشر سنوات تستحق في 4 يوليو 2031، ليُمثل أكبر سند مؤسسي غير مسبوق يصدره الاتحاد الأوروبي بهذا المبلغ. 

استجابات فاعلة

استندت المفوضية الأوروبية في استراتيجيتها المالية لاحتواء تداعيات الجائحة على عدد من الآليات والتدابير لدعم اقتصاديات الدول الأعضاء، علاوة على تبني استراتيجية خاصة باللقاحات، وذلك بالتزامن مع موافقة الدول الأعضاء على حزمة التعافي التي تقدر بـ 1.8 تريليون يورو تجمع بين ميزانية الاتحاد الأوروبي للفترة 2021-27 وبرنامج الجيل القادم للاتحاد الأوروبي، الأمر الذي سيساهم في تمكين المفوضية من اقتراض ما يصل إلى 750 مليار يورو في الأسواق، وعليه تتمثل أبرز أدوات المفوضية للمواجهة فيما يلي:

برنامج الجيل القادم من الاتحاد الأوروبي (NextGenerationEU): اعتمدت المفوضية آلية للتحفيز المؤقت في 27 مايو 2020، تساعد الدول على التعافي، وبناء أوروبا أكثر رقمنة ومرونة واخضرارًا، وستقوم المفوضية بتجميع ما يصل إلى 800 مليار يورو في أسواق رأس المال بنهاية عام 2026، وستخصص ما يقرب من 407.5 مليارات يورو للمنح، وستصل قيمة القروض إلى 386 مليار يورو، وسيتم تمويل هذا من خلال استخدام آليات متعددة للتمويل (سندات متوسطة وطويلة الأجل يتم إصدار بعضها كسندات خضراء من برنامج الجيل القادم للاتحاد الأوروبي، وسندات الاتحاد الأوروبي)، علاوةً على التواصل المفتوح والشفاف مع المشاركين في السوق، سواء من بنوك أو مستثمرين، وذلك لضمان المرونة في الوصول إلى الأسواق، بالإضافة إلى عقد الكثير من المزادات والقروض الجماعية للحصول على التمويل اللازم بأقل تكلفة.

مرفق التعافي والقدرة على الصمود (The Recovery and Resilience Facility): تعمل هذه الآلية على تقديم ما يقرب من 672.5 مليار يورو، في شكل منح وقروض لدعم الاستثمارات والإصلاحات التي تقوم بها الدول الأعضاء، للتخفيف من تداعيات الجائحة، وضمان استدامة ومرونة الاقتصاديات الوطنية والمجتمعات، وجعلها أكثر تكيفًا مع التحديات وفرص التحول الأخضر والرقمنة، وقد دخلت حيز التنفيذ في فبراير 2021، لتعد بذلك من أهم الآليات في برنامج الجيل القادم للاتحاد الأوروبي. ولكي تحصل الدول على هذا الدعم لا بد من تقديم خطة تعافي تتضمن عددًا من الإصلاحات والاستثمارات لا بد من تنفيذها بحلول عام 2026. 

آلية الدعم المؤقت للتخفيف من مخاطر البطالة في حالات الطوارئ (Support to mitigate Unemployment Risks in an Emergency): تم تدشين تلك الآلية للدول الأعضاء التي تحتاج إلى وسائل مالية تبلغ قيمتها ما يقرب من 100 مليار يورو، تم تمويلها من خلال إصدار المفوضية لسندات اجتماعية، للتصدي للتداعيات الاقتصادية والاجتماعية للجائحة، علاوةً على دعم خطط العمل قصيرة الأجل، وحماية المواطنين من خطر البطالة. وعليه فقد استطاعت هذه الآلية بعد تقديم آخر دفعة في 25 مايو 2021 توفير ما يقرب من 90 مليار يورو في شكل قروض لـ19 دولة أوروبية، ولا يزال لدى الدول إمكانية طلب مساعدات من هذه الآلية. ويُذكر أن لهذه الآلية القدرة على تمويل بعض الإجراءات الصحية في أماكن العمل لضمان عودة النشاط الاقتصادي بشكل آمن. وفي هذا السياق، عملت المفوضية أيضًا على تقديم مبادئ توجيهية لحماية العمال الموسميين، فضلًا عن دعم مالي إضافي للشركات الصغيرة والمتوسطة التي تضررت.

دعم البحوث الخاصة بتطوير اللقاحات: قامت المفوضية بجمع العديد من الأموال لصالح تطوير اللقاحات والعلاجات الجديدة لمنع تفشي الجائحة، وتبنت استراتيجيات للقاحات التي تم اعتماد استخدامها في 17 يونيو 2020، نيابة عن الدول الأعضاء، وتجسدت أبرز ملامحها فيما يلي:

  • BioNTech-Pfizer: قيام المفوضية في 21 ديسمبر 2020، بمنح تصريح تسويق مشروط للقاح الذي طورته BioNTech وPfizer، ليكون أول لقاح مصرح باستخدامه داخل الاتحاد الأوروبي، كما عقدت اتفاقية الشراء المسبق مع الشركة المصنعة تنص على الشراء الأولي لـ200 مليون جرعة نيابة عن الدول الأعضاء، وخيار شراء ما يصل إلى 100 مليون جرعة إضافية. كما قررت شراء 100 مليون جرعة إضافية في 15 ديسمبر 2020. علاوة على ذلك، تم عقد اتفاق مع الشركة في 10 مارس 2021 لتوريد 4 ملايين جرعة إضافية من لقاحات للدول الأعضاء للسيطرة على سرعة تفشي الفيروس، وتسهيل حرية التنقل عبر الحدود. وأخيرًا، وقّعت عقدًا ثالثًا في 20 مايو 2021 يتم بموجبه الاحتفاظ بـ1.8 مليار جرعة نيابة عن الدول الأعضاء، بين نهاية 2021 إلى 2023، بجانب السماح بشراء جرعات من اللقاح الحالي، ولقاح متكيف مع المتغيرات. وعليه، تنص العقود على إمكانية شراء الدول الأعضاء اللقاح، والتبرع به أيضًا للدول الأخرى ذات الدخل المنخفض والمتوسط، وإعادة التوجيه إلى الدول الأوروبية الأخرى.
  • Moderna: صرحت المفوضية باستخدام هذا اللقاح كثاني لقاح يمكن استخدامه في داخل الاتحاد الأوروبي في 6 يناير 2021، وكانت قد عقدت اتفاقية شراء مسبق مع الشركة يتم بموجبها الشراء الأولي لـ80 مليون جرعة نيابة عن الدول الأعضاء، مع خيار طلب ما يصل إلى 80 مليون جرعة إضافية. كما اتخذت قرار شراء 80 مليون جرعة إضافية في 15 ديسمبر 2020. فضلًا عن إبرام عقدٍ ثانٍ في 17 فبراير 2021، ينص على شراء إضافي بقيمة 300 مليون جرعة (150 مليون في عام 2021 وخيار شراء 150 مليون إضافية في عام 2022) نيابة عن الدول الأعضاء. وعليه، تنص العقود على إمكانية شراء الدول الأعضاء اللقاح، والتبرع به أيضًا للدول الأخرى ذات الدخل المنخفض والمتوسط، وإعادة التوجيه إلى الدول الأوروبية الأخرى. 
  • AstraZeneca: منحت المفوضية تصريحًا لتداول اللقاح الثالث في 29 يناير 2021 الذي طورته شركة AstraZeneca، وقد قامت أيضًا بعقد اتفاقية شراء مسبق يتم بموجبه الحصول على جرعات من اللقاح. وفي 18 يونيو 2021، أمرت المحكمة الابتدائية في بروكسل الشركة بتسليم جرعات اللقاح إلى الاتحاد الأوروبي.
  • Johnson & Johnson: استمرت المفوضية في دعم تطوير اللقاحات من خلال اعتماد لقاح “جونسون آند جونسون” في 11 مارس 2021 الذي طورته Janssen Pharmaceutica NV، إحدى شركات Janssen Pharmaceutical Companies of Johnson & Johnson، ليكون بذلك اللقاح الرابع، علاوة على عقد اتفاقية معهم يتم من خلالها تسليم 200 مليون جرعة للاتحاد الأوروبي بدءًا من الربع الثاني من عام 2021.

ويُذكر في هذا الإطار أنه جاءت عملية التصريح باستخدام اللقاحات من قبل المفوضية الأوروبية بعد توصية علمية إيجابية ترتكز على تقييم شامل لسلامة وفعالية وجودة اللقاح من قبل وكالة الأدوية الأوروبية، وتوافق عليها الدول الأعضاء.

مكافحة الاحتكار: قامت المفوضية بإعادة النظر في تقييم عملها مع البنوك الكبرى في أعقاب عمليات التداول على بيع السندات لردع أي محاولة للتلاعب؛ حيث منعت 10 بنوك عالمية من التداول الخاص ببيع سندات برنامج الجيل القادم للاتحاد الأوروبي في يونيو 2021، وتعد هذه البنوك جزءًا من مجموعة تعرف باسم “المتعاملين الأساسيين” ويبلغ عددهم 39 بنكًا، وهم مسئولون عن تقديم العطاءات للحصول على السندات إبان المزادات السندية. وعليه فقد صرح مفوض الميزانية للصحفيين يوم 15 يونيو قائلًا: “يتعين على هذه البنوك أن تثبت أنها اتخذت جميع الإجراءات العلاجية اللازمة التي طالبت بها المفوضية (…)، ونتوقع الآن تقديم المعلومات الضرورية وبعد ذلك بالطبع علينا تحليلها وتقييمها، لا يمكنني التنبؤ بالوقت الذي يستغرقه الأمر”. وقد سبق ذلك في 28 أبريل، تغريم المفوضية الأوروبية لثلاثة من أربعة بنوك كانت قد شاركت في كارتل في سوق التداول الثانوي (داخل المنطقة الاقتصادية الأوروبية) العاملة بالدولار الأمريكي، بمبلغ قدره 28 مليون يورو، نتيجة تجاوزهم لقواعد الاحتكار الأوروبية، والتأثير على استراتيجيات التداول. لذا فقد حاولت المفوضية إرسال رسالة ردع لأي سلوك مخالف للمعايير والقواعد. 

برنامج المساعدة على التعافي من أجل التماسك ومناطق أوروبا (REACT-EU): يعد هذا البرنامج من أكبر الأدوات الجديدة للاتحاد الأوروبي، وتبلغ قيمته 50.6 مليار يورو، ويعد هذا التمويل تكملة للبرامج الخاصة لـ 2014-2020، ولبرامج ومخصصات دعم التماسك 2021-2027، ليشكل بذلك أعلى آلية منح ذات سياسة موحدة في ميزانية الاتحاد الأوروبي، بهدف توسيع نطاق الاستجابة للأزمات. 

صندوق التضامن الأوروبي: كاستجابة لتداعيات الجائحة تم توسيع نطاق تعامل صندوق التضامن الأوروبي بداية من أبريل 2020، ليتضمن حالات الطوارئ الصحية، بعد أن كان قاصرًا على الاستجابة للكوارث الطبيعية. 

مبادرة الاستثمار في الاستجابة لفيروس كورونا: طرحت المفوضية في أبريل 2020 مبادرة الاستثمار في الاستجابة لفيروس كورونا، ومبادرة الاستثمار في الاستجابة لفيروس كورونا بلس، اللتين تمت الموافقة عليهما من قبل البرلمان والمجلس الأوروبي، لتوفير السيولة الفورية لدول الأعضاء، لتعزيز قدرات الدول المالية في إطار الجائحة. 

دلالات عديدة

جاءت خطوة المفوضية الأخيرة التي اعتبرتها إنجازًا حقيقيًا يُحسب للاتحاد الأوروبي، لكونها ستساهم في الاستثمار في بناء قارة أوروبية أكثر مرونة، وقابلية لمواجهة تحديات الرقمنة وتغير المناخ؛ حيث ستستخدم هذه الأموال في المدفوعات الأولى في إطار برنامج الجيل القادم للاتحاد الأوروبي، ومرفق التعافي والمرونة والبرامج الأخرى الخاصة بميزانية الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعني أن المفوضية وفقًا لهذه الخطوة ستكون قادرة خلال النصف الثاني من عام 2021 على تلبية احتياجات الدول الأعضاء المالية عبر تمويل المنح والقروض في إطار مرفق التعافي والمرونة، في سياق عدد من التدابير المالية الأخرى.

 تأتي هذه الإجراءات في سياق سعي الاتحاد الأوروبي إلى مواجهة تداعيات الأزمة على الاقتصاد الأوروبي من خلال تبني استجابة موحدة ومتوافق عليها بين الدول الأعضاء للخروج من هذه الأزمة، وحماية الاقتصاديات الأوروبية من الانهيار، ومنع تكرار استخدام سياسات تقشفية على غرار ما تم في معالجة أزمة منطقة اليورو 2008، فضلًا عن تحفيزها للتضامن معًا لمنع استحواذ الصين على الشركات الأوروبية التي تضررت خلال الموجة من الجائحة.

 جاء إجراء المفوضية الأخير بعد اتفاق وزراء مالية مجموعة السبع (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، كندا، اليابان) في بيان مشترك صادر في 5 يونيو، على ضريبة عالمية على الشركات لا تقل نسبتها عن 15%، يتم تطبيقها على أساس كل دولة على حدة؛ حيث يستهدف هذا القرار أيضًا التمهيد لإصلاح النظام الضريب العالمي، علاوة علي التصدي لمحاولات التلاعب التي تقوم بها الشركات العملاقة كتلك العاملة في مجال التكنولوجيا التي تقوم بدفع الضرائب مُتدنية عبر فتح مقرات داخل بعض الدول التي لديها معدلات ضريبية منخفضة.

 يعكس عمل الاتحاد الأوروبي من خلال المؤسسات التابعة له الحرص على حماية العمالة والوظائف ضد خطر البطالة وفقدان سبل الدخل، وعلى احتواء الزيادة في الإنفاق العام المفاجئ، وعلى التعامل مع العواقب المتنامية للجائحة من خلال تنبي استراتيجية شاملة للمواجهة، الأمر الذي يُعد دليلًا واضحًا على التضامن الأوروبي بين الدول الأعضاء، بالرغم من حالة التباين التي شابت بعض القرارات التي تجسدت إبان محاولات الاتفاق على ما يُعرف باسم “سندات كورونا” بين الدول الأكثر تضررًا والدول المقتصدة التي ترفض تحمل جزء من ديون الدول الأخرى لتخفيف عبء الديون على الدول التي تعاني من أزمات مالية.

 أكدت استراتيجية الاتحاد الأوروبي لمعالجة التداعيات المالية للجائحة على مجموعة من الإصلاحات لضمان جعل المجتمعات والاقتصاديات الوطنية أكثر استدامة وقادرة على التكييف مع التحديات المستقبلية؛ حيث يهدف -على سبيل المثال- برنامج “الجيل القادم للاتحاد الأوروبي” تحقيق ذلك، بجانب تأكيد على ضرورة التحول الأخضر وهو ما تمثل في أن ما يقرب من 30% من سندات الاتحاد الأوروبي ستكون سندات خضراء وتبلغ قيمتها ما يقرب من 250 مليار يورو. وعليه، تُعد الاستراتيجية فرصة لزيادة الاستثمارات، وخلق فرص عمل للمواطنين، ولزيادة معدلات النمو الاقتصادي في أوروبا، وهو ما كان يسعى إليه من قبل ولكن ساهمت ضرورات الاستجابة للجائحة في التسريع منه. 

 ساهمت سياسة المنع المؤقتة للمشاركة في بيع السندات التي اتبعتها المفوضية تجاه البنوك، في إعادة تقييم البنوك لسياساتهم وطريقة عملهم بما يتناسب مع المصالح الأوروبية، وتمثل رسالة ردع للبنوك التي تجاوزت قواعد الاحتكار المعمول بها في الاتحاد الأوروبي، فيما تُعد رسالة تحذير استباقية للبنك الأخرى التي تشارك الآن في عمليات التداول.

 استهدفت المفوضية من خلال استراتيجيتها الخاصة باللقاحات تحقيق التضامن الأوروبي على الصعيد الصحة، بجانب ضمان الوصول الآمن والفعال للقاحات بشكل سريع، مع سعيها في تلبية اجتياحات الدول من اللقاحات لسيطرة الجائحة وعودة الحياة إلى طبيعتها، فضلًا عن دعم الشركات المسئولة عن عملية التطوير والتصنع اللقاحات، لتسريع من وتيرة عملها. 

تحديات قائمة 

بالرغم من جهود المفوضية الأوروبية للتصدي للتداعيات المالية التي أنتجتها الجائحة؛ إلا أن هناك عددًا من التحديات ما زالت قائمة تعرقل مسار عملية التعافي للدول الأعضاء تُكمن بعضها على النحو التالي: 

أولًا: على الرغم من توقعات صندوق النقد الدولي التي أشارت إلى تحقيق دول الاتحاد الأوروبي نموًا إيجابيًا خلال 2021 يبلغ نحو 4.4%، إلا أن هذه النسبة ليست مؤشرًا كافيًا للتعبير عن تحسن الوضع الاقتصادي لأن القياس يتم مقارنة بعام 2020 الذي شهد انخفاضًا شديدًا نتيجة حالة الإغلاق وتوقف سلاسل التوريد العالمية. وأداء الاتحاد أسوأ من أداء شركائه التجاريين مثل الولايات المتحدة والصين، حيث بلغت نسبة انكماش الناتج المحلي الإجمالي لعام 2020 نحو 3.5% للولايات المتحدة، و2.3 % للصين، وفي عام 2021؛ تحسن أداء الولايات المتحدة والصين حيث بلغت نسبة النمو المتوقعة في الولايات المتحدة 6.4%، وفي الصين 8.4%. وعليه فما زال على الاتحاد الأوروبي عبء زيادة النمو الاقتصادي للخروج من الأزمة على غرار الشركاء الدوليين الذي أيضًا تعرضوا لتداعيات وخيمة إبان الجائحة. ويضاف إلى ذلك احتمال تزايد حالة الانقسام في الاتحاد الأوروبي بين الدول ذات الأحوال المالية السليمة التي ستتحمل جزءًا كبيرًا من الديون بدلًا عن الدول الأكثر تضررًا في إطار خطة التعافي، فتقبل الرأي العام الداخلي للدول الغنية دفع فواتير الغير ليس مضمونًا، وقد يرغب الكف عن تحمل هذه الأعباء الأوروبية، الأمر الذي قد يؤدي إلى عدم الالتزام بتنفيذ بنود الخطة، وإلى المطالبة بالخروج من الاتحاد الأوروبي أو بطرد الدول “المبذرة” منه لتأثير الاتحاد على مقدراتهم بشكل سلبي، وهو سيناريو من المتحمل أن يحدث فقد تكرر هذا الأمر إبان أزمة اللاجئين ورفض بعض الدول الأوروبية تقاسم الأعباء، وأدى ذلك إلى صعود اليمين المتطرف ووصوله إلى الحكم.

ثانيًا: كيف ستوائم الدول الأعضاء بين تحقيق أولوياتها الاقتصادية لاحتواء تداعيات الجائحة وبين أهداف خطة التعايش التي ترتكز على التحول الأخضر لكي يكون الاتحاد الأوروبي محايدًا مناخيًا بحلول عام 2050، ومن الجلي الواضح أن تنفيذ ذلك سيتطلب تغييرًا في النهج والسياسات الراهنة في كافة القطاعات الصناعية، واستبدال مصادر الطاقة الحالية بمصادر صديقة للبيئة، علاوة على إقناع الرأي العام بهذا النهج واستخدامه، الأمر الذي سيتطلب وقتًا كبيرًا، وقد يواجه مقاومة بعض الدول والشركات التي تعتمد على الصناعات كثيفة الكربون، أو التي ترتكز على الطاقة الكهربائية، علاوة على وجود حالة من التباين بشأن الطاقة النووية في مزيج الطاقة المستقبلي في الاتحاد الأوروبي، وبشأن كيفية التقليل من الانبعاثات الكربونية. وفي هذا الإطار، تمكنت إسبانيا وألمانيا وسلوفينيا والدنمارك ولوكسمبورج والبرتغال واليونان وفرنسا ولاتفيا في، 30 أبريل 2021، من تقديم خططهم في الموعد النهائي الذي حددته المفوضية، إلا أنها أعلنت في منتصف يونيو أن البرتغال أول دولة تحصل على الموافقة على الخطة. وعليه، من المتوقع أن تتأثر خطط تعافي الدول الأعضاء نتيجة النهج البيروقراطي الذي تعتمد عليه المفوضية لكي توافق على الخطط، وهو ما يجعل احتماليات التعافي السريع للدول تتباطأ، فضلًا عن تعرضها لبعض العراقيل التي ستحد من كفاءتها. 

ثالثًا: أما فيما يتعلق بالاتفاق الضريبي فإنه ما زال في مرحلته الأول، فيحتاج إلى مزيد من الإجراءات الخاصة بكيفية تجميع هذه الضرائب، وما هي الشركات التي سيتم تطبيقها عليه، بجانب التوافقات بين القوى الصناعية الكبرى وتأتي في مقدمتهم الصين على تنفيذه، كما سيتطلب تعديل القوانين الداخلية الخاصة بالضرائب موافقة البرلمانات المحلية عليها. قد تتضح الأمور خلال قمة مجموعة العشرين (G 20) في اجتماعها المقرر عقده في يوليو بإيطاليا، ثم بعد ذلك سيتم مناقشة الاتفاق والتوافق على تفاصيله في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCED) التي ثماني وثلاثين دولة. لذا، من المتوقع أن تخضع قرارات الدول في مسار التفاوض حول التنفيذ لضرورات الحفاظ على مصالحها أولًا وثانيًا، في ظل التفاوت الاقتصادي التي خلقته الجائحة.

رابعًا: بالنظر إلى استراتيجية اللقاحات التي تبنتها المفوضية الأوروبية، بالرغم من أنها كانت دليلًا على التضامن، إلا أنها كانت رد فعل لتداعيات الموجة الأولى التي أظهرت تقاعس وعدم تضامن الدول الأعضاء مع الدول الأكثر تضررًا مثل إيطاليا. وكانت المقارنة مع مساعدات الصين قاسية، كما أن تنفيذ هذه الاستراتيجية أثبت لم يحقق أهدافها إلى الآن، وقد تجلى ذلك على سبيل المثال في حالة التفاوت بين الدول في السيطرة على عدد الإصابات والوفيات، والتخفيف من إجراءات الإغلاق، نتيجة بطء عملية التلقيح فحتى أبريل 2021 تلقى 15% من مواطني الدول الأعضاء جرعة واحدة على الأقل، مقاربة بـ45% في المملكة المتحدة، 31% في الولايات المتحدة. هذا بجانب عدم التزام الشركات المصنعة بجدول التسليم، لكون المفوضية لم تلزمهم بمواعيد تسليم بالعقود المحددة. فضلًا عن عدم تسليم الجرعات المتفق عليها، وهو ما حدث مع شركة AstraZeneca.ختامًا، بالنظر إلى إجراءات الاتحاد الأوروبي المالية بالرغم من كونها تمثل خطوات إيجابية نحو التضامن واحتواء تداعيات الجائحة، إلا أنه من المبكر الحكم على فعاليتها المستقبلية على الاقتصاديات الأوروبي.

آية عبد العزيز
باحثة بوحدة الدراسات الأوروبية