وحدة الأمن السيبراني

سياسات تقييدية: روسيا في مواجهة وسائل التواصل الاجتماعي وعمالقة التكنولوجيا

اتخذت موسكو خطوات جادة في الأشهر القليلة الماضية لتنظيم وكبح وسائل التواصل الاجتماعي والشركات التكنولوجية العملاقة إلى حد فرض غرامات مالية ضخمة تذرعًا بمحتويات متطرفة وانتهاكات غير مقبولة. إذ تسعى روسيا لإجبار الشركات الأجنبية على فتح مكاتب لها في الداخل الروسي بهدف تخزين البيانات الشخصية للروس على أراضيها. وهو الأمر الذي أثار الجدل حول طبيعة تلك السياسات؛ بين من يرى أنها أحدث تحرك من جانب موسكو لإحكام سيطرتها على الإنترنت والشركات التكنولوجية العملاقة في إطار سيادتها السيبرانية من ناحية، ومن يرى أنها وسيلة لتكميم الأفواه تحت دعاوى تلك السيادة من ناحية ثانية. قوانين مستحدثة وقّع الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” قانونًا…

د. رغدة البهي
رئيس وحدة الأمن السيبراني

اتخذت موسكو خطوات جادة في الأشهر القليلة الماضية لتنظيم وكبح وسائل التواصل الاجتماعي والشركات التكنولوجية العملاقة إلى حد فرض غرامات مالية ضخمة تذرعًا بمحتويات متطرفة وانتهاكات غير مقبولة. إذ تسعى روسيا لإجبار الشركات الأجنبية على فتح مكاتب لها في الداخل الروسي بهدف تخزين البيانات الشخصية للروس على أراضيها. وهو الأمر الذي أثار الجدل حول طبيعة تلك السياسات؛ بين من يرى أنها أحدث تحرك من جانب موسكو لإحكام سيطرتها على الإنترنت والشركات التكنولوجية العملاقة في إطار سيادتها السيبرانية من ناحية، ومن يرى أنها وسيلة لتكميم الأفواه تحت دعاوى تلك السيادة من ناحية ثانية.

قوانين مستحدثة

وقّع الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” قانونًا (أقره المشرعون في 17 يونيو 2021) ليجبر عمالقة التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي الأجنبية على فتح مكاتب لها في روسيا بحلول شهر يناير 2022. إذ يلزم القانون الجديد شركات على شاكلة “فيسبوك” و”جوجل” وغيرهما بإقامة فروع ومكاتب لها في روسيا دون أن يعني ذلك بالضرورة -تبعًا للتصريحات الرسمية للرئيس “بوتين”- حظر أي منها حتى مع فشلها في كثير من الأحيان في التقيد بقوانين البلاد الداخلية. ومع هذا، فإن القانون الجديد يعني بالضرورة إحكام الرقابة الروسية على الشركات التكنولوجيا من ناحية، وتعزيز السيطرة على الإنترنت من ناحية ثانية، وتقليص الاعتماد على الشركات والدول الأجنبية من ناحية ثالثة.

فقد تضمن القانون الجديد نصوصًا تلزم الكيانات الأجنبية التي تقوم بأي أنشطة عبر الإنترنت في روسيا بإنشاء فرع لها أو مكتب ذي صفة قانونية، وهو الأمر الذي ينطبق على عمالقة الإنترنت ممن يزيد جمهورهم اليومي في روسيا على 500 ألف شخص. كما يجب على الشركات تسجيل حساب شخصي عبر الموقع الإلكتروني الرسمي للهيئة الاتحادية الروسية المعنية بالإشراف على الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ووسائل الاعلام “روسكومنادزور” المعروفة باللغة الروسية باسم (Roskomnadzor) وباللغة الإنجليزية باسم (Federal Service for Supervision of Communications, Information Technology and Mass Media).

وبشكل عام، يشمل القانون قطاع المعلومات، وإعلانات الإنترنت، وتجار التجزئة، ومقدمي خدمات الاستضافة، ومشغلي أنظمة الإعلان، ومنظمي نشر المعلومات، وشركات التجارة الإلكترونية، ووسائل التواصل الاجتماعي (وفي مقدمتها: “تويتر” و”يوتيوب” و”إنستغرام”)، لأنها تستخدم البيانات الشخصية للمواطنين الروس وسط مخاوف من أن يطال هذا القانون موقع “ويكيبيديا” أيضًا. والجدير بالذكر إن وسائل ومؤسسات الإعلام في روسيا ملزمة قانونًا بتسجيل نفسها كعميل أجنبي إن تلقت تمويلًا من الخارج.

وفي مقابل التقيد بتلك القواعد، يسمح لتلك الشركات بممارسة أنشطتها في السوق الروسية وإلا تعرضت للحظر التام. فبحسب القانون، سيخضع فرع الشركة الأجنبية للمحاسبة إن انتهك القوانين الروسية. لذا، قد تواجه مواقع الويب والمنظمات التي لا توافق على التشريع أو تفشل في إنشاء فرع أو مكتب محلي إجراءات عقابية من قبيل اعتبارها غير متوافقة في محركات البحث أو إزالتها من نتائج البحث أو حظرها كلية. 

غرامات مالية

في 22 يوليو 2021، فرضت محكمة “تاجانسكي” الجزئية في موسكو غرامات مالية على شركتي “فيسبوك” و”تويتر” -من بين أخرين- لتقاعسهما عن حذف محتوى اعتبرته موسكو غير قانوني، وتحديدًا لارتكاب مخالفتين إداريتين مختلفتين تتعلقان بالمشاركات التي تدعو إلى احتجاجات غير مصرح بها. وتبعًا للمحكمة، فُرضت غرامات على “فيسبوك” بلغ إجماليها 6 مليون روبل، كما فُرضت غرامات مجمعة على “تويتر” في تهمتين مختلفتين بإجمالي 5.5 مليون روبل، وكذا على تطبيق “تليجرام” بنحو 11 مليون روبل في ثلاث جرائم مختلفة.

ويجب وضع تلك الغرامات في سياق الجهود الدولية الرامية إلى مجابهة المحتوى المتطرف على وسائل التواصل الاجتماعي وسط مطالبات ببذل مزيد من الجهد لضبط ذلك المحتوى. وفي هذا الإطار، التقى رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون” مؤخرًا بممثلين عن تلك المنصات، وحذر من فرض غرامات تصل إلى 10% من عائداتها العالمية إن أخفقت في حذف المحتوى الذي يحض على الكراهية أو العنصرية. 

ومن الجدير بالذكر أن “روسكومنادزور” حررت بين 11 فبراير و1 مارس 2021 محاضر بشأن نشر محتويات تُحرّض القاصرين على المشاركة في أعمال غير مشروعة. وأعلنت عن عزمها فرض غرامات على خلفية نشر محتويات محظورة على وسائل التواصل الاجتماعي بما في ذلك: “تيك توك”، و”فكونتاكتي”، و”أودنوكلاسنيكي”، و”فيسبوك”، و”تويتر”، و”يوتيوب”. وعلى خلفية ذلك، حُكم على مجموعة “مايل دوت رو غروب” (Mail.ru Group) الإعلامية الروسية بدفع غرامة قدرها 4 ملايين روبل لفشلها في حذف محتوى على موقع التواصل “اودنوكلاسنيكي”، وهو المحتوى الذي يدعو القاصرين إلى المشاركة في أعمال غير مرخص بها. 

وعلى صعيد متصل، قد تواجه شركة “جوجل” غرامة قد تصل إلى 6 ملايين روبل على خلفية القضية الإدارية التي رفعتها روسيا على خلفية خرق قانون البيانات الشخصية. وفي هذا السياق، قالت “روسكومنادزور” إن روسيا رفعت قضية إدارية ضد “جوجل” لعدم تخزين البيانات الشخصية للمستخدمين الروس في قواعد بيانات على الأراضي الروسية. والجدير بالذكر إن شهر مايو الماضي قد شهد فرض غرامات مالية على كل من “جوجل” و”فيسبوك” بسبب فشلهما في حذف محتوى اعتبرته موسكو غير قانوني، حيث فرضت محكمة “تاجانسكي” الجزئية في موسكو غرامة قدرها 26 مليون روبل في ثماني اتهامات منفصلة، في حين دفعت “جوجل” ستة مليون روبل عن ثلاث مخالفات مختلفة.

إجراءات عقابية

يخضع “تويتر” بالفعل لسياسات عقابية روسية منذ مارس 2021 بسبب تغريدات تحتوي على صور أطفال خليعة ومعلومات عن تعاطي المخدرات ودعوات لانتحار القصر، فيما ينفي “تويتر” السماح باستخدام منصته للترويج لسلوكيات غير قانونية، وسط تأكيدات على عدم تسامح سياسته مع الاستغلال الجنسي للأطفال وحظر الترويج للانتحار أو إيذاء الذات. وفي هذا السياق، أبطأت روسيا سرعة الدخول إلى “تويتر” من خلال خنق حركة المرور المحلية، بسبب تجاهله مطالب “روسكومنادزو” بحذف المحتوى المتطرف منذ عام 2017، وهو ما دفع روسيا للتهديد بتصعيد الإجراءات المتخذة بما في ذلك التهديد بالحظر التام.

إذ تستمد “روسكومنادزور” سلطتها لخنق “تويتر” من قانون “سيادة الإنترنت” الذي دخل حيز التنفيذ في نوفمبر 2019. فبالإضافة إلى مطالبة مشغلي الاتصالات الروسية بتثبيت أجهزة خاصة لفلترة الشبكة، يُخوّل القانون “روسكومنادزور” تحديد التهديدات الأمنية ذات الصلة بالإنترنت والسبل اللازمة لمجابهتها بما في ذلك تغيير مسارات رسائل الاتصالات وتغيير تشكيل الاتصالات. وبتفسير القانون على نطاق واسع، يمكن أن يشمل هذا خنق حركة المرور أيضًا.

ووفقًا لتقرير الشفافية الذي تُصدره شركة “تويتر” دوريًا، قدمت روسيا 8949 طلب إزالة في النصف الأول من عام 2020، من بينها تصدي “تويتر” لما يقرب من 20% منها فقط، ما حدّ من الوصول إلى 1437 تغريدة داخل روسيا. ومن خلال تطبيق شروط الخدمة الخاصة به، اتخذ “تويتر” أيضًا إجراءات غير محددة ضد 628 حسابًا حددتها السلطات الروسية (بما في ذلك إزالة محتوى معين أو حظر المستخدمين تمامًا). وتبعًا للرواية الروسية، تجاهل “تويتر” اللوائح الروسية التي تطالبه بتخزين البيانات الشخصية للمستخدمين الروس على خوادم محلية منذ عام 2015. 

فاعتبارًا من ديسمبر 2020، تفرض القوانين الإدارية الروسية عقوبات على الكيانات التي تفشل في تقييد الوصول إلى المعلومات التي يُفترض أنها تجذب القاصرين إلى التجمعات العامة غير المسموح بها. وقد رفض “تويتر” فرض رقابة على المحتوى الذي يُزعم أنه يتوافق مع هذا الوصف على الرغم من حذف الوسطاء مئات الحسابات المشتبه في كونها دعاية موالية لروسيا. وعلى صعيد متصل، أشارت “روسكومنادزور” في يوليو 2021 إلى أن “يوتيوب” يتجاهل مطالب حذف مقاطع الفيديو التي تحتوي على معلومات كاذبة عن فيروس كورونا وموضوعات أخرى، كاشفة أنها أرسلت إلى “جوجل” أكثر من 24 ألف طلب لحذف محتويات متطرفة. 

دوافع محركة

يمكن الوقوف على أبرز دوافع السياسات الروسية سالفة الذكر، وذلك على النحو التالي:

إحكام القبضة الروسية: تطال السياسات الروسية جميع شركات تكنولوجيا المعلومات وأصحاب مواقع الويب وأنظمة المعلومات والبرامج التي تستخدم اللغة الروسية أو اللغات المتداولة بين الجماعات العرقية في الاتحاد الروسي. كما تستهدف روسيا الشركات التي تقدم إعلانات للمواطنين الروس أو التي تعالج البيانات الشخصية للمستخدمين المقيمين في روسيا أو تتلقى دعمًا ماليًا منها. وهو ما يعني بسط السيطرة الروسية على عدد متزايد من الشركات لا سيما شركات التكنولوجيا العملاقة ووسائل التواصل الاجتماعي بهدف ضبط المحتوى الذي يتماس مع الشأن الداخلي الروسي في المقام الأول.

تقويض المعارضة: تعترض روسيا على توظيف المعارضين السياسيين لمنصات التواصل الاجتماعي الأجنبية لتنظيم ما تصفه بالاحتجاجات غير القانونية أو إعلان التحقيقات ذات الصبغة السياسية في قضايا الفساد المزعوم، وبخاصة أنها أضحت إحدى وسائل تحدي الرواية الروسية الرسمية. ولذا، يمكن النظر إلى السياسات الروسية بوصفها وسيلة لقمع المعارضة وحظر التعليقات عبر الإنترنت. ففي يناير وأوائل فبراير 2021، راجت سلسلة من التجمعات الضخمة المناهضة للحكومة بنشاط على “فيسبوك” و”يوتيوب” و”تيك توك”؛ وقد لعب الأخير دورًا كبيرًا في نشر أفكار السياسي المعارض “ألكسي نافالني” وأنصاره. ومنذ ذلك الحين، كثفت روسيا مساعيها لضبط الإنترنت والمحتوى المتداول عليه. والجدير بالذكر إن تحقيقات “نافالني” لمكافحة الفساد حصدت مئات الملايين من المشاهدات على موقع “يوتيوب”، فيما بلغ إجمالي مشاهدات المحتوى المقدم عن قصر بوتين نحو 96 مليون مشاهدة خلال أسبوع واحد فقط. 

نشر الدعاية الروسية في الخارج: برر المشرعون الروس الإجراءات التقييدية على اعتبار أن منصات التواصل الاجتماعي الأجنبية فرضت رقابة غير عادلة على المحتوى الروسي الرسمي المتداول عبر الإنترنت، والصادر عن الإعلام الروسي عبر قنوات “روسيا اليوم” و”سبوتنيك” والقرم 24″. وتبعًا للتصريحات الرسمية الصادرة عن “روسكومنادزور”، قامت المنصات الأجنبية بمراقبة وسائل الإعلام الروسية 24 مرة في عام 2020 فحسب.

تحجيم عمالقة التكنولوجية: تتطلع روسيا إلى كبح نفوذ الشركات التكنولوجية العملاقة في البلاد، وهو ما تجلى بوضوح منذ عام 2019 عندما سنت قانونًا يلزم صانعي الأجهزة بالتثبيت المسبق للتطبيقات روسية الصنع على الهواتف الذكية وأجهزة التلفزيون وأجهزة الكمبيوتر مع السماح لشركة “أبل” بدلًا من ذلك بإظهار التطبيقات للمستخدمين أثناء عملية الإعداد. وفي هذا السياق، تمنح الشركات الأجنبية (التي لديها مكاتب محلية) الحكومات نفوذًا أكبر عندما يتعلق الأمر بإنفاذ قواعدها ولوائحها.

إعطاء الأولوية للأمن السيبراني: تعد السياسات الروسية انعكاسًا لأبرز بنود استراتيجية الأمن القومي الروسي الجديدة التي تضع الأمن السيبراني على قائمة الأولويات القومية الاستراتيجية. ومن أبرز ما جاء فيها أن التطوير السريع لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات يزيد المخاطر المحتملة على أمن المواطنين والمجتمع والدولة، كما أن توسعة نطاق استخدام تلك التكنولوجيا للتدخل في شئون دول وتقويض سيادتها ووحدة أراضيها يشكل خطرًا على الأمن والسلام الدوليين، وأن المبادرات الروسية الرامية إلى ضمان الأمن المعلوماتي الدولي تواجه معارضة من قبل دول أجنبية تسعى إلى الهيمنة في الفضاء المعلوماتي العالمي، وأن الشركات الدولية العملاقة تسعى إلى ترسيخ احتكارها في الإنترنت والسيطرة على كل الموارد المعلوماتية من خلال فرض الرقابة غير القانونية وإغلاق موارد معلوماتية بديلة. وفي هذا الإطار، تهدف روسيا إلى ضمان أمنها السيبراني وتعزيز سيادتها في المجال المعلوماتي. 

تعزيز السيادة السيبرانية: تهدف السياسات الروسية إلى الحد القاطع من حالات المتاجرة بالبيانات الشخصية والسرية، بجانب تعزيز التعاون مع الشركاء الأجانب في مجال الأمن السيبراني بما يخدم إنشاء نظام دولي جديد خاص بهذا الشأن. ولذا، يمكن النظر إلى السياسات الروسية بوصفها ردًا على الإجراءات غير الودية التي تتخذها الدول الأجنبية التي تهدد سيادة روسيا السيبرانية. والجدير بالذكر إن روسيا أقرت في عام 2019 قانون “الإنترنت السيادي” الذي يمنح المسئولين سلطات واسعة النطاق لتقييد حركة المرور عبر الإنترنت إلى حد عزل البلاد عن اتصالات الإنترنت عبر الحدود أثناء حالات الطوارئ الوطنية. كما حذرت موسكو مرارًا من استعدادها لاستخدام هذا القانون إذا وصلت الاضطرابات إلى مستويات غير مسبوقة.

أخيرًا، فإن روسيا تعتزم توجيه السواد الأعظم من حركة الإنترنت محليًا. وقد اتخذت خطوات جادة لمكافحة المحتوى المتطرف، وتنظيم عمل الشركات الأجنبية، وضبط المحتوى ذي الصلة بالشأن الروسي. واستخدمت في سبيل ذلك أدوات عدة تراوحت بين الحظر والغرامات المالية والتحكم في حركة الإنترنت والقوانين التشريعية. وجميعها أدوات لم تكن وليدة اليوم بقدر ما كانت حلقة جديدة من حلقات سالفة لتعزيز السيادة السيبرانية التي يتباين تعريفها من دولة إلى أخرى بطبيعة الحال؛ فما يراه البعض حقًا أصيلًا لروسيا، يراه البعض الآخر محاولات لخنق متنفس للأصوات المعارضة بطريقة أو بأخرى.

د. رغدة البهي
رئيس وحدة الأمن السيبراني