وحدة الدراسات الأفريقية

“تعاون الضرورة”: دوافع وأهداف المناورات البحرية السنغالية-الموريتانية

خلال الفترة من الثامن إلى العاشر من يوليو 2021، أجرت البحريتان الموريتانية والسنغالية مناورات بحرية في المياه الإقليمية للبلدين في المحيط الأطلنطي بمُشاركة أربع سفن حربية بواقع سفينتين من كل دولة، وتأتي هذه المناورات بعد التدريبات المُشتركة التي نظمتها البحريتان في العاشر من مارس 2021، والتي شهدت مُشاركة ست سفن حربية لتعزيز القدرات الدفاعية، حيث تُشكّل هذه الأنشطة المُشتركة بعدًا رئيسيًا من أبعاد التعاون العسكري المتنامي بين البلدين بموجب اتفاق الترتيبات الفنية المُشتركة بين البحريتين الموقع في فبراير 2020، والمبادئ التوجيهية التي وضعها قائدا جيشي البلدين في اجتماعات داكار في يونيو 2021.  أهداف المناورات المتعددة تعتبر قضايا الأمن البحري من…

نسرين الصباحى
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية

خلال الفترة من الثامن إلى العاشر من يوليو 2021، أجرت البحريتان الموريتانية والسنغالية مناورات بحرية في المياه الإقليمية للبلدين في المحيط الأطلنطي بمُشاركة أربع سفن حربية بواقع سفينتين من كل دولة، وتأتي هذه المناورات بعد التدريبات المُشتركة التي نظمتها البحريتان في العاشر من مارس 2021، والتي شهدت مُشاركة ست سفن حربية لتعزيز القدرات الدفاعية، حيث تُشكّل هذه الأنشطة المُشتركة بعدًا رئيسيًا من أبعاد التعاون العسكري المتنامي بين البلدين بموجب اتفاق الترتيبات الفنية المُشتركة بين البحريتين الموقع في فبراير 2020، والمبادئ التوجيهية التي وضعها قائدا جيشي البلدين في اجتماعات داكار في يونيو 2021. 

أهداف المناورات المتعددة

تعتبر قضايا الأمن البحري من أكثر القضايا الشائكة في منطقة غرب إفريقيا، حيث تعاني هذه المناطق من الإرهاب والجريمة المُنظمة العابرة للحدود، والقرصنة البحرية، والصيد الجائر، والاتجار غير المشروع بالأسلحة والمخدرات، وكذلك التدفقات المالية غير المشروعة. وعليه، اتفقت دولتا موريتانيا والسنغال على تنفيذ دوريات وتدريبات مُشتركة لقواتهما البحرية الوطنية، بهدف حلّ النزاعات التي تندلع بانتظام في قطاع صيد الأسماك، حيث تُعدُّ منطقة المياه الإقليمية للبلدين موطنًا لواحدة من أكثر البيئات البحرية ثراءً بالموارد في العالم، ولكن يُعاني سكانها من الفقر على نطاق واسع وندرة سُبل العيش.

تَسعى هذه المناورات إلى تطوير التعاون العملياتي بهدف المراقبة المُشتركة لأنشطة استغلال حقل الغاز البحري السلحفاة – أحميم Greter Tortue Ahmeyim، حيث يعتبر هذا المشروع واحدًا من أهم مشاريع الطاقة في غرب إفريقيا. وعلاوةً على ذلك، تفعيل الدوريات الأمنية المُشتركة على الحدود البحرية لضمان أمن البلدين، وصيانة المصالح المشتركة، وتعزيز الإجراءات الوقائية ضد أي تهديدات.

وفي هذا الصدد، تَدربت الوحدات المشاركة على عمليات مُكافحة الصيد البحري غير المشروع، وتهريب المخدرات، والقرصنة البحرية، لتحسين جاهزيتها لمُواجهة المخاطر المُستجدة في ظل التهديدات الأمنية المُتسارعة، كما تم تَبادل الأطقم وتنسيق الإجراءات، وأقامت مراكز تنسيق العمليات التابعة لقوات البحريتين قنوات اتصال واختبار الإجراءات التكتيكية من خلال تنسيق التدريبات البحرية عبر الأقمار الصناعية.

الدوافع الاقتصادية للتعاون العسكري

جاء الاتجاه المتصاعد لتعزيز التعاون العسكري بين السنغال وموريتانيا مواكبًا لطفرة في المصالح الاقتصادية المشتركة بين البلدين والتي تتطلب جهودًا منسقة لحمايتها والاستفادة منها على النحو الأمثل، وتتمثل أبرز هذه المصالح في:

  • اكتشافات الغاز في المياه الإقليمية: بعد الطفرة الكبيرة في اكتشافات الغاز قبالة سواحل البلدين، قرر رئيسا السنغال وموريتانيا توحيد الجهود للسيطرة على حقول الغاز البحرية، حيث تم التوقيع على اتفاقيات تعاون خلال زيارة ماكي سال رئيس السنغال لدولة موريتانيا خلال يومي الثاني عشر والثالث عشر من يوليو 2021. حيث يمتد إنتاج مشروع حقل غاز “السلحفاة-أحميم” عند عمق 2 كم على الحدود البحرية لموريتانيا والسنغال، وهو بذلك أعمق مشروع بحري لاستخراج الغاز في إفريقيا، ويتم تطوير المشروع بالتشارك بين البلدين. كما كان البعد البيئي حاضرًا في هذا التعاون بين البلدين، حيث تم الاتفاق على الحد من البصمة الكربونية Carbon Footprint الناتجة عن استغلال الغاز الطبيعي من خلال التعاون في استخدام الطاقات المُتجددة والتقنيات النظيفة، والتنسيق بين البلدين فيما يتعلق بمشروع غاز “أحميم”، بما يساعد على تنفيذ برامج التحوّل الأخضر والطاقة النظيفة الذي تلتزم به العديد من الدول الإفريقية.
  • تطوير التعاون في مجال الصيد: نتيجة للتجاور الجغرافي، تشهد المياه الإقليمية للبلدين حوادث متكررة نتيجة انتهاك الصيادين للحدود الدولية. حيث تكرر قيام خفر السواحل الموريتاني بمُصادرة قوارب سنغالية، مما أدى لتظاهر الصيادين السنغاليين في فبراير 2021 بمدينة سانت لويس للمُطالبة بمزيد من التسهيلات على الجانب الآخر من الحدود، وضرورة إطلاق حوار لتنظيم وإدارة عمليات الصيد البحري في المياه الإقليمية، وعمل مدونة سلوك لاحتواء هذه الخلافات والمناوشات المتكررة. على هذه الخلفية، قامت السنغال وموريتانيا بالتوقيع على اتفاقيات متعددة في قطاع الثروة السمكية الذي لطالما كان مشكلة عالقة بين البلدين، وستسمح هذه الشراكة الجديدة للصيادين من كلا البلدين بالصيد في المياه المجاورة دون قلق من خفر السواحل. وفي هذا السياق، وقع “أليون ندوي” وزير الثروة السمكية والاقتصاد البحري السنغالي مع نظيره الموريتاني اتفاقية تعاون في مجال الصيد والاستزراع السمكي بين البلدين.
  • تنمية حوض نهر السنغال (OMVS): يشترك في حوض النهر أربع دول (السنغال، وموريتانيا، ومالي، وغينيا)، حيث يعتمد كل منهما بشكل رئيسي على مياهه، وقد شهدت المنطقة العديد من موجات الجفاف المُتكررة التي جعلت منها واحدةً من أكثر مناطق القارة الإفريقية فقرًا مائيًا. بالإضافة إلى ذلك، فقد ظهرت العديد من التوترات والخلافات تاريخيًّا بين موريتانيا والسنغال بسبب تجاوزات المزارعين السنغاليين والرعاة الموريتانيين. ولذلك، أدركت دول حوض النهر، وتحديدًا موريتانيا والسنغال، أهمية تعزيز التعاون والاستفادة من مياه النهر عن طريق إدارة المياه وتعزيز التنمية في حوض نهر السنغال، وهو المجال الذي يشهد خطوات تنظيمية متسارعة في السنوات الأخيرة.

المواجهة المشتركة للمُهدّدات الأمنية العابرة للحدود

تعاني كل من السنغال وموريتانيا من الوقوع في وسط بيئة مُحفزة لعددٍ من المخاطر المُرتبطة بالتهديدات الأمنية المتعددة، مثل: الجريمة العابرة للحدود، وأعمال القرصنة البحرية، والهجرة غير الشرعية، بجانب الآثار السلبية التي تحملها التغييرات والاضطرابات البيئية وتداعيات التغيُّر المناخي. كل هذه التحديات مثّلت دوافع إضافية لتعزيز التعاون العسكري بين السنغال وموريتانيا من أجل رفع قدرة البلدين على مواجهة تحديات أمنية تتسم بطبيعتها العابرة للحدود.

فقد أصبحت منطقة غرب إفريقيا، بما في ذلك المياه الإقليمية بين موريتانيا والسنغال، بؤرةً للعديد من الجرائم والانتهاكات في مقدمتها القرصنة البحرية وعمليات السطو المُسلح، والهجمات على السفن، والصيد غير المشروع، والجريمة المنظمة في قطاع مصايد الأسماك، هذا بجانب ممارسات أخرى لا تقل خطورة، مثل: إلقاء النفايات السامة، وتهريب الكوكايين، بدءًا من غينيا بيساو مرورًا بالسنغال ثم موريتانيا وصولًا إلى أوروبا. ولذا، هناك ضرورة لتعزيز مُراقبة الحدود على المياه الإقليمية لمنع الجريمة العابرة للحدود ومُكافحتها بكافة أشكالها.

كل هذه المشكلات كانت سببًا في تفاقم مشكلة أكبر تتمثل في الهجرة غير الشرعية. فمع تفشي ظاهرة الصيد الجائر وغير المشروع، تفجرت أزمة نقص مخزونات الأسماك المحلية. مما دفع الشباب من السنغال وموريتانيا للهجرة من غرب إفريقيا إلى جزر الكناري بإسبانيا بأعداد متزايدة، وذلك في ظل تسجيل غرب إفريقيا أعلى معدل في مستويات الصيد غير المشروع، حيث تخسر الدول الساحلية في غرب إفريقيا 1.3 دولار سنويًا و37% من صيدها السنوي بسبب الصيد غير القانوني، ويتم نقل معظم هذه الأسماك إلى الاتحاد الأوروبي والصين، أكبر أسواق الأسماك في العالم، بينما يُدمر الصيد الجائر سُبل العيش والأمن الغذائي لسكان غرب إفريقيا.

من كلّ ما سبق، يتضح أن التحديات المشتركة العابرة للحدود التي تواجه كلًا من السنغال وموريتانيا قد فرضت على البلدين تعزيز مستوى التعاون الذي لم يعد مقصورًا على التشاور وتنسيق السياسات، وإنما بات يأخذ صورًا ملموسة يجسدها التعاون العسكري في المجال البحري بصورة خاصة. وتعكس المؤشرات الأولية فرصًا كبيرة لنجاح هذا التعاون الثنائي ليتحول إلى نموذج قابل لأن تتسع رقعة تطبيقه في المستقبل لتشمل المزيد من دول غرب إفريقيا.

نسرين الصباحى
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية