إثيوبيا تفتح أبواب الحرب الأهلية من جديد

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

لم يقف الكثيرون أمام إعلان حكومة أبى أحمد فى يونيو الماضى وقف إطلاق النار أحادى الجانب مع «جبهة تحرير تيجراى»، التى ظلت تقود القتال منذ نوفمبر ٢٠٢٠، فى مواجهة الجيش الفيدرالى الإثيوبى وحلفائه من القوات الإريترية والقوة العسكرية المحلية لإقليم «الأمهرة». تمامًا كما ينظر لما جرى الإعلان عنه قبل أيام بالدعوة إلى فتح أبواب التطوع، للانتظام فى صفوف الجيش الإثيوبى بأديس أبابا وحمل السلاح، حيث تقوم السلطات الحكومية فى أنحاء البلاد بالتعبئة للالتحاق بالقتال، من خلال مسيرات خرجت تدعو المواطنين إلى تسجيل أسمائهم فى كشوف المقاتلين. مما يفهم ضمنًا أنه قرار باستئناف القتال مرة أخرى دون تحديد للجبهة، التى يعتزم…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

لم يقف الكثيرون أمام إعلان حكومة أبى أحمد فى يونيو الماضى وقف إطلاق النار أحادى الجانب مع «جبهة تحرير تيجراى»، التى ظلت تقود القتال منذ نوفمبر ٢٠٢٠، فى مواجهة الجيش الفيدرالى الإثيوبى وحلفائه من القوات الإريترية والقوة العسكرية المحلية لإقليم «الأمهرة». تمامًا كما ينظر لما جرى الإعلان عنه قبل أيام بالدعوة إلى فتح أبواب التطوع، للانتظام فى صفوف الجيش الإثيوبى بأديس أبابا وحمل السلاح، حيث تقوم السلطات الحكومية فى أنحاء البلاد بالتعبئة للالتحاق بالقتال، من خلال مسيرات خرجت تدعو المواطنين إلى تسجيل أسمائهم فى كشوف المقاتلين. مما يفهم ضمنًا أنه قرار باستئناف القتال مرة أخرى دون تحديد للجبهة، التى يعتزم أبى أحمد الخوض فيها خلال الفترة المقبلة!.

الثابت عمليًا أن القتال لم يهدأ منذ الإعلان الأول فى نهاية يونيو وصولًا إلى القرار الثانى، الذى يعد بمثابة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من تدهور فادح أصاب محور أديس أبابا وحلفاءها، فما بدأ الحديث بشأنه فى الإعلام الدولى وما كان سببًا فى ممارسة ضغوط مباشرة على أديس أبابا بوقف فورى للقتال فى إقليم تيجراى هى الاكتشافات المروعة فى المناطق القريبة من الحدود الإثيوبية السودانية، والتى ألقت أضواء كاشفة على ملامح الفظائع الأخيرة التى استمرت تسعة أشهر بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وحلفائها، وبين المقاتلين فى منطقة تيجراى والتى منها- حسب عمال الإغاثة الدوليين الذين شاركوا فى استعادة عشرات الجثث- أن مياه النيل جرفت ما لا يقل عن «٤٠ جثة» على ضفة نهر شرق السودان فى أسبوع واحد فقط، وفى أغلب تلك الحالات كانت على بُعد بضع مئات من الأمتار فقط من الحدود مع إثيوبيا.

المحققون الذين عملوا على هذا المشهد طوال شهر يوليو الماضى أكدوا أنه تم التعرف على عدد قليل من الجثث، لكن العديد منها تبين أنها تحمل وشومًا تشير إلى أنهم من عرقية تيجراى، وأثبت فى نتائج التحقيق أن العديد منهم يحملون علامات وفاة عنيفة، أو كانت أياديهم مقيدة خلف ظهورهم وتحمل أجسادهم جروحًا خطيرة، وبعضهم أصيب بالرصاص.

وهذه الحقائق خرجت من معسكر اللاجئين الموجود بداخل الأراضى السودانية، والذى وصل النازحون إليه إلى ما يقارب «٤٠ ألف إثيوبى» فروا من ظروف معيشية تدفعهم إلى المجاعة الكاملة، فضلًا عن التهديد الأمنى البالغ جراء النيران والاعتداءات الجنسية والتعذيب البدنى الذى لا يتوقف إلى حد وصف الأمر بالمشهد المروع عبر كل من تواجد بداخل هذا المعسكر من منظمات إغاثة دولية، ومحققين والقليل من مندوبى وكالات الإعلام الدولية، فى الوقت الذى نددت فيه الحكومة الإثيوبية بالصور التى ظهرت ووصفتها بأنها مزيفة، معللة ذلك بأنها من تدبير خصومها فى تيجراى لتشويه سمعة أبى أحمد.

وسريعًا اتجهت إلى هذه المنظمات ومقار عمل البعض منها بداخل الأراضى الإثيوبية على الجانب الآخر من الحدود، حيث تصاعدت الاحتكاكات بين الحكومة الإثيوبية ووكالات الإغاثة الدولية، لحد الإعلان من مجموعتين إغاثة رئيسيتين هما الذراع الهولندية لـ«أطباء بلا حدود» والمجلس النرويجى للاجئين، أن السلطات الإثيوبية علقت عملياتها لمدة ثلاثة أشهر، فى الوقت الذى تحاولان فيه درء أزمة إنسانية واسعة النطاق ومتشابكة الأبعاد، من نزوح وضحايا وأسر فقدت أراضيها وموارد رزقهم وذويهم «الرجال» بالأخص، مما دفع منسق الشئون الإنسانية التابع للأمم المتحدة الزائر «مارتن جريفيث» لأن يهاجم النظام الإثيوبى من أديس أبابا العاصمة، معتبرًا الاتهامات الإثيوبية التى وجهها الشهر الماضى أحد الوزراء، بأن مجموعات الإغاثة الدولية تساعد متمردى التيجراى- كانت «خطيرة» ومؤسفة وتحمل قدرًا كبيرًا من تزييف الحقيقة. فقد حذر مؤخرًا برنامج الأغذية العالمى للأمم المتحدة من نفاد المؤن الغذائية، بحلول الأسبوع القادم فى تيجراى ومحيطها حيث يعانى بشكل مؤكد نحو «٤٠٠ ألف» نسمة من ظروف المجاعة الكاملة.

اليوم يقدر مسئولو الأمم المتحدة التى بدأت تقاريرهم تتكامل نسبيًا حول تفاصيل الوضع الراهن، أن المئات من المدنيين قتلوا أيضًا داخل إثيوبيا أيضًا فى إطار القتال على منطقة «الفشقة»، لكن حتى اليوم لم يصلوا إلى إحصاءات رسمية فى الوقت الذى لم ترد فيه وزارة الخارجية الإثيوبية على أسئلة بشأن هذا النزاع الحدودى، وتقديراتهم تذهب إلى أن ملابسات ما يجرى فى هذه المنطقة تمثل أحد أهم التحديات العديدة التى تواجه أبى أحمد، باعتبار إشكالياتها العرقية والإثنية ترشحها لأن تكون نقطة تفجير للمنطقة. فى الوقت الذى تذهب فيه القوات الحكومية للغوص فى أعمال قتالية مستعرة بإقليم «أمهرة» مما يعد مؤشرًا اضافيًا على أن اتساع دائرة الحرب صارت لا سقف لها فى المستقبل المنظور على الأقل، فالقوات الفيدرالية التى فتحت باب التطوع مؤخرًا جنبًا إلى جنب مع القوات المحلية لإقليم «أمهرة»، منخرطة فى الحرب مع حشود «التيجراى» على ثلاث جبهات مختلفة بتخوم الإقليم. فمما تخطط له القوات الفيدرالية أن تظل كل الطرق المؤدية إلى إقليم تيجراى مغلقة من جهتى الغرب والجنوب حيث إقليم أمهرة، أما الطريق الوحيد المؤدى إلى تيجراى من الشرق عبر إقليم «العفر» فقد انقطع الأسبوع الماضى مؤقتا بعد مجموعة هجمات مكثفة، وهو نفسه الطريق الذى شهد هجومًا على قافلة تابعة لبرنامج الأغذية العالمى مما حال دون دخول أى مساعدات إنسانية عبره.

وهو مُخطط لم يثبت جدواه حتى الآن على الأقل، فالأمهرة وبجانبهم القوات الفيدرالية تعرضوا مؤخرًا لانكشاف كبير، بعد سيطرة قوات التيجراى على مدينة وموقع «لاليبيلا» التاريخى المدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمى فى عمق مناطق الأمهرة. وقد اتخذت قوات التيجراى هذه الخطوة المفاجئة ذات الدلالة باعتباره موقعًا مقدسًا لملايين المسيحيين الأرثوذكس، خاصة مع وجود عدد من كنائس كبرى محفورة فى الصخر تعود إلى القرن الثالث عشر. وقد رفض التيجراى الاستجابة لدعوات كثيرة تدعوهم للانسحاب، إلا بعد رفع الحصار عن إقليمهم، باعتبار هذه القيود تحد بصورة خانقة من وصول المساعدات الإنسانية للسكان. ومما جرى فيما يخص المدينة التاريخية يشى بالكثير، فالقوات الفيدرالية فضلًا عن القوات المحلية للأمهرة فروا منها بمجرد علمهم أن «التيجراى»، يعتزمون شن هذا الهجوم الذى أسفر عن استيلاء سهل وقع من دون معركة ودون إطلاق رصاصة واحدة!.

نقلا عن جريدة الدستور بتاريخ 11 اغسطس 2021

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب