مقال تحليلي

اتساع الصراعات الإثيوبية.. التفكك قد لا يكون مستبعدًا

توسّع الصراع العرقي الإثيوبي الذي بدأ في التيجراي خلال الفترة الأخيرة، بعد أن قامت الحكومة بالزج بأكثر من عرقية في براثن هذا الصراع، وهو ما فرض إشكالية حقيقية أمام استقرار الدولة الإثيوبية. إذ تسعى قومية الأمهرة إلى تطبيق سياسات انفرادية بالسلطة، فضلًا عن صراعها مع قومية الأورومو، وهو ما يمثل بُعدًا آخر للصراع العرقي في إثيوبيا، على نحو يُفرغ عبارة “إثيوبيا أكبر من أن تنهار” من مضمونها، ناهيك عن صعوبة توحيد العرقيات بالتفافها حول مشروع قومي لأن السلطة في ذاتها هي طرف أصيل في الصراع العرقي وأحد أسباب تأججه. خارطة الصراع (*) قدّم التقرير الصادر عن “تشاتام هاوس” توصيفًا للصراع…

نرمين سعيد
باحث بالمرصد المصري

توسّع الصراع العرقي الإثيوبي الذي بدأ في التيجراي خلال الفترة الأخيرة، بعد أن قامت الحكومة بالزج بأكثر من عرقية في براثن هذا الصراع، وهو ما فرض إشكالية حقيقية أمام استقرار الدولة الإثيوبية. إذ تسعى قومية الأمهرة إلى تطبيق سياسات انفرادية بالسلطة، فضلًا عن صراعها مع قومية الأورومو، وهو ما يمثل بُعدًا آخر للصراع العرقي في إثيوبيا، على نحو يُفرغ عبارة “إثيوبيا أكبر من أن تنهار” من مضمونها، ناهيك عن صعوبة توحيد العرقيات بالتفافها حول مشروع قومي لأن السلطة في ذاتها هي طرف أصيل في الصراع العرقي وأحد أسباب تأججه.

خارطة الصراع

(*) قدّم التقرير الصادر عن “تشاتام هاوس” توصيفًا للصراع العرقي في إقليم تيجراي الذي انطلقت شرارته الأولى في نوفمبر الماضي ممهدة لسلسلة من الصراعات العرقية في إثيوبيا، وذلك على خلفية رغبة الحكومة الفيدرالية في السيطرة على القاعدة العسكرية الأكبر في ميكيلي (العاصمة الإقليمية للإقليم) والاستيلاء على ما فيها من أسلحة، مما جعل التدخل العسكري في الإقليم أمرًا مبررًا من وجهة نظر الحكومة التي ترغب في انتزاع السلطة من جبهة تحرير تيجراي. ومع قطع الاتصالات في الإقليم، باتت الحكومة المركزية هي الطرف الوحيد للحصول على أي معلومات عن الصراع.

(*) تكمن خطورة هذا الصراع في طابعه الممتد، نظرًا لما يتمتع به الإقليم من قدرات عسكرية تعطيه قدرة “النفس الطويل” في القتال مع الحكومة الفيدرالية. وفي الفترة الأخيرة، امتد الصراع العرقي في التيجراي ليشمل حوادث عنف وقتل في أوروميا وبني شنقول والمنطقة الجنوبية من البلاد، بينما وقفت الحكومة المركزية عاجزة أمام تردي الأوضاع الإنسانية التي تنذر بكارثة وشيكة[i]. إضافة إلى ذلك، فإن تورط الأمهرة في القتال في تيجراي إلى جانب الحكومة الفيدرالية قد يؤسس لانقسامات عرقية داخل الجيش الوطني.

(*) في يونيو الماضي، اتخذت الحرب الأهلية في التيجراي منعطفًا جديدًا؛ فبعد ثمانية أشهر من أمر رئيس الوزراء “آبي أحمد” بالتدخل العسكري الفيدرالي لإزاحة حزب تيجراي الحاكم من السلطة، وسحق القوات الموالية لجبهة تحرير تيجراي؛ كان على القوات الفيدرالية أن تتخلى عن جميع الأراضي التي استولت عليها تقريبًا. حيث غادر آلاف الجنود ميكيلي إلى جانب المسئولين الإداريين، بحيث مثّل الانسحاب انتصارًا كبيرًا لجبهة تحرير تيجراي في تمردهم ضد القوات الفيدرالية والقوات الإقليمية المتحالفة في إريتريا وأمهرة. وقد حاولت أديس أبابا تغطية الانسحاب بإعلان وقف إطلاق النار، وهو ما رفضه زعماء التيجراي. وعُدّ ذلك التطور الأبرز في أسوأ أزمة أمنية في إثيوبيا منذ عقود، دون أن يعني هذا أن رحيل القوات سيوفر الإغاثة السريعة للسكان مع شبح المجاعة الذي يلوح في الأفق، مما يتطلب من جميع الأطراف إعطاء الأولوية القصوى لوصول الأغذية إلى تيجراي وتسهيل وصول القوافل الإنسانية.

(*) على جانب آخر، اشتعل صراع عرقي على خلفية سقوط قتلى في منطقة ولق غرب أوروميا في مارس 2021، وهو الصراع الذي تخللته تصريحات متبادلة من قبل المسئولين الحكوميين في المنطقة للتنديد بأعمال العنف التي تعرضت لها العرقيتان تحديدًا في مناطق جينيل ووردا وبابو وبون كبيلي ومدينة دسي، بالإضافة إلى العديد من المناطق في إقليم أمهرة[ii].

(*) دفع “كيتيل ترونوفل” في مقاله المنشور في دورية ((Foreign Policy بأن الجيش الإثيوبي يقاتل جماعات متمردة في إقليم أوروميا (وهي الجماعات التي حمّلتها الحكومة الفيدرالية مسئولية الاعتداء على مواطنين من قومية الأمهرة)، كما أن البعض يرجح أن تتجه الأمور في أوروميا إلى حالة من الاقتتال الأهلي، خصوصًا بعد أن وجه حاكم إقليم أمهرة خطابًا رسميًا إلى الحكومة الفيدرالية طالبها فيه بحماية أبناء عرقية الأمهرة ضد اضطهاد الأوروميا لهم في الإقليم.

(*) على جانب جبهة تحرير أورومو، فقد تضاربت التصريحات؛ ففي الوقت الذي أشار فيه مسئولون محسوبون على الجبهة بأنها غير مسئولة عن قتلى الأمهرة، أكد آخرون حق أبناء عرقية أوروميا في الدفاع عن أنفسهم حال تعرضوا للعنف. ومن الجدير بالذكر أن هذا السجال بين الأمهرة والأورومو أعقب فشل الحكومة الفيدرالية في حماية المتواجدين من عرقية الأورومو في إقليمي أمهرة وبني شنقول[iii].

(*) في هذا الإطار، دفع “ستيفن فلدستاين” بأن نمط سلوك “آبي أحمد” يعبر عن اتجاه مقلق اختار المجتمع الدولي عدم اتخاذ إجراءات صارمة نحوه، حيث تبنى ذات التكتيكات القمعية التي استخدمتها الأنظمة السابقة في إثيوبيا لضمان استمرار حكمه، لتذهب جهوده في إطلاق سراح السجناء السياسيين وأجندة التحرير التي ولدت إصلاحات حقيقية أدراج الرياح مع استمرار الممارسات العرقية التي تضمنت حبس شخصيات معارضة بارزة (مثل: جوهر محمد، وبيكيلي جيربا، وإسكندر نيغا) في تقييد متزايد للحريات؛ حيث تمثل العملية العسكرية المستمرة في منطقة أوروميا الغربية دليلًا إضافيًا على أن سمعة “آبي أحمد” كصانع للسلام مبالغ فيها بعد أن أثبت أنه أكثر استعدادًا لاستخدام القوة والإكراه لتحقيق أهدافه وضمان بقائه السياسي[iv].

(*) تفتح مليشيات الأمهرة جبهة أخرى للصراع في إقليم بني شنقول-جوميز الذي شهد اشتباكات عسكرية ذات طبيعة عرقية منذ وصول “آبي أحمد” للسلطة في 2018، حيث دار الصراع بين السكان الأصليين ومستوطني المنطقة من قومية الأمهرة، حتى وصلت الأمور إلى اشتباكات دامية في أبريل 2021 بعد تعرض السكان الأصليين لحملات عنف ممنهجة تضمنت تهجيرهم من أراضيهم، والدفع بهم إلى حدود السودان. وفي الإطار نفسه، اتسعت دائرة الصراع حتى وصلت إلى منطقة كوارة، وهي المنطقة الأقرب لسد النهضة من الناحية الشمالية، وتكتسب أهمية استراتيجية كبرى.

(*) لم تسلم الحدود الإثيوبية مع الصومال من اشتباكات عسكرية دامية بين العيسى والعفر، حيث تبعد تلك المنطقة عن الصومال حوالي 37 كم فقط، مما يجعل أي توتر فيها شديد الحساسية بالنسبة للحكومة الإثيوبية، لأنه قد يدفع قبائل العيسى المنتمية للصومال لشن هجوم على إقليم العفر من جهة الشرق لتخفيف الضغط الناجم عن الهجمات بالأسلحة الثقيلة من قبل قبائل العيسى، ولذلك فإن المشهد الحالي في إثيوبيا لا يعبر إلا عن حالة من الاقتتال الأهلي[v].

آثار محتملة

(*) أشار “ويتني شنايدمان” في تحليله المنشور على موقع “بروكينجز” إلى مطالبة العديد من القوى الدولية بوضع حدٍّ لانتهاكات حقوق الإنسان التي تحدث في إقليم التيجراي على نطاق واسع، بما في ذلك: العنف الجنسي، وضرورة انسحاب القوات الإريترية والأمهرة من المقاطعة. ذلك أن عدم الالتزام بمعايير حقوق الإنسان قد يكبد الحكومة الإثيوبية مزيدًا من الخسائر، لأنها قد تصبح عرضة لقطع المساعدات من قبل أطراف متعددة. ومع ذلك، أشار الكاتب إلى أن فرض الولايات المتحدة قيودًا على تأشيرات المسئولين الإثيوبيين والإريتريين المسئولين عن الفظائع في تيجراي يُعد إجراءً مناسبًا ونقطة تحول بارزة، مع التأكيد على أن هناك مجالًا لتشديد العقوبات إذا لم يُخفف “آبي أحمد” من حدة الصراع. يضاف إلى ذلك تجميد أصول المسئولين الإثيوبيين والإريتريين وشبكاتهم الوطنية والدولية التي يديمون من خلالها الصراع ويستفيدون منها بشكل شخصي[vi].

(*) لا شكّ في تعدد المخاطر المحتملة على الاستثمارات الأجنبية المباشرة مما يُنذر بهروبها من دولة تمزقها الصراعات، خصوصًا في ظل سيطرة البنك التجاري الإثيوبي (المملوك للدولة) على حوالي نصف القطاع المصرفي في البلاد، مما يحد بالتبعية من احتمالات تطوير الخدمات المالية عبر الهواتف المحمولة، ويترك آثارًا سلبية كبرى على جدوى الاستثمار. مع الأخذ في الاعتبار أنه من المتوقع أن تساهم خدمات الهاتف المحمول فيما يقرب من 10% من الناتج المحلي الإجمالي لإفريقيا بحلول عام 2023، مما يؤكد تنامي أهميتها لنمو الاقتصاد الإثيوبي.

(*) أما على الصعيد الإقليمي، فإن هناك آثارًا واضحة من المتوقع أن تنجم عن تعدد أقطاب الصراع في الداخل الإثيوبي، وإن تمثل أبرزها في زعزعة الاستقرار بشكل خطير في منطقة القرن الإفريقي بأكملها، وهي منطقة لا تزال تعاني من توابع الحرب بين إثيوبيا وإريتريا التي أودت بحياة ما يصل إلى 100 ألف شخص، كما أدت إلى حرب إقليمية بالوكالة استمرت لمدة عقدين[vii].

(*) علاوةً على ذلك، يهدد هذا الصراع الحدود السودانية-الإثيوبية بسبب موجات النزوح من الداخل الإثيوبي والتي استمرت في التدفق منذ بدء الصراع في تيجراي، إذ يشترك السودان في حدوده مع شمال إثيوبيا، لذلك أغلق السودان جزئيًا حدوده الشرقية، ونشر قواته في المنطقة. وتتعدد المؤشرات على إقامة ممر لاستيراد الأسلحة والحصول على الإمدادات عبر السودان. حيث قد يؤدي الصراع الممتد إلى فرار مئات الآلاف من اللاجئين إلى شرق السودان، وهي منطقة تعاني بالفعل من اضطرابات طائفية كبرى. وبالإضافة إلى الإثيوبيين، فإن هناك ما يقرب من 100 ألف إريتري يعيشون في مخيمات اللاجئين في تيجراي. ويمكن أن تؤدي هذه التدفقات إلى إثقال المرحلة الانتقالية في السودان، وتفاقم التوترات القائمة بين المجتمعات السودانية والإثيوبية على طول الحدود.

(*) على جانب آخر، فإن إثيوبيا هي أيضًا واحدة من أكبر المساهمين في بعثات حفظ السلام مع الآلاف من القوات في جميع أنحاء القرن الإفريقي بما في ذلك في الصومال. وتشير التقارير إلى أن إثيوبيا بدأت بالفعل في سحب قواتها غير التابعة لبعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال، مما قد يضعف دعم القوات الصومالية، ويوفر فرصًا لحركة الشباب لاستعادة الأراضي وتنفيذ الهجمات، ولا سيما خلال الانتخابات المقبلة[viii].

(*) ختامًا، لن تنحسر الأزمة في إثيوبيا في القريب بالنظر إلى استمرار أعمال العنف في أكثر من منطقة من ناحية، وتعدد المواجهات بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير التيجراي من ناحية ثانية، مما يجعل استقرار الدولة على المحك. ولا يمكن بأي حال من الأحوال حصر الصراع أو اختزاله بين الجانبين، ذلك أن تركيز الحكومة الفيدرالية ينصب بالأساس على كيفية البقاء في السلطة دون توجيه الاهتمام للأزمات في أوروميا والمناطق الجنوبية التي تحتاج أيضًا إلى اهتمام عاجل، ولذلك فإن الدعوة إلى الحوار دون اتخاذ بعض إجراءات بناء الثقة، مثل الإفراج غير المشروط عن السجناء السياسيين، لن تكون بداية موفقة وستعود بالبلاد إلى المربع صفر.


الهوامش:

[i] Ahmed Soliman, Ethiopia: Escalating Strife with Tigray May Lead to War, Chatham House, November 12, 2020,  Available at: https://cutt.ly/TQjzyko

[ii] صلاح خليل، اتساع خريطة الصراعات الداخلية: إلى أين يأخذ آبي أحمد إثيوبيا؟ المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، 29 إبريل 2021، متاح على: https://cutt.ly/1Qjm6mB

[iii] Kjetil Tronvoll, Ethiopia’s Tigray War Is Fueling Amhara Expansionism, Foreign Policy, April 28, 2021, Available at: https://cutt.ly/DQjm48w

[iv] Steven Feldstein, Ethiopia’s Conflict in Tigray Presents Hard Decisions, Carnegie Endowment, December 1, 2020, Available at: https://cutt.ly/8QjQafR

[v] رحمة حسن، حصار آبي أحمد.. عدم اعتراف بشرعية الانتخابات وحرب عرقية شاملة، المرصد المصري، 26 يوليو 2021، متاح على: https://cutt.ly/jQjzYhJ

[vi] Witney Schneidman, Ethiopia, Human Rights, and the Internet, Brookings, June 15, 2021, Available at: https://cutt.ly/eQjzI6X

[vii] Ahmed Soliman, Op.cit.

[viii] International Crisis Group, Containing the Volatile Sudan-Ethiopia Border Dispute, International Crisis Group, June 24, 2021, Available at: https://cutt.ly/xQjQmA3

نقلا عن تقديرات مصرية

نرمين سعيد
باحث بالمرصد المصري