لماذا فشلت أمريكا فى أفغانستان؟

عضو الهيئة الاستشارية

بعد هروب الرئيس أشرف غنى بساعات محدودة إلى الخارج، ودخول عناصر «طالبان» القصر الرئاسى، انتهت قصة «بناء الدولة الأفغانية الحديثة الديمقراطية» بدعم أمريكى وغربى. وبدأت قصة العهد الطالبانى، نسبة إلى حركة طالبان، التى تأسست عام 1994، بدعم باكستانى آنذاك لغرض السيطرة على حالة الحرب الأهلية التى اندلعت بين جماعات ما عُرف بالمجاهدين الذين لعبت الولايات المتحدة الدور الأكبر فى تنظيمهم وتسليحهم والتركيز دعائياً وسياسياً على مهمتهم الكبرى فى استنزاف الوجود العسكرى السوفيتى فى أفغانستان. لعبت «طالبان»، بدعم من المخابرات الباكستانية، الدور الأكبر فى إنهاء فوضى الصراعات بين جماعات المجاهدين بعد رحيل السوفيت عن البلاد، ثم إقامة ما عُرف بإمارة أفغانستان…

د. حسن أبو طالب
عضو الهيئة الاستشارية

بعد هروب الرئيس أشرف غنى بساعات محدودة إلى الخارج، ودخول عناصر «طالبان» القصر الرئاسى، انتهت قصة «بناء الدولة الأفغانية الحديثة الديمقراطية» بدعم أمريكى وغربى. وبدأت قصة العهد الطالبانى، نسبة إلى حركة طالبان، التى تأسست عام 1994، بدعم باكستانى آنذاك لغرض السيطرة على حالة الحرب الأهلية التى اندلعت بين جماعات ما عُرف بالمجاهدين الذين لعبت الولايات المتحدة الدور الأكبر فى تنظيمهم وتسليحهم والتركيز دعائياً وسياسياً على مهمتهم الكبرى فى استنزاف الوجود العسكرى السوفيتى فى أفغانستان.

لعبت «طالبان»، بدعم من المخابرات الباكستانية، الدور الأكبر فى إنهاء فوضى الصراعات بين جماعات المجاهدين بعد رحيل السوفيت عن البلاد، ثم إقامة ما عُرف بإمارة أفغانستان الإسلامية منذ منتصف 1996 وحتى ديسمبر 2001 بقيادة الملا محمد عمر، حين شنت الولايات المتحدة حرباً ضروساً عليها نظراً لرفض قيادة الإمارة تسليم أسامة بن لادن وقيادات «القاعدة» الذين كانوا وراء الهجمات الشهيرة على واشنطن ونيويورك فى 11 سبتمبر 2001. وبعد عقدين من الزمن، شنت فيهما «طالبان» كل تكتيكات حرب العصابات ضد القوات الأمريكية وحلفائها من دول العالم المختلفة، بما فى ذلك الجيش الأفغانى الذى أنشأه البنتاجون، إذا بها تعود إلى قيادة أفغانستان وتبشر بإعلان الإمارة الإسلامية الجديدة، بكل ما يعنيه ذلك من دلالات، ليس فقط العودة للوراء بالنسبة لبعض المكتسبات المحدودة لفئات من المجتمع المدنى، وإنما أيضاً لكل الجهود الأمريكية والدولية التى بُذلت من أجل تغيير المجتمع الأفغانى وهيكل السلطة داخله وبناء أمة ودولة على شاكلة القيم الغربية سياسياً وفكرياً.

فشل مهمة الولايات المتحدة، التى حددتها لنفسها قبل عشرين عاماً، ليس محل جدل، حتى بالرغم من أن إدارة بايدن، وقبلها إدارة ترامب، قلّصت مهمة هذه الحرب فى مجرد قتل «بن لادن» والقضاء على الإرهاب الذى وفرت له «طالبان» قبل عقدين ملاذاً آمناً. وهذا التوصيف الجديد الذى تبرر به إدارة بايدن عملية الانسحاب بكل ما فيها من فوضى، يمكن دحضه بسهولة، فقتل «بن لادن» وإن وفر مساحة تشفٍ وانتقام للأمريكيين ككل من الرجل الذى سخر من قوة الولايات المتحدة وأصابها فى عقر دارها، لا يستحق بالطبع كل هذه المدة الزمنية ولا كل الأموال الهائلة والتكاليف البشرية المدنية والعسكرية التى تكبدتها الولايات المتحدة ودول العالم المختلفة. كما أن حجة القضاء على الإرهاب تبدو عصية على الفهم ولا مناص من رفضها، لا سيما أن التنظيمات الإرهابية ما زالت تصول وتجول فى العديد من بقاع العالم، وكثير منها وُلد فى أفغانستان أو تعاون مع «طالبان» وبايع قيادتها وشاركها العديد من المهام داخل أفغانستان وخارجها، وهو ما كشفت عنه مصادر قريبة من «القاعدة» فى ظل قيادة أيمن الظواهرى، الذى بايع الملا هبة الله خوند، زعيم «طالبان»، منذ عام 2017. ومن ثم يظل الفشل الأمريكى فى مهمة بناء الدولة وإعادة تشكيل الأمة الأفغانية هو الجوهر الحقيقى للانسحاب على النحو الذى تم بالفعل، وما تبعه من تسليم البلاد إلى حركة طالبان فى غضون أسابيع محدودة.

الفشل الأمريكى فى أفغانستان سبقه الفشل المدوى فى العراق. وهنا تبدو المقارنة بين مهمة الولايات المتحدة فى إعادة بناء الأمة والدولة فى كل من اليابان وألمانيا بعد هزيمتهما فى الحرب العالمية الثانية، وما تم فى كل من العراق وأفغانستان مقارنة ضرورية على الأقل لفهم لماذا كان النجاح فى الحالتين الأوليين، ولماذا كان الفشل المدوى فى الحالتين الأخيرتين أمراً حتمياً. ففى الأدبيات السياسية الخاصة بالحرب العالمية وما بعدها ثمة اتفاق على أن حالتى ألمانيا واليابان تُعدان نموذجين ناجحين وفقاً لمعايير فرض دستور جديد يعكس التصورات الأمريكية، وتغيير الصورة القومية والتبرؤ من تاريخ ما قبل الهزيمة، وفرض نظام سياسى تعددى، ووضع قيود على التحركات العسكرية خارج نطاق الدفاع الذاتى، والارتباط العضوى بالمصالح الأمريكية، والقبول بوجود عسكرى كبير ودائم يتولى مهمة الدفاع عن البلاد. ومن المهم هنا التذكير بأن كلاً من اليابان وألمانيا كانتا فى وضع بائس كلياً نتيجة الهزيمة المدوية، وكلاهما كان مستعداً نفسياً وسياسياً لقبول الهيمنة الأمريكية على النظام السياسى الجديد، والارتباط العضوى باستراتيجيات واشنطن. فضلاً عن أن القوة الاقتصادية الأمريكية يسرت تقديم المساعدات الإنسانية الكبيرة والتنموية الضرورية التى استمرت عدة سنوات لإعادة بناء ما دمرته الحرب، وتنشيط الآلة الاقتصادية للبلدين بعيداً عن تحمل تكلفة الدفاع عن البلاد.

حالة أفغانستان تطرح بدورها بيئة سياسية وفكرية وقيمية مختلفة تماماً عما حدث فى حالتى اليابان وألمانيا. وهنا نشير إلى ثلاثة عوامل رئيسية أدت إلى الفشل الأمريكى؛ ففى المجال الثقافى العام فى أفغانستان يبدو مبدأ رفض الوجود الأجنبى ذى الطابع الاحتلالى كقيمة عليا تفسر قوة المعارضة لهذا الوجود والقبول الطوعى لتحمل أكبر التضحيات لإنهائه. والثانى أن «طالبان» وبالرغم من فارق القوة العسكرية بينها وبين القوات الأمريكية والحليفة التى تمركزت فى البلاد بعد ديسمبر 2001 وحتى الانسحاب الجماعى مؤخراً، لم تعترف أبداً بالهزيمة أو أن عليها التعامل مع هذا الوجود الأجنبى من باب الأمر الواقع. ومنذ اللحظات الأولى لهروب قيادة الجماعة بعيداً عن الضربات الأمريكية، كان مبدأ المقاومة لهذا الاحتلال ومن يتعاون معه أمراً مفروغاً منه، وساعدها على ذلك الالتزام الأيديولوجى لأعضاء الحركة والتماسك التنظيمى. وهو ما يفسر إصرار «طالبان» على عدم التفاوض مع الحكومة الأفغانية، وحصر التفاوض مع الجانب الأمريكى على قضية الانسحاب الشامل. ويرتبط بذلك إصرار حركة طالبان على هدف استعادة حكمها المنفرد والإقصائى الذى قوضه الأمريكيون لفترة العقدين، وليس المشاركة أو تقاسم السلطة مع هؤلاء الذين تراهم مجرد عملاء للأجانب.

العامل الثالث هو العامل الدينى وربطه برؤى مزدوجة؛ أولها الادعاء بأن مهمة «طالبان» هى استعادة حكم الشريعة الإسلامية وفقاً لمنظورها الخاص. وثانيها أن تطبيق الشريعة لا يستقيم مع وجود قوى أجنبية أو عملاء لهم. وهى رؤية لها صداها القوى فى المجتمع الأفغانى، لا سيما فى المناطق الريفية التى لم تمتد إليها يد التنمية وعانت الكثير من الفساد الحكومى.

والواضح أن مخططى الحرب الأمريكيين لم يعيروا أدنى انتباه للفوارق الضخمة بين حالتى ألمانيا واليابان ومجمل أوضاع أفغانستان. ومن ثم كان الفشل حتمياً منذ اللحظة الأولى التى رفع فيها الرئيس بوش الابن راية الحرب باعتبارها ستولد أفغانستان جديدة تتبع التعليمات الأمريكية بلا تردد.

نقلا عن جريدة الوطن الثلاثاء 17 أغسطس 2021

د. حسن أبو طالب
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب