الداخل يهزم الخارج

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

بغض النظر عن المشهد الفوضوى للانسحاب الأمريكى من أفغانستان، واستيلاء طالبان على العاصمة كابول، وسوء تقدير المؤسسات الأمريكية بشأن السرعة التى انهار بها الجيش الأفغانى، وكذلك التناقض بين الشعار الذى رفعه الرئيس بايدن منذ مجيئه للبيت الأبيض وهو «عودة أمريكا» للساحة الدولية وبين انسحاب الولايات المتحدة من المسرح الأفغانى- فإن الأمر الجدير بالفهم والتحليل هو القرار الأمريكى بالانسحاب من أفغانستان، وهو قرار سابق على مشهد الانسحاب بشهور طويلة، واتخذه الرئيس السابق ترامب، وحدد له مايو ٢٠٢١، ثم جاء الرئيس بايدن وقرر أن ينتهى الانسحاب من أفغانستان فى ١١ سبتمبر ٢٠٢١، تزامنا مع ذكرى مرور عشرين عاما على هجمات سبتمبر على…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

بغض النظر عن المشهد الفوضوى للانسحاب الأمريكى من أفغانستان، واستيلاء طالبان على العاصمة كابول، وسوء تقدير المؤسسات الأمريكية بشأن السرعة التى انهار بها الجيش الأفغانى، وكذلك التناقض بين الشعار الذى رفعه الرئيس بايدن منذ مجيئه للبيت الأبيض وهو «عودة أمريكا» للساحة الدولية وبين انسحاب الولايات المتحدة من المسرح الأفغانى- فإن الأمر الجدير بالفهم والتحليل هو القرار الأمريكى بالانسحاب من أفغانستان، وهو قرار سابق على مشهد الانسحاب بشهور طويلة، واتخذه الرئيس السابق ترامب، وحدد له مايو ٢٠٢١، ثم جاء الرئيس بايدن وقرر أن ينتهى الانسحاب من أفغانستان فى ١١ سبتمبر ٢٠٢١، تزامنا مع ذكرى مرور عشرين عاما على هجمات سبتمبر على الولايات المتحدة عام ٢٠٠١، التى كانت الدافع للحرب الأمريكية على أفغانستان.

التوافق بين الجمهوريين (ترامب) والديمقراطيين (بايدن) بشأن الانسحاب من أفغانستان له دوافع كثيرة، منها أن الإرهاب من خارج الحدود (على غرار هجمات ١١ سبتمبر) لم يعد يمثلا خطرا على البلاد، وهناك قناعة أن الولايات المتحدة أمنت حدودها، وانتصرت على الإرهاب، وترى إدارة بايدن أن احتمال عودة تنظيم القاعدة لأفغانستان محدودة، وأنها قادرة على التعامل مع أى تهديدات إرهابية عن بُعد، ومن خلال العقوبات الاقتصادية وليس الحروب، ودون تمركز قوات فى أفغانستان.

هناك أيضا توافق داخل الولايات المتحدة على التخلى عن مشروع «بناء الأمم» وتغيير ثقافات الدول الأخرى كى تتوافق مع النمط الغربى، وقد أشار بايدن إلى أن الجيش الأمريكى قد مُنح صلاحيات تتجاوز اختصاصه فى أفغانستان، بما فى ذلك تحقيق أهداف اجتماعية، وأن واشنطن قد أنجزت مهمتها فى المنطقة بقتل أسامة بن لادن فى عام 2011، وحرمان القاعدة من ملاذها فى أفغانستان، ولم يكن لديها ما تكسبه من استمرار عملياتها العسكرية فى البلاد.

لكن يظل التفسير الأكبر للانسحاب الأمريكى من أفغانستان مرتبطا بالعاصمة الصينية بكين وليس كابول، وحديث الرئيس بايدن أن التهديد الأول للولايات المتحدة هو «المنافسة الاستراتيجية مع الصين».

وفى هذا الإطار يتبنى العديد من دوائر صنع القرار الأمريكية فكرة أن الصراع أثناء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى انتهى لمصلحة الولايات المتحدة، ليس نتيجة التفوق الأمريكى فى الساحات الجيوبوليتيكية، أى الصراع على مناطق النفوذ فى العالم، ولكن انتهى بسبب التفوق الداخلى الأمريكى فى ساحات الاقتصاد والتكنولوجيا والنموذج السياسى وغيرها، مقارنة بالضعف السوفيتى فى هذه المجالات، أى أن التنافس ارتبط بالقوة الداخلية، وأن هذا الداخل استطاع الانتصار على الخارج.

الولايات المتحدة تفكر بنفس المنطق فيما يتعلق بتنافسها مع الصين. وتؤمن بأن المعركة بالأساس ترتبط بالداخل سواء الداخل الأمريكى أو الداخل الصينى، وتريد أن توجه طاقاته ومواردها إلى هذه المعركة، وليس معارك النزاعات الإقليمية فى أفغانستان أو الشرق الأوسط أو غيرها.

الولايات المتحدة تتحرك فى اتجاهين، الأول هو إعاقة التقدم الداخلى الصينى، وخاصة فى مجالات التكنولوجيا عالية القيمة، والتى وضعت الصين خططا لتطويرها كى تؤدى فى النهاية إلى القضاء على الميزة النسبية للتقدم الغربى فى هذه المجالات وخاصة تكنولوجيا الاتصالات، والطيران، والسفن، والسيارات بدون قائد، والتكنولوجيا الحيوية، وغيرها. وتتبنى الولايات المتحدة هنا أدوات الحرب الاقتصادية فى مواجهة الصين، من عقوبات وحظر تصدير نوعيات معينة من التكنولوجيا، وإغلاق الأسواق الأمريكية أمام بعض السلع الصينية، بالإضافة إلى فرض عقوبات على الدول التى تتوسع فى تعاونها الاقتصادى مع الصين، وخاصة فى مجال تكنولوجيا الجيل الخامس من الاتصالات المعروفة باسم (فايف جى). وكل ذلك بهدف إعاقة التقدم الداخلى سواء اقتصاديا أو تكنولوجيا، بالإضافة إلى توجيه انتقادات للنظام السياسى الصينى لإضعاف مشروعيته الداخلية، وسوف يظهر ذلك بشكل واضح فيما يسمى بقمة الديمقراطية التى سوف تنظمها الإدارة الأمريكية نهاية هذا العام.

أما الاتجاه الثانى الذى تتحرك فيه الولايات المتحدة فهو إعطاء أولوية للتحديات الداخلية الأمريكية، والحد من أى تورط خارجى (مثل أفغانستان) يستنزف الجهد والموارد المادية، والتركيز بدلا من ذلك على البناء الداخلى بهدف استعادة القوة والتفوق الأمريكى فى مواجهة الصين. وتتضمن الميزانيات العامة التى أقرتها الولايات المتحدة فى السنوات الأخيرة استثمارات ضخمة فى المجالات التكنولوجية، سواء فى مشروعات تقوم بها مؤسسات الدولة أو بالشراكة مع القطاع الخاص، وعدم الاعتماد على الأخير فقط للاستثمار التكنولوجى، وظهر ذلك فى تطوير لقاحات كورونا، التى تحققت باستثمارات ضخمة من الدولة فى شركات الأدوية الأمريكية.

باختصار التركيز الأمريكى فى هذه المرحلة هو على معركة الداخل، وفى ظل قناعة أن التقدم فى الداخل قادر على هزيمة منافسى الخارج، كما حدث من قبل فى الحرب الباردة، والخلاصة أن القوة تبدأ من الداخل.

نقلا عن جريدة المصري اليوم بتاريخ ٢٣ أغسطس ٢٠٢١

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر