في أفغانستان ..وسؤال ماذا بعد ؟

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

سؤال يشغل بال الكثيرون، خاصة حينما مثل تسارع الأحداث مأزق اضافي على الاشكالية الأصلية، المعنية بمحاولة استشراف طبيعة المشهد الجديد ومساراته المحتملة. فليس توقع القادم بسهولة عقد مؤتمر صحفي مرتب بعناية، فإمكانية تصور طالبان في ثوب وعقل جديد أمر بات يحمل قدر كبير من الصعوبة. والعبور إلى الجانب المقابل للمشهد حيث الولايات المتحدة الطرف الآخر في اتفاقية الخروج، يزداد الأمر صعوبة لاسيما بعد عديد من الاشارات، أهمها الارتباك الأمريكي العميق في إدارة مشهد خروجها وتوابعه التي لم تفرغ بعد، وقد مثل مؤتمر جو بايدن الذي عقد الجمعة الماضية النموذج الكاشف لهذا، حين خصص ما يقارب ثلثي الوقت المخصص في الحديث…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

سؤال يشغل بال الكثيرون، خاصة حينما مثل تسارع الأحداث مأزق اضافي على الاشكالية الأصلية، المعنية بمحاولة استشراف طبيعة المشهد الجديد ومساراته المحتملة. فليس توقع القادم بسهولة عقد مؤتمر صحفي مرتب بعناية، فإمكانية تصور طالبان في ثوب وعقل جديد أمر بات يحمل قدر كبير من الصعوبة. والعبور إلى الجانب المقابل للمشهد حيث الولايات المتحدة الطرف الآخر في اتفاقية الخروج، يزداد الأمر صعوبة لاسيما بعد عديد من الاشارات، أهمها الارتباك الأمريكي العميق في إدارة مشهد خروجها وتوابعه التي لم تفرغ بعد، وقد مثل مؤتمر جو بايدن الذي عقد الجمعة الماضية النموذج الكاشف لهذا، حين خصص ما يقارب ثلثي الوقت المخصص في الحديث عن تفاصيل عملية الإجلاء واصفا إياها بأكبر عملية في التاريخ، وهذا بفرض صحته لا يمس جوهر القضية أو محاورها الرئيسية، وبدا هناك انحراف كبير تجاه تقزيم عملية الخروج الكلية، للحد الذي يقف فيه الرئيس الأمريكي، كي يؤكد بما يوحي بالثقة وبلغة جسد تضفي أهمية استثنائية، عن هؤلاء الذين يسمح لهم بالمرور من نقاط التفتيش التي نصبها مقاتلي “طالبان” في كل مكان، بمجرد اشهار جواز السفر الأمريكي لحامله ممن يريدون الوصول إلى مطار حامد كرزاي الدولي !!

فالذي يشغل البال بدرجة أهم، هو أن الجانب الآخر من عملية الخروج التي استفاض فيها الرئيس الأمريكي والمروجين لها، تعني ببساطة تسليم أفغانستان إلى حركة “طالبان” بكل ما تحمله هذه الخطوة من تداعيات. ويظل الاخفاق الاستخباراتي واللوجيستي الذي احتل شاشات وعقول الرأي العام العالمي، طوال أسبوع مضى على فداحته، عرض جانبي أولي سيزول بمجرد الانتقال للمشهد التالي وهو الأهم. فمن أبرز أسئلة القادم تأتي ضبابية الرؤية السياسية لطالبان فيما يخص المستقبل، خاصة مع ميراث الطبعة الأولى التي استغرقت ما بين 1996 إلى 2001، الذي سيظل عالقا بعنق النسخة الجديدة من الحركة بكل تطرفه وتبسيطه المخل لمفهوم الدولة وإدارة الحكم. وربما يكشف الاستحقاق الأولى المتعلق بـ”حكومة ممثلة لطوائف الشعب” كما تعهدت الحركة، حجم وأبعاد مصداقيتها ما بين خطابها الإعلامي التصالحي وعقيدة “المغالبة” والاستحواذ، الذي تترجمها الوقائع على الأرض مثلما جرى في حالة التفجير المبكر لمعركة علم الدولة، فقد كان لافتا انشغال الحركة واستهدافها لإنزال علم الدولة من عديد المؤسسات والمناطق خاصة في كابول، ورفع علم الحركة مكانة. وهو ما جعل العلم الرسمي يظهر بشكل مكثف ومتعمد في كافة التظاهرات التي خرجت للتنديد بما جرى، ليكتسب العلم الرسمي رمزية التمسك بما تحقق خلال الأعوام الماضية. اضفاء هذه الأهمية من قبل الحركة على تفصيلة تبدو صغيرة على رمزيتها، استدعت سريعا ارتداد مقابل، وهذا يلفت الانتباه نحو الأشمل من قضايا الدولة القادمة الرئيسة، فقد يمثل دستور 2005 الذي أعلنته طالبان حينها نموذجا لاستقطاب حاد في حال جرى اعتماده على وضعه الحالي، لذلك وعدت الحركة خلال المفاوضات بتنقيحة كي تتجاوز تفصيله على مقياس المسلمين السنة المنتمين لـ”المذهب الحنفي”،  مع الاقصاء الكامل لباقي أتباع الطوائف والمذاهب الأخرى.

من المعضلات التي أثارت قلق بالغ وإن ظل مكتوما كغيره تحت سطوة صور عملية الخروج، تتعلق بعملية “دمج عكسي” جرت وتجري الآن بتسارع مثير، فالمستقر في عمليات الانتقال السياسي أن هناك مفاهيم واطروحات وضعت، لتعالج عملية دمج المكونات المسلحة “مليشيات، تنظيمات، حركات … إلخ” في جيش الدولة أو الأجهزة الأمنية، والنماذج الأقرب في ذلك حالتي العراق وليبيا على سبيل المثال وإن ظل كلاهما قيد التجريب أو في مراحله الأولى. لكن الحالة الأفغانية تواجه واقعا معكوسا يتعلق باستحواذ الـ”حركة” على جيش الدولة الافتراضي. أيا ما كان من تحفظات الكثيرون على عملية بناء الجيش الوطني الأفغاني، ومدى النجاح الأمريكي في بناء مكون عسكري يمتلك العقيدة القتالية والانضباط المؤسسي، إلا أنه يظل يمثل جيش الدولة الذي خرج للنور ومارس مهام فعلية على أرض أفغانستان. لذلك ومع اضافة عملية استيلاء سهلة على كم ضخم من الأسلحة الأمريكية، تشمل مدرعات وطائرات وغيرها من منظومات التسلح النوعية التي دخلت رصيد “طالبان”، نصبح أمام حالة “إرث” ملغم لا يمتلك أحد حتى اللحظة إجابة عن تداعياته، وتأثيره على معادلات توازن القوى داخل طيات مستقبل نتساءل عن مكوناته. الجزء المعلوم من هذا الملف حتى الآن ـ وهو محدود للغاية ـ أن وحدات هذا الجيش، ضمت وسط صفوفها كم هائل من عناصر تحمل ولاءا مزدوجا، وأن هؤلاء بالقاءهم السلاح طواعية في مرحلة ابتلاع السيطرة على الولايات الأفغانية، وانتقالهم السلس لتأييد الحركة مثل ضربة تسارع أربكت حسابات التوقيت الأمريكية.

تبقى معضلة لا تقل خطورة وغموض تتعلق بمستقبل وحدة التراب الأفغاني، وشبح الحرب الأهلية على الأقل رابض في الشمال الأفغاني، الذي أعلن منذ اللحظة الأولى أنه خارج سياق تلك الاتفاقات ورغبات التمرير حتى الآن، وربما تخرج مناطق أخرى ليكون لها رأي آخر بعد أن تعاين طبيعة الاستحواذ الذي تقوم به “طالبان”. فبنفس حدة التسارع الذي تقوم به الحركة في العاصمة كابول، تتشكل حول إقليم “بانجشير” لجان مقاومة مسلحة لحركة طالبان تحت قيادة “أحمد شاه مسعود” الإبن، الذي يمتلك ما لا يقل عن (6000 مقاتل) أغلبهم من عرقية “الطاجيك” الأعداء التاريخيين لطالبان “البشتون”. والأخيرة أعلنت الأحد شن هجوم واسع النطاق على الإقليم الذي لم يعلن انضواءه بعد تحت راية الحركة، الإعلان في حد ذاته يرسم ملامح قاتمة لوحدة أراضي الدولة، فالمكون الشمالي صعب المراس عرقيا وجغرافيا ولديه تحالفات قوية مع الكثير من دول الجوار، ومؤخرا صار قبلة لعناصر الجيش التي لم تجد لها ملاذ بعد استسلام أقرانهم فضلا عن رافضي حكم الـ”طالبان”. وهذه “خلطة” نموذجية ليس لاندلاع حرب أهلية فحسب، بل أبعد باتجاه تقسيم جغرافي وعرقي، سيخط لنفسه سريعا طريقا وعرا، مثل العديد من طرق أفغانستان الأكثر وعورة.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب