وحدة الدراسات الاقتصادية

الشركات الناشئة في مصر بين الواقع والمأمول

تُعد الشركات الناشئة وريادة الأعمال أحد أهم سمات العصر الحديث الذي تتسم فيه نسبة كبيرة من الشباب بالتفكير الحر والبعد عن المألوف، فضلًا عن ارتفاع قدراتهم في استغلال وتطويع التكنولوجيا الحديثة، ورغبتهم في تكوين شركاتهم الخاصة بدلًا من الالتحاق بالأعمال التقليدية بالقطاعين العام والخاص. وقد ساهمت الظروف الاقتصادية التي سادت بعد يناير 2011 في تطور فكر ريادة الأعمال في مصر، حيث أدى التراجع الاقتصادي وانخفاض الاستثمارات وتراجع معدلات التوظيف في توجه فكر الأفراد من الشباب الطموح في بدء مشروعاتهم الخاصة الصغيرة القائمة على تطويع التكنولوجيا في تطوير برامج وتطبيقات إلكترونية لتقديم الخدمات التقليدية التي يحتاجها السوق. وفي هذا السياق، جاءت…

أسماء رفعت
باحثة بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تُعد الشركات الناشئة وريادة الأعمال أحد أهم سمات العصر الحديث الذي تتسم فيه نسبة كبيرة من الشباب بالتفكير الحر والبعد عن المألوف، فضلًا عن ارتفاع قدراتهم في استغلال وتطويع التكنولوجيا الحديثة، ورغبتهم في تكوين شركاتهم الخاصة بدلًا من الالتحاق بالأعمال التقليدية بالقطاعين العام والخاص. وقد ساهمت الظروف الاقتصادية التي سادت بعد يناير 2011 في تطور فكر ريادة الأعمال في مصر، حيث أدى التراجع الاقتصادي وانخفاض الاستثمارات وتراجع معدلات التوظيف في توجه فكر الأفراد من الشباب الطموح في بدء مشروعاتهم الخاصة الصغيرة القائمة على تطويع التكنولوجيا في تطوير برامج وتطبيقات إلكترونية لتقديم الخدمات التقليدية التي يحتاجها السوق. وفي هذا السياق، جاءت أخبار قيد شركة سويفل بقيمة تقدر بنحو 1.5 مليار دولار في بورصة ناسداك العالمية لتحفز العديد من رواد الأعمال على المضيّ قدمًا في تأسيس شركاتهم الخاصة لتحقيق نجاحات مستقبلية مثيلة من جهة، وتثير العديد من التساؤلات حول أوضاع الشركات الناشئة في مصر وما تقابله من عقبات وتحديات من جهة أخرى، وفي هذا الإطار يتناول المقال تحليل منظومة الشركات الناشئة في مصر.

شركة سويفل من التأسيس حتى القيد بالبورصات العالمية

نشأت شركة سويفل في مصر عام 2017 على أيدي ثلاثة شبان مصريين لتقديم خدمات النقل الجماعي في مصر كشركة ناشئة تكنولوجية، ومع نجاح الفكرة في مصر تم تطوير استراتيجية الشركة لتقديم خدماتها في نحو عشر دول من بينها: المملكة العربية السعودية، وكينيا، وباكستان، والإمارات العربية المتحدة، والأردن. وفي عام 2019، تم نقل مقر الشركة إلى دبي مع استمرار نشاطها في مصر. وقد مرت الشركة منذ نشأتها بسلاسل التمويل المختلفة بدءًا من مرحلة التمويل الأولي seed round من خلال مؤسسي الشركة، ثم مرحلة التمويل أ “A Round financing” التي يشارك فيها مستثمرون مخاطرون، ثم لجأت الشركة إلى المرحلة الثانية من سلاسل التمويل Series B التي يكتتب فيها عدد كبير من المؤسسات وصناديق رأس المال المخاطر العالمية. ومع استمرار التوسع والنمو زادت الحاجة إلى التمويل، فاتجهت الشركة نحو القيد بإحدى البورصات الإقليمية أو العالمية، وكان الاختيار الأفضل للشركة هو السوق الأمريكية التي توفر مظلة قانونية معروفة باسم Special Purpose Acquisition Company (SPAC)، وهي نوع جديد من الشركات المتخصصة ليس لديها نشاط تجاري تم تأسيسها لزيادة رأس المال من خلال طرح عام أولي (IPO) لغرض الاستحواذ على الشركات الناشئة. وبناء عليه، أعلنت شركة سويفل وشركة كوينز جامبيت جروث كابيتال، وهي شركة استحواذات مدرجة في بورصة ناسداك، عن إبرام اتفاق نهائي بغرض اندماج الأعمال، ما من شأنه أن يحوّل سويفل إلى شركة عامة مساهمة باسم “سويفل هولدينجز كورب (Swvl Holdings Corp). وبذلك تصبح شركة سويفل أول شركة تفوق قيمتها المليار دولار في الشرق الأوسط يتم إدراجها في بورصة ناسداك، بالإضافة إلى كونها الشركة الوحيدة لتقديم خدمات النقل الجماعي تكنولوجيًا يتم إدراجها في أي سوق للأوراق المالية.

مقومات نجاح الشركات الناشئة في مصر

يعتمد فكر الشركات الناشئة بالأساس على وجود أفكار ريادية متميزة تقدم حلولًا مبتكرة لاحتياجات الأفراد من سلع وخدمات. وفي هذا الإطار، تتميز مصر بوجود قاعدة شبابية كبيرة، تتسم بالموهبة والطموح وروح الإبداع والابتكار. وقد قامت الدولة بدعم ذلك التوجه من خلال عددٍ من المبادرات، مثل مبادرة “رواد النيل” المدعومة من البنك المركزي المصري والتي تم إطلاقها عام 2019 لدعم الشركات الناشئة والشركات الصغيرة والمتوسطة في مجالات التصنيع والزراعة والتحول الرقمي من خلال تطبيق أدوات الابتكار المختلفة. وكذلك مبادرة الهيئة العامة للاستثمار “فكرتك شركتك” وهي مبادرة تقوم على توفير حزم متكاملة من الدعم للمستثمرين الصغار في جميع مراحل تأسيس مشاريعهم لتعظيم فرص منافسة تلك المشروعات عالميًا، وتتضمن المبادرة توفير عدد من أدوات التمويل وإتاحة خدمات الحاضنات ومسرعات الأعمال، وكذلك توفير الخدمات المتعلقة بتأسيس الشركات وخدمات الدعم التجاري والقانوني والفني. وذلك من خلال مساعدة الشباب أو المصريين بصفة عامة ممن لديهم أفكار مبتكرة يمكن تحويلها إلى خدمة أو منتج، فتحصل تلك الأفكار على تمويل أوّلي ودعم فني، ومكان لإدارة المشروع، ويصبح أصحاب هذه الأفكار مساهمين بشركاتهم، وتوفر المبادرة تمويلًا حتى 500,000 جنيه مصري مقابل حصة من 4 إلى 8% في شركتهم. وعلى الجانب الآخر، هناك عددٌ من الجهات الحكومية التي توفر خدمات حضانات الأعمال مثل: جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، ومركز الابتكار التكنولوجي وريادة الأعمال TIEC، وهيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات ITIDA.

ويُعد الموقع الجغرافي لمصر أحد عوامل جذب الشركات الناشئة الإقليمية والعالمية لتعمل في السوق المصرية؛ وتتعدد أمثلة ذلك من بينها: شركة أوبر الأمريكية، وكريم الإماراتية، وشركة UVA البريطانية للنقل التشاركي، وشركة Trukker الإماراتية لنقل وشحن البضائع، وشركة Airbnb الأمريكية العاملة في مجال العقارات والسياحة، وشركة سوق Souq.com التابعة لشركة أمازون العالمية، وشركة نوون Noon.com الإماراتية. ووفقًا للتقرير الصادر عن مؤسسة MAGNiTT تحتل مصر المركز الثاني بعد دولة الإمارات من حيث عدد الصفقات التي تمت في الشرق الأوسط خلال عام 2020. وطبقًا لتقرير AfricaArena تحتل المركز الأول من حيث عدد الصفقات عام 2020، والمركز الثالث على مستوى إفريقيا والشرق الأوسط من حيث قيمة الصفقات التي تقدر فيما بين 200 إلى 270 مليون دولار أمريكي. 

تحديات الشركات الناشئة في مصر

على الرغم من توفر عدد من مقومات نجاح الشركات الناشئة في مصر، إلا أن الأمر يتطلب توفر كافة عناصر النظام البيئي للابتكار والشراكات الناشئة، وفي الواقع تحتل القاهرة المركز 51 في القائمة العالمية لأفضل النظم البيئية، في حين تمكنت دولة الإمارات العربية المتحدة من أن تكون ضمن أفضل 20 نظامًا بيئيًّا ناشئًا على مستوى العالم، وتؤكد تجربة شركة سويفل أن هناك فجوة بين البلد الذي يتم فيه تأسيس الشركات الناشئة والبلد الذي تمارِس فيه الشركة نشاطها، الأمر الذي يمكن إرجاعه إلى اختلاف النظام البيئي الداعم للشركات الناشئة في مختلف مراحل نموها.

وتمر الشركات الناشئة بعددٍ من المراحل بدءًا من صياغة فكرة المشروع، ودراسة السوق، وتنمية المهارات، وتوافر التمويل، وتنفيذ الفكرة، وتسويق المنتجات. ومع نجاح ونمو المشروع يحتاج إلى زيادة مصادر التمويل. ومن خلال تلك المراحل يمكن تحديد آليات دعم الشركات الناشئة والمتمثلة في نشر الوعي، وتقديم خدمات التعليم والتدريب، وتوفير مصادر التمويل، وإتاحة دراسات السوق، وتيسير المتطلبات التنظيمية والتشريعية لتأسيس تلك الشركات مع تخفيض تكلفتها، ومواجهة احتكار الأعمال السائدة في بعض القطاعات، وتوفير البنية التحتية التكنولوجية اللازمة، وسن القوانين واللوائح وسياسات الاستثمار الملائمة للطبيعة الخاصة للشركات الناشئة. وعلى الرغم من اتخاذ الدولة المصرية العديد من الإجراءات لتحسين بيئة ومناخ الاستثمار من إصلاحات مؤسسية وتشريعية؛ إلا أنه ما تزال هناك بعض المعوقات الإدارية والتنظيمية والتمويلية التي يجب التعامل معها بشكل فوري لاستكمال تطوير بيئة الاستثمار في مصر، إذ إنه مع حرية دخول وخروج رؤوس الأموال بين الدول بحثًا عن البيئة الاستثمارية الأفضل ومعدل الأرباح الأعلى، ارتفع تدفق الاستثمارات الأجنبية للخارج من 5.4 مليارات دولار عام 2016/2017 إلى 8.4 مليارات عام 2019/2020.

ويلاحظ أنه ليست هناك جهة وحيدة مسئولة عن تقديم كافة الخدمات المتعلقة بالشركات الناشئة في مصر، وإنما هناك عدد من الجهات التي يقوم كل منها بدور مختلف متعلق بالشركات الناشئة بجانب القيام بعدد من الأدوار الأخرى. ومن بين تلك الجهات هناك الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، والهيئة العامة للرقابة المالية، وهيئة التنمية الصناعية، والبنك المركزي المصري، والمعهد المصرفي المصري، وجهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، ووزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات من خلال مركز الابتكار التكنولوجي وريادة الأعمال TIEC، وهيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات. ومع تعدد الجهات يزداد الأمر صعوبة بالنسبة لرائد الأعمال، وهو ما يتطلب وجود جهة واحدة يتوجه إليها أصحاب الأفكار الريادية في مختلف مراحل نمو الشركة، وتتولى صياغة استراتيجية خاصة بالشركات الناشئة بما يؤدي إلى وضوح وسهولة الإجراءات وتقليل التكلفة، وتحديد نقاط القوة وحصر التحديات والتعامل معها.

ومن جهة أخرى، يلاحظ ضرورة استيعاب تلك الشركات الناشئة في مختلف مراحل نموها من حيث إتاحة التمويل؛ فهناك حاجة إلى إيجاد منصات خاصة بسوق المال تتناسب مع الطبيعة الخاصة لأعمال الشركات الناشئة وأساليب تقييمها ومؤشرات أدائها ومحفزات نموها التي تختلف عن الشركات الكبيرة المقيدة بالبورصة وكذلك الشركات الصغيرة والمتوسطة المقيدة بسوق المشروعات الصغيرة والمتوسطة NILEX. مع الأخذ في الاعتبار توجه تلك الشركات إلى عمليات الدمج والاستحواذ مع زيادة حدة المنافسة بين الشركات الناشئة وبعضها بعضًا، مثلما حدث من استحواذ شركة أوبر على شركة كريم، واستحواذ شركة أمازون على سوق Souq.com. كما يتطلب الأمر استحداث استراتيجيات تمويلية جديدة -بعد الدراسة الجيدة- لإتاحة فرصة لزيادة تمويل الشركات في مراحل توسعها على غرار شركات SPAC التي تم ابتكارها في السوق الأمريكية والمخصصة للاستحواذ على الشركات الناشئة بما يوفر مسارًا سريعًا للشركات الناشئة بعد تحقيق مستوى نمو معين للوصول إلى السوق والحصول على تمويل أرخص وأسرع.

أما من جهة تطوير البنية الرقمية التي تمثل في العصر الحديث أساس جذب الاستثمارات عامة، والشركات الناشئة بصفة خاصة، فعلى الرغم من تعدد الجهود الوطنية المبذولة لتحقيق التحول الرقمي وتطوير بنية تحتية رقمية مرنة وآمنة؛ إلا أنه ما زالت هناك حاجة لضخ مزيدٍ من الاستثمارات في البنية التحتية للاتصالات لزيادة القدرة الاستيعابية وسرعة تناقل البيانات وتأمينها.وختامًا، يتبين من تجربة شركة سويفل أن السوق المصري سوق كبير ورئيسي في المنطقة يؤهل الشركات التكنولوجية الناشئة للنمو والانطلاق نحو الإقليمية ثم العالمية في غضون أقل من أربع سنوات، وهناك حاجة لبذل المزيد من الجهود للوصول إلى نظام بيئي مرن ومتكامل يتضمن البنية التحتية التكنولوجية المتقدمة، والتشريعات الخاصة بالشركات الناشئة، وآليات التمويل التي تتماشى مع مراحل النمو المختلفة للشركات الناشئة بما يمهد الطريق للوصول للهدف المأمول بأن تصبح مصر مركزًا إقليميًا للشركات الناشئة وريادة الأعمال.

أسماء رفعت
باحثة بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة