ما بين تركيا والولايات المتحدة.. حديث الصواريخ مجدداً

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

استغرق الحديث الذى دار بين الرئيس التركى ونظيره الأمريكى جو بايدن نحو 50 دقيقة كاملة فى قمة «حلف الناتو» التى انعقدت فى يونيو الماضى، ووُصفت حينها بالأكثر سخونة بين اللقاءات التى ضمت رئاسة كلتا الدولتين، بسبب تناولها قضية استحواذ تركيا، العضو فى الحلف، على منظومة الدفاع الجوى روسية الصنع (S 400) بعيدة المدى، وما استتبعها من فرض واشنطن بعضاً من العقوبات على أنقرة، والتى كان أعمقها إيلاماً طردها من «الكونسورتيوم» متعدد الجنسيات الذى تترأسه الولايات المتحدة والمنخرط فى تطوير وتصنيع الطائرة (F 35) المقاتلة فى جيلها الخامس. منذ هذا التاريخ وما بين تركيا والولايات المتحدة يدور فى فلك السيئ والأسوأ…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

استغرق الحديث الذى دار بين الرئيس التركى ونظيره الأمريكى جو بايدن نحو 50 دقيقة كاملة فى قمة «حلف الناتو» التى انعقدت فى يونيو الماضى، ووُصفت حينها بالأكثر سخونة بين اللقاءات التى ضمت رئاسة كلتا الدولتين، بسبب تناولها قضية استحواذ تركيا، العضو فى الحلف، على منظومة الدفاع الجوى روسية الصنع (S 400) بعيدة المدى، وما استتبعها من فرض واشنطن بعضاً من العقوبات على أنقرة، والتى كان أعمقها إيلاماً طردها من «الكونسورتيوم» متعدد الجنسيات الذى تترأسه الولايات المتحدة والمنخرط فى تطوير وتصنيع الطائرة (F 35) المقاتلة فى جيلها الخامس. منذ هذا التاريخ وما بين تركيا والولايات المتحدة يدور فى فلك السيئ والأسوأ منه، دون أن يفصح الطرفان عن توصلهما لما يمكن وصفه بنقطة منتصف يمكن البناء عليها.

القريبون من إدارة ملف العلاقات الأمريكية التركية يدركون جيداً أن هناك تشوهات عديدة أصابت طبيعة ومتانة العلاقات بين الحليفين مؤخراً، أبرزها احتلال تركيا لشمال سوريا وشراكة الولايات المتحدة مع أكراد سوريا، فضلاً عن سياسات أنقرة الاستبدادية التى أزاحت تماماً قضية حماية حقوق الإنسان من المشهد التركى، وفى جانب آخر استعراضات القوة التركية التى تجرى فى شرق المتوسط فى الآونة الأخيرة، ثم اعتراف الرئيس جو بايدن الرسمى بالإبادة الجماعية للأرمن عام 1915 التى تسبّبت فى حالة غضب واسع وشعور تركى بالإهانة. لكن هؤلاء القريبين الذين يمثلون رجال الاستخبارات وأعضاء الخارجية البارزين وقيادات المؤسسات العسكرية فى كلا البلدين يُجمعون على أمر واحد، بحكم اقترابهم اللصيق من درجة حرارة العلاقة التى ظلت لعقود متشابكة للحد الذى كان يُظن معه أن أى خلاف فيما بينهما لا يمكن أن يتجاوز مداه ولا يمكنه تهديد «المتانة» بأى صورة. الأمر المجمع عليه من كلا الجانبين أن قرار أنقرة رصد 2.5 مليار دولار لشراء صواريخ (S 400) المضادة للطائرات من روسيا، بالرغم من تحذيرات واشنطن وحلف شمال الأطلسى المستمرة، يلقى بظلاله على كل شىء آخر ويمثل مهدداً حقيقياً عميقاً.

لدى خبراء واشنطن العسكريين وجهة نظر مختصرها المباشر أن أنظمة الرادار الروسية فى حال نشرها بإحدى دول الناتو الذى يستخدم طائرات (F 35)، كفيل باختراق معلومات استخباراتية حول تقنيات التخفى للطائرة، ومن ثم تقويض فاعليتها القتالية. لذلك جاء حرمان تركيا من هذا الطراز بالتحديد باعتباره «عقوبة أولى» فى قائمة محتملة نُقلت إلى الجانب التركى الذى بدا غير مكترث بالتهديد، إلى أن صُدم بتنفيذه بعد تسلمه الدفعة الأولى من الصفقة الروسية فى يوليو 2019، لذلك امتنعت عن تشغيلها أو نشر راداراتها لمدة عام كامل فى محاولة لاسترضاء واشنطن بالطرق التقليدية، لكن الأمر لم يسر وفق ما خطط له أردوغان الذى راهن على أن الأمريكيين سوف يلينون فى النهاية، كما فعلوا فى معظم المناسبات السابقة بين الجانبين، فهو ظل لفترة يقدّر أن واشنطن ترى أنه من غير الممكن عزل تركيا، التى تمتلك ثانى أكبر جيش فى الناتو وتحتل مركزاً جيواستراتيجياً قيّماً للولايات المتحدة ولدول الحلف على السواء. تلك العقوبة لم تُحبط أردوغان وحده، فقد مثلت للقوات الجوية التركية ولكبار القادة العسكريين الأتراك صدمة مماثلة، حيث بُنيت خططهم المستقبلية على افتراض أنهم سيحصلون على ما لا يقل عن (100 طائرة) من طائرات (F 35) بدءاً من عام 2020.

الثابت أن القوات المسلحة التركية تعتمد، منذ أواخر الثمانينات، على طائرات (F 16)، وتتوسع فى استخدام جيلها الرابع فى كل من سوريا والعراق، بل وضد المسلحين الأكراد الانفصاليين فى جنوب شرق تركيا، وتمثل لها الأداة الرئيسية فى الجهد العسكرى المهدد اليوم بالتآكل. ففى الوقت الذى تمتلك فيه تركيا تقريباً نحو (280 طائرة) سيتعين على الجيش التركى التخلص التدريجى من معظم هذه الطائرات فى غضون السنوات العشر المقبلة، على أساس ضرورة تحديثها وفق تقنيات عملها وصيانتها، ومن إشارات القلق الداهم الأخرى ما إذا كان الكونجرس فى ظل هذا الخلاف المحتدم سيسمح ببيع قطع غيار الطائرات المقاتلة وتقديم الخدمات لمثل عمليات التحديث المطلوبة. مما جعل المساحات تضيق أمام الساسة الأتراك فى مواجهة تلك المعضلة الموصدة التى لا يبدو لها انفراج يطمئن هواجس العسكريين الذين يقيسون مسافات الحركة بميزان القدرة على الردع، وامتلاك الخيارات التى تتجاوب مع متطلبات مهامهم العسكرية المتنوعة. الساسة مع الإدارة الأمريكية الجديدة لم يجدوا سوى سلاح الابتزاز، الذى يجيده نظام أردوغان، وقام باختباره أكثر من مرة مع الجانب الأمريكى، ونجح فى ملفات عدة من قبل، لهذا بدأ مؤخراً فى المضىّ قدماً بتسريب احتمالية لجوء أنقرة إلى اختيار المقاتلة الروسية الشهيرة (SO 57)، فى حال شعرت بأنها مهددة بسبب عدم وجود طائرات مقاتلة من الجيل الجديد. وواشنطن تعرف أن هذا خداع ولا يعدو كونه مناورة ليس من السهل اللجوء إليها، وأن هذا النموذج لا يتشابه مع منظومات الصواريخ الدفاعية، فالتحول التسليحى الجوى ليس بهذه البساطة، حيث يلزمه بناء هيكل تشغيلى جديد كلياً، يشمل تعديل القواعد الجوية، ونُظم الإصلاح والخدمة والصيانة الجديدة المعلوم أنه مكلف للغاية ويستغرق وقتاً طويلاً، وصعوبته من الناحية التكنولوجية تكمن فى بنية تحتية صُممت على مدار 70 عاماً مضت، على النسق الغربى الذى يستخدمه «حلف الناتو»، ولا يُتصور تبديله بالكيفية التى يتحدث بها الساسة الأتراك.

المخاطرة التى تخوضها تركيا الآن ليست قاصرة على مجابهة تآكل قدرات ردعها العسكرى، بل تطال علاقاتها الثنائية مع الولايات المتحدة فى ظل ما لوحت به حديثاً على لسان وزير خارجيتها، من أن قضية الاستحواذ على النظام الروسى للصواريخ المضادة للطائرات باتت محسومة بشكل نهائى، ويجب على الولايات المتحدة القبول بذلك، فى ظل احتجاج وقلق مكتوم، ليس من الجانب الأمريكى إنما من العسكريين الأتراك، المدركين لحجم وطبيعة ما قد يكونون مقدمين عليه رغماً عنهم.

نقلا عن الدستور بتاريخ الإثنين 13 سبتمبر 2021

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب