تنمية ومجتمع

اللاجئون الأفغان: 40 عامًا من المعاناة الإنسانية

بعث مشهد طائرة الإجلاء الأمريكية في مطار كابول وحولها مئات الأفغان الباحثين عن مهرب من سيطرة طالبان برسالة واضحة حول ما ينتظره العالم من موجة لجوء أفغانية جديدة سوف تضرب دول الجوار أولًا ثم تنتقل إلى أوروبا، وهو ما رفضه بعض السياسيين الأوروبيين لعدم قدرة أوروبا على تحمل موجة لاجئين ثانية بعد التي شهدتها في 2015. أزمة اللاجئين الأفغان ليست أزمة حديثة تسبب فيها سحب القوات الأمريكية، وفتح المجال أمام طالبان للسيطرة على البلاد، فعمر أزمة اللجوء الأفغاني يعود إلى عام 1979 بعد الغزو السوفيتي لأفغانستان، والذي تحول لاحتلال دام عشر سنوات، خلّف قرابة خمسة ملايين لاجئ في دول الجوار.…

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة

بعث مشهد طائرة الإجلاء الأمريكية في مطار كابول وحولها مئات الأفغان الباحثين عن مهرب من سيطرة طالبان برسالة واضحة حول ما ينتظره العالم من موجة لجوء أفغانية جديدة سوف تضرب دول الجوار أولًا ثم تنتقل إلى أوروبا، وهو ما رفضه بعض السياسيين الأوروبيين لعدم قدرة أوروبا على تحمل موجة لاجئين ثانية بعد التي شهدتها في 2015. أزمة اللاجئين الأفغان ليست أزمة حديثة تسبب فيها سحب القوات الأمريكية، وفتح المجال أمام طالبان للسيطرة على البلاد، فعمر أزمة اللجوء الأفغاني يعود إلى عام 1979 بعد الغزو السوفيتي لأفغانستان، والذي تحول لاحتلال دام عشر سنوات، خلّف قرابة خمسة ملايين لاجئ في دول الجوار.

استمرار الظاهرة رغم الجهود الدولية

أشار أحدث التقارير الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين إلى أن السيناريو الأسوأ في ظل الأوضاع الحالية التي تمر بها أفغانستان يتمثل في عبور حوالي 515 ألف شخص إضافي حدود الدول المجاورة، في تأكيد على أن ظاهرة اللجوء الأفغاني لن تتوقف على المدى القريب، فبيانات المفوضية توضح أن عدد اللاجئين الأفغان بلغ حوالي 2.6 مليون لاجئ مسجل في أكثر من 25 دولة حول العالم بنهاية 2020، منهم ما يزيد على 2.2 مليون لاجئ في باكستان وإيران بنسبة تقترب من 85% من إجمالي اللاجئين الأفغان، بالإضافة إلى حوالي 3 ملايين لاجئ آخرين في هذين البلدين، وإن كانوا غير مسجلين كلاجئين.

المصدر: المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين.

جدير بالذكر أنه على الرغم من جهود مفوضية اللاجئين لإعادة الأفغان إلى بلدهم ضمن برنامج للعودة الطوعية استمر تقديم المساعدات المادية الممكنة التي تضمن استقرارهم من جديد، إلا أنه بمقارنة بسيطة بين الأعداد قبل بدء تطبيق البرنامج وبعده، يتضح أن التغير في عدد اللاجئين الأفغان لم يكن كبيرًا كما هو مأمول، حيث كان عددهم 2.6 مليون لاجئ عام 1996، واستمرت الأعداد في الزيادة إلى أن بلغت 3.6 ملايين لاجئ عام 2000، ثم انخفضت إلى 3 ملايين لاجئ في 2010 وصولًا إلى 2.6 مليون لاجئ بنهاية 2020.

المصدر: المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين.

من الشكل السابق، يتضح أن قيمة التغير في أعداد اللاجئين الأفغان بلغت مليون لاجئ في الفترة بين 2000 و2020، ولكن هذا الرقم يختلف كثيرًا عما أعلنته مفوضية اللاجئين بنجاحها في إعادة 5.3 ملايين لاجئ إلى أفغانستان خلال الفترة نفسها؛ الأمر الذي يمكن تفسيره بطريقتين: تتمثل الأولى في أن هناك فجوة كبيرة بين أعداد اللاجئين الأفغان الحقيقية والأعداد الرسمية، وتتمثل الثانية في أن موجات اللجوء الأفغانية لم تتوقف خلال تلك الفترة، الأمر الذي أضعف تأثير الجهود الدولية في هذا الشأن.

محركات الهجرة واللجوء في أفغانستان

على الرغم من الجهود الدولية التي استمرت لسنوات لإعادة اللاجئين الأفغان إلى بلدهم، إلا أن أعدادهم لم تتغير كثيرًا، في إشارة إلى أنهم استمروا في الهجرة واللجوء لدول الجوار، ويرجع ذلك إلى الأسباب التالية:

  • استمرار الصراع المسلح: كان الصراع المسلح وما يزال أحد المحركات الرئيسية لهجرة المواطنين الأفغان الذين لم يسلموا من ويلات الصراعات المسلحة على مدى 40 عامًا أو يزيد، حيث انتقلت أفغانستان من الغزو السوفيتي في 1979 إلى صراع داخلي وحرب أهلية بين الأحزاب الإسلامية وجماعات المجاهدين بعد الإطاحة بنظام حكم محمد نجيب الله في 1992، إلى استيلاء طالبان على زمام الأمور وإعلان أفغانستان إمارة إسلامية في 1996، إلى غزو الناتو بقيادة أمريكية في 2001، لينتهي بها المطاف تحت وطأة حكم طالبان مرة أخرى.

وعلى الرغم من جهود الأمم المتحدة طوال هذه السنوات؛ إلا أن الجهود الدولية لم تكن كافية لحماية أرواح الأفغان، حيث تشير التقديرات إلى أن عدد الذين قُتلوا في الفترة 1979-1992 تراوح بين 500 ألف إلى 1.5 مليون قتيل، أما فترة الصراع الداخلي فلا يوجد إحصاء مؤكد بشأنها، ولكن أعداد القتلى تُقدر بعشرات الآلاف. وفيما يخص فترة التدخل الأمريكي التي استمرت عشرين عامًا، فقد تجاوز عدد القتلى 200 ألف من جميع الأطراف. وقد أدى استمرار الصراعات المسلحة إلى تحول معظم الأراضي الأفغانية إلى بيئة خصبة للإرهاب وتجارة الأسلحة والمخدرات، مما تسبب في نزوح المواطنين إما إلى مناطق أخرى داخل أفغانستان أو عبر الحدود مع الدول المجاورة.

  • تفاقم أزمة نقص الغذاء: خلّف الصراع المسلح أزمةً أخرى تمثلت في نقص الغذاء لدرجة وصلت إلى حد المجاعة. ففي 2001، أشارت منظمة كريستيان إيد Christian Aid في تقرير رسمي إلى أن 600 شخص توفوا في شمال أفغانستان بسبب المجاعة وسوء التغذية. وفي كل مرحلة من مراحل الصراع كانت هناك صعوبات بالغة في إدخال المواد الغذائية والوقود والمساعدات الإنسانية إلى مناطق الصراع، وهو ما جاء في جلسة مجلس الأمن رقم (3631) التي عُقدت في 15 فبراير 1996، وما تؤكده أيضًا بيانات برنامج الغذاء العالمي ومنظمة الغذاء والزراعة (فاو)، حيث تشير تلك البيانات إلى أن أكثر من 14 مليون أفغاني (ثلث السكان تقريبًا) يعانون من نقص الغذاء، كما أن مليوني طفل يعانون من سوء التغذية. وقد وضعت تقارير المنظمات الدولية أفغانستان بين أكثر ثلاث دول لعرضة لنقص الغذاء وتحتاج تدخلًا عاجلًا.
  • الجفاف والتغيرات المناخية: لم يتوقف الأمر عند الصراعات المسلحة وأزمة الغذاء، بل شمل أيضًا أزمة جفاف شديد ضربت البلاد في أبريل 2000 أثرت على 12 مليون أفغاني، ثم أزمة جفاف أخرى في 2018 تسببت في تهجير أكثر من 250 ألف مواطن إلى مناطق أخرى بسبب نقص المياه وضعف الإنتاج الزراعي، واستمرت حتى العام الحالي لتهدد أكثر من 3 ملايين أفغاني، لتكون هذه الأزمة بمثابة القشة التي قصمت ظهر الباحثين عن النجاة من الأفغان في ظل هذه الظروف الطاحنة.

تُعد العوامل الثلاثة السابقة هي أبرز المحركات الدافعة لهجرة المواطنين الأفغان أو لجوئهم لدول الجوار بحثًا عن أبسط حقوقهم الإنسانية، ولكن لا يمكن التوقف عند هذه المحركات فقط، فهناك محركات أخرى، مثل جائحة (كوفيد-19) التي استمرت لعام ونصف، والاقتصاد الواقف على حافة الانهيار.

كيف يعيش اللاجئون الأفغان؟!

قد يعتقد البعض أن لجوء المواطنين الأفغان لدول أخرى يمكن أن يوفر لهم مستوى معيشة أفضل في ظل الأوضاع المتردية التي تمر بها البلاد؛ وهنا يمكن تقسيم اللاجئين الأفغان على ثلاث فئات: الفئة الأولى تمثل (15%) من العدد الإجمالي للاجئين يعيشون في أوروبا ويتمتعون بمستوى معيشة أفضل في ظل تطبيق الدول التي يعيشون بها خططًا لدمجهم في المجتمعات المحلية من خلال المدارس والجامعات وأماكن العمل، ولكن ما يزال بعضهم يواجه شكلًا أو أكثر من التمييز والعنصرية.

أما الفئة الثانية وتمثل (30%) من العدد الإجمالي، فيعيشون في إيران (96% منهم في المدن، و4% فقط في 20 مخيمًا للاجئين)، وقد أصدرت إيران بطاقات هوية للاجئين الأفغان المسجلين لديها بما يضمن لهم حرية التنقل والحركة، والحصول على تصريحات العمل، وإمكانية الالتحاق بنظام التعليم والحصول على الخدمات الصحية. على النقيض يواجه اللاجئون غير المسجلين (ثلاثة أضعاف المسجلين) أوضاعًا حياتية صعبة، فلا يتمكنون من العمل، ولا يدخلون المدارس أو المستشفيات هناك، كما يمكن ترحيلهم في أي وقت.

أما الفئة الثالثة، فهي الأكبر حيث تمثل (55%) من العدد الإجمالي، فيعيشون في باكستان، حيث يواجهون ظروفًا صعبة في الحصول على الخدمات التعليمية والصحية، وفي الحصول على فرصة عمل مناسبة، حيث تشير البيانات إلى أن نسبة أطفال اللاجئين الأفغان في سن الدراسة ولا يحصلون على فرصة تعليمية في باكستان تبلغ 80%، كما أن نسبة اللاجئين القادرين على القراءة والكتابة هناك تبلغ 33% فقط، وقد يرجع ذلك إلى ارتفاع نسبة الأمية والتسرب من الدراسة بين صفوف المجتمع الباكستاني نفسه، أو ضعف عدد المدارس المفتوحة للطلاب الأفغان والذي يبلغ 153 مدرسة فقط في 54 قرية اللاجئين.

ولا يقتصر الأمر على الخدمة التعليمية غير الجيدة التي يتلقاها اللاجئون الأفغان في باكستان، وإنما ينطبق الوضع نفسه على الخدمات الصحية التي يتلقونها من خلال برامج المساعدات الدولية، كما أن الحصول على عمل لائق أو إقامة مشروعات صغيرة يعد أمرًا صعبًا بالنسبة للاجئين الأفغان، وهو ما يضطر معظمهم للعمل بأجر يومي لا يضمن لهم وضعًا أفضل مما يواجهونه في بلدهم.

ورقة ضغط سياسية 

على الرغم من أن دول أوروبا مجتمعة تضم 371 ألف لاجئ أفغاني فقط، ما يمثل أقل من 15% من اللاجئين الأفغان حول العالم و10% فقط من الأفغان الذين تقدموا بطلبات لجوء لأوروبا؛ إلا أن الأزمة الأخيرة أثارت قلق أوروبا من تداعيات أزمة لجوء جديدة بعدما شهدته في 2015. وقد كان الموقف الأوروبي واضحًا، حيث رفض الرئيس الفرنسي “ماكرون” استقبال لاجئين أو مهاجرين غير شرعيين أفغان، قائلًا إن أوروبا لا بد أن تحمي نفسها من تحمل تبعات الموقف في أفغانستان وحدها، كما طالبت النمسا بإنشاء مراكز ومخيمات للاجئين في الدول المجاورة لأفغانستان. وفي جميع الأحوال لن تستقبل أي دولة أوروبية أكثر من 20 ألف لاجئ أفغاني وفق خطة زمنية محددة.

وقد تستغل دول مثل إيران وتركيا اللاجئين الأفغان كورقة ضغط سياسية على الولايات المتحدة وأوروبا لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية في ظل الظروف التي تمر بها الدولتان، حيث يمكن أن تلجأ إيران لاستخدام اللاجئين لتخفيف العقوبات أو استقبال مساعدات إنسانية تسهم في تحسين الأوضاع الداخلية بعد أن أقامت مجموعة من المخيمات المؤقتة للاجئين الأفغان في ثلاث محافظات على الحدود، على أن تتم إعادتهم بعد استقرار الأوضاع.

أما تركيا فيمكن أن تكرر السيناريو الذي نفذته لاحتواء أزمة اللاجئين السوريين في 2015، بعد أن أكدت أنها استقبلت حوالي نصف مليون مهاجر غير شرعي من أفغانستان بين عامي 2014-2020، كما رفض الرئيس التركي أن تكون “تركيا مخزنًا للاجئين والمهاجرين المتجهين لأوروبا”.

ختامًا، تشير صورة الواقع الحالي الذي تشهده أفغانستان إلى تفاقم مستقبلي لأزمة اللاجئين في ظل سيطرة طالبان على البلاد وصراعها المنتظر مع جماعات أخرى، الأمر الذي يؤدي إلى دفع المزيد من الأفغان نحو البحث عن فرصة للنجاة خارج حدود دولتهم، لتستمر معاناتهم التي امتدت لأكثر من 40 عامًا خاصةً في دول الجوار، ويستمر العالم في تحمل تكلفة باهظة تتمثل في تقديم مساعدات إنسانية تُقدر بمليارات الدولارات، ومكافحة التطرف الفكري الذي يمكن أن ينتج عن الأوضاع الإنسانية المتردية التي يعيشها هؤلاء اللاجئون.

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة