وحدة الدراسات الاقتصادية

تعزيز الاستثمارات في مجال الطاقة بمصر

يُعد قطاع الطاقة أحد أهم القطاعات الداعمة لخطط التنمية الاقتصادية التي تتبناها الدولة المصرية، وذلك من خلال دوره في إمداد القطاعات الإنتاجية الأخرى بما تحتاجه من مصادر للطاقة للقيام بعمليات التشغيل، ومن ثمّ توفير فرص العمل وزيادة الناتج المحلي، فضلًا عن دوره في توفير احتياجات القطاع العائلي من مصادر الطاقة والكهرباء بما يتناسب مع زيادة أعداد السكان وزيادة أعداد الوحدات السكنية، وكذلك دوره في تعزيز أوضاع الميزان التجاري وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. وقد أولت الدولة اهتمامًا كبيرًا بتطوير القطاع من خلال الاستراتيجية الوطنية للطاقة، وقد ساهم ذلك في تعزيز الاستثمارات في مجال الطاقة وتحقيق الاكتفاء الذاتي من بعض مصادر الطاقة،…

أسماء رفعت
باحثة بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

يُعد قطاع الطاقة أحد أهم القطاعات الداعمة لخطط التنمية الاقتصادية التي تتبناها الدولة المصرية، وذلك من خلال دوره في إمداد القطاعات الإنتاجية الأخرى بما تحتاجه من مصادر للطاقة للقيام بعمليات التشغيل، ومن ثمّ توفير فرص العمل وزيادة الناتج المحلي، فضلًا عن دوره في توفير احتياجات القطاع العائلي من مصادر الطاقة والكهرباء بما يتناسب مع زيادة أعداد السكان وزيادة أعداد الوحدات السكنية، وكذلك دوره في تعزيز أوضاع الميزان التجاري وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. وقد أولت الدولة اهتمامًا كبيرًا بتطوير القطاع من خلال الاستراتيجية الوطنية للطاقة، وقد ساهم ذلك في تعزيز الاستثمارات في مجال الطاقة وتحقيق الاكتفاء الذاتي من بعض مصادر الطاقة، وتحسين وضع الميزان التجاري البترولي. إلا أنه من جهة أخرى يلاحظ وجود عدد من العوامل التي من شأنها التأثير على استقرار أوضاع قطاع الطاقة بدرجة أكبر من غيره من القطاعات الاقتصادية. ومن هذا المنطلق يناقش المقال العوامل المؤثرة على جذب الاستثمارات إلى قطاع الطاقة، وكذا التحديات التي تواجه استقرار واستدامة الاستثمارات في مجال البحث والتنقيب عن الطاقة.

نظرة على قطاع الطاقة في مصر

شهدت السنوات الماضية طفرة في عمليات الاستكشاف والتنقيب والإنتاج للطاقة في مصر، ترتب عليها زيادة الإنتاج بقطاع الاستخراجات (الزيت الخام، والغاز، واستخراجات أخرى)، وصناعة تكرير البترول إلى نحو 1.19 تریلیون جنيه عام 2020/2021، مقارنة بنحو 1.12 تريليون عام 2019/2020. وتستهدف الحكومة زيادة الإنتاج بقطاع الاستخراجات وصناعة تكرير البترول إلى نحو 1.31 تريليون جنيه في خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي الجاري 2021/2022، لتصل نسبة مساهمة الأنشطة 10.6% من الناتج المحلي الإجمالي. وتُولِي مصر أهمية خاصة لزيادة الاستثمارات في مجال الطاقة المتجددة؛ فوفقًا لاستراتيجية الطاقة المستدامة المتكاملة لعام 2035، تهدف الدولة إلى زيادة إمدادات الكهرباء المولدة من المصادر المتجددة إلى 20٪ عام 2022 و42٪ بحلول عام 2035، مع توفير طاقة الرياح بنسبة 14٪، والطاقة المائية بنسبة 2٪، والطاقة الشمسية بنسبة 25٪ بحلول عام 2035.

أما بالنسبة للاستهلاك، فتعتبر مصر رابع أكبر مستهلك للطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وقد بلغ إجمالي استهلاك الطاقة نحو 89 مليون طن من النفط المكافئ عام 2020، ومن المتوقع أن يشهد عام 2021 نموًا بنسبة 1.8% في استهلاك الطاقة مع عودة القطاعات كثيفة استهلاك الطاقة إلى العمل بعد التعافي من جائحة كورونا. كما يتوقع أن يرتفع الاستهلاك إلى 107 ملايين طن بحلول عام 2030، وفقًا لتقديرات وحدة المعلومات الاقتصادية (EIU) التابعة لمجموعة الإيكونوميست.

أما بالنسبة للتعاملات مع العالم الخارجي، فيوضح الشكل التالي تطور وضع الميزان التجاري البترولي الذي يعكس تحسن قيمة الصادرات البترولية بدءًا من عام 2015/2016، وقد فاقت قيمتها قيمة الواردات عام 2018/2019 ليترتب على ذلك وجود فائض بالميزان البترولي يُقدر بنحو 100 مليون دولار، وتزداد الأهمية النسبية لهذا التحسن عند الأخذ في الاعتبار أن الصادرات البترولية المصرية تتركز في الغاز الطبيعي منخفض السعر نسبيًا، أما الواردات البترولية فتتركز في النفط الأعلى سعرًا مقارنة بالغاز الطبيعي. ومع تراجع النشاط الاقتصادي وحركة الإنتاج نتيجة أزمة جائحة كورونا تراجع كل من الصادرات والواردات خلال عام 2020/2021. 

أما من جهة الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فيوضح الشكل البياني التالي استحواذ استثمارات الطاقة على النسبة الأكبر من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر خلال السنوات المتتالية. وقد وصلت أقصاها عام 2018/2019 مسجلة نسبة 74.3% من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر، ومع تأثير تداعيات جائحة كورونا على الاقتصاد العالمي انخفضت تدفقات الاستثمار الأجنبي بصفة عامة، ولكن ظل قطاع الطاقة مستحوذًا على النصيب الأكبر بنسبة 45.8% عام 2019/2020، و40% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2020/2021 وفقًا لبيانات البنك المركزي المصري. وقد أشار تقرير الاستثمار العالمي الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) في يونيو 2021 إلى أن اكتشاف حقل ظهر كان له الأثر الأكبر في تعزيز الاستثمارات الأجنبية المباشرة الموجهة لقطاع الطاقة في منطقة شرق البحر المتوسط.

عوامل جذب الاستثمارات لقطاع الطاقة في مصر

يُلاحَظ مما سبق تركز الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر حول قطاع الطاقة، ويمكن إرجاع ذلك إلى عدد من العوامل من أهمها: ارتفاع استهلاك الطاقة في مصر مقارنة بنطاقها الإقليمي، فضلًا عن اهتمام الدولة بالإصلاحات الهيكلية والاقتصادية الأمر الذي ساهم في زيادة الاستثمارات بصفة عامة. ومع تركيز الدولة على أنشطة البحث والاستكشاف ارتفعت استثمارات الطاقة بصفة خاصة. ومن جهةٍ أخرى، يُمثل الموقع الجغرافي لمصر أهمية خاصة فيما يتعلق باستثمارات الطاقة؛ إذ تقع في مفترق طرق التجارة الدولية للبترول والغاز، إضافةً إلى كونها تُسيطر على طريقين رئيسيين هما قناة السويس وخط أنابيب البترول (سوميد).

وفيما يتعلق بالطاقة المتجددة، تتوفر في مصر مصادر إنتاج الطاقة المتجددة المختلفة. فأما بالنسبة للطاقة الشمسية، فتعتبر مصر إحدى دول منطقة الحزام الشمسي التي تُعد الأكثر ملاءمة لأجهزة توليد الطاقة الشمسية، إذ تتراوح طاقة متوسط الإشعاع الشمسي العمودي بين 2000 و32000 كيلو وات/ساعة لكل متر مربع في السنة الواحدة، ويتراوح معدل الزيادة في الطاقة الشمسية بين 9-11 ساعة في اليوم، مما يوفر فرصًا استثمارية مربحة في مختلف مشروعات توليد الطاقة الشمسية، خاصة في صعيد مصر. أما عن طاقة الرياح، فتتسم مصر باتساع المساحة الجغرافية واشتمالها على بعض المناطق الهامة مثل الصحراء الغربية والصحراء الشرقية وساحل البحر الأحمر على طول خليج العقبة، وهي تلك المناطق التي تتسم بارتفاع سرعة الرياح، بما يعني توفر موارد إنتاج طاقة الرياح وتوليد الكهرباء. وتعتبر منطقة غرب خليج السويس واحدة من أكثر المواقع الواعدة لإنشاء مشاريع مزارع الرياح الكبيرة، إذ تتسم بسرعة الرياح العالية التي تتراوح بين 8-10 أمتار في الثانية، وكذلك كونها منطقة صحراوية كبيرة غير مأهولة، وهو الأمر الذي ساهم في أن تكون مصر واحدة من بين 38 دولة في العالم ممَّن لديهم أطلس قومي للرياح.

وعلى صعيد الغاز الطبيعي فقد أتت عمليات البحث والاستكشاف بثمارها في هذا المجال؛ إذ نتج عنها اكتشاف حقل ظهر، وهو أكبر حقول الغاز في منطقة البحر المتوسط، وقد تجاوز إنتاجه 3 مليارات متر مكعب يوميًا عام 2019/2020. ومن جهة أخرى، تم التوسع في استخدامات الغاز، سواء في توصيل الغاز الطبيعي للوحدات السكنية وتحويل السيارات للعمل بالغاز والتوسع في صناعة البتروكيماويات القائمة على الغاز الطبيعي، بما يعني رواج العرض والطلب في سوق الغاز الطبيعي، وهو ما يمثل حافزًا قويًا للشركات للدخول في هذا السوق النشط.

أما بالنسبة للديزل الحيوي، وهو الوقود المصنّع من الزيوت النباتية والدهون الحيوانية، فإن اتساع الرقعة الزراعية في مصر والمناخ الملائم لنمو النباتات، فضلًا عن توفر القوى العاملة، يساعد على إنتاج الديزل الحيوي.

تحديات الاستثمارات في قطاع الطاقة

يتأثر قطاع الطاقة بعددٍ من العوامل الداخلية والخارجية على حد سواء. فعلى صعيد العوامل الخارجية، تمثل الدورة الاقتصادية للاقتصاد العالمي أحد أهم العوامل المؤثرة على قطاع الطاقة، وقد ظهر ذلك جليًا مع تراجع الاقتصاد العالمي نتيجة أزمة كورنا واتخاذ العديد من الإجراءات الاحترازية حول العالم، وإغلاق المصانع وتباطؤ حركة الإنتاج، إذ انخفض الطلب على قطاع الطاقة محليًا وعالميًا. ومع استمرار تداعيات جائحة كورونا على مختلف دول العالم يتوقع أن يشهد قطاع الطاقة تذبذبات واضحة خلال الفترة الحالية والمستقبلية، فضلًا عن تأثر أسعار الطاقة بتقلبات العملات الرئيسية، فمع ارتفاع أسعار الدولار تنخفض أسعار النفط وتنكمش أرباح الاستثمارات البترولية، وهو الأمر الذي يؤثر على الأسعار المستقبلية للبترول من خلال إعادة تقييم العقود الآجلة للنفط. وعلى صعيد المخاطر المحلية، فهي تتمثل في معارضة الزيادة في أسعار الطاقة، وانعكاس ذلك على المستويات العامة للأسعار. 

ومن جهة أخرى، على الرغم من ارتفاع نسبة إنتاج واستهلاك الطاقة في مصر، إلا أن هناك خللًا واضحًا في جانبي العرض والطلب على الطاقة. فمن جهة العرض لا يتناسب ناتج الاستخراجات مع ما تزخر به البلاد من احتياطيات من خامات تعدينية عديدة، الأمر الذي يتطلب دفع المزيد من الاستثمارات لعمليات البحث والتنقيب لتحقيق الاستغلال الأمثل لثروات البلاد الطبيعية. أما من حيث الطلب، فعلى الرغم من أن مصر هي رابع أكبر مستهلك للطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلا أن معدل استهلاك الفرد بها لا يزال منخفضًا نسبيًا، ويزداد الخلل بالنسبة للطاقة المتجددة فلا يتناسب معدل استهلاك الطاقة المتجددة في مصر مع الزيادة الكبيرة في القدرة على إنتاجها، إذ من المتوقع أن يرتفع الاستهلاك بنسبة 22% ليصل إلى 4.7 ملايين طن نفط مكافئ بحلول عام 2030، مقارنة بنحو 3.9 ملايين في عام 2020. ويمكن إرجاع ذلك جزئيًا إلى زيادة إنتاج الغاز الطبيعي الأرخص نسبيًا. ويوضح الشكل البياني التالي توقعات مؤسسة فيتش لمعدلات إنتاج واستهلاك الطاقة في مصر مقارنة بالطاقة الاستيعابية.

وختامًا، على الرغم من أهمية قطاع الطاقة في مصر ودوره في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر؛ إلا أن هناك المزيد من الفرص الكامنة لتعزيز الاستثمارات في مجال الطاقة مع توفر مصادر إنتاج الطاقة المتجددة، وارتفاع ثروات البلاد من البترول والغاز الطبيعي، الأمر الذي يؤدي إلى تعظيم مساهمة القطاع في الناتج القومي، وتأمين احتياجات البلاد من المواد البترولية، وتحسين وضع الميزان التجاري، وتحويل مصر إلى مركز استراتيجي لتداول الطاقة.

أسماء رفعت
باحثة بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة