تنمية ومجتمع

تطور مناهج مرحلة رياض الأطفال

“أين ترى نفسك بعد خمس سنوات؟”.. هو التساؤل الأشهر في المقابلات الشخصية الذي يهدف إلى التحقق من أنك تخطط لمستقبلك وفق أهداف محددة تخدم الطرح المقدم من القائم على المقابلة، بيد أن هذا التساؤل بات طُرفة يتبادلها الآباء متهكمين على المقابلة الشخصية كإجراء لالتحاق أبنائهم بمرحلة رياض الأطفال. فمرحلة التقديم للمدارس أصبحت مهمة صعبة لما تحتويه هذه المقابلة من اختبار قد تئول نتائجه إلى رفض التحاق الطفل بالمدرسة. تطور مناهج رياض الأطفال: ماذا يتعلم النشء؟! يختلف مفهوم المنهج بين العامة والمتخصصين، بل وتتعدد تعريفاته اصطلاحًا بين التربويين أنفسهم، فغالبًا ما يُشير العامة إلى الكتاب المدرسي أو محتوى المواد الدراسية على…

د. إسراء علي
باحثة ببرنامج السياسات العامة

“أين ترى نفسك بعد خمس سنوات؟”.. هو التساؤل الأشهر في المقابلات الشخصية الذي يهدف إلى التحقق من أنك تخطط لمستقبلك وفق أهداف محددة تخدم الطرح المقدم من القائم على المقابلة، بيد أن هذا التساؤل بات طُرفة يتبادلها الآباء متهكمين على المقابلة الشخصية كإجراء لالتحاق أبنائهم بمرحلة رياض الأطفال. فمرحلة التقديم للمدارس أصبحت مهمة صعبة لما تحتويه هذه المقابلة من اختبار قد تئول نتائجه إلى رفض التحاق الطفل بالمدرسة.

تطور مناهج رياض الأطفال: ماذا يتعلم النشء؟!

يختلف مفهوم المنهج بين العامة والمتخصصين، بل وتتعدد تعريفاته اصطلاحًا بين التربويين أنفسهم، فغالبًا ما يُشير العامة إلى الكتاب المدرسي أو محتوى المواد الدراسية على أنه المنهج الدراسي، بينما يحدد التربويون عناصر المنهج لتتخطى حدود الكتاب المدرسي والمحتوى الأكاديمي، فالمنهج يضم شقين: الأول هو عناصر الموقف التعليمي بما فيه الأنشطة والتقييم والتقويم والمحتوى الأكاديمي وأساليب واستراتيجيات التدريس وكل مدخلات ومخرجات الموقف التعليمي، بينما يضم الشق الأول عمليات التعلم بدأ بالتخطيط ومرورًا بالتنفيذ ثم التقييم فالتقويم وأخيرًا التغذية الراجعة والتطوير.

وقد تأثرت مناهج التعليم بشكل عام ومناهج رياض الأطفال بشكل خاص بتطور المعرفة ونظريات التعلم تارة وتطورات سياسات التعليم تارة أخرى، فقد تم فصل السنوات التمهيدية عن المدارس الابتدائية في مصر عام 1922، فنشأت مرحلة رياض الأطفال لترعى تعليم النشء من ٦ سنوات وحتى ٨ سنوات، لكن يبدو أن نظام رياض الأطفال في هذه المرحلة لم يكن يتطلب الكثير من الجهد من التلاميذ، فمناهج رياض الأطفال في هذه المرحلة كانت تعتمد على اللعب، الأمر الذي أثار حفيظة أولياء الأمور المعتادين على نظم التعليم التقليدية. وإبان ثورة 1919، طالب أولياء أمور تلاميذ مرحلة رياض الأطفال بتغيير خطة الدراسة (المناهج)، معللين ذلك بأن الخطة المطبقة تستهدف اللعب فقط دون الاهتمام بالتحصيل المعرفي، خاصة وأن أعمار بعض تلاميذ رياض الأطفال في ذلك الوقت كانت تصل إلى ثماني سنوات. استجابت وزارة المعارف لضغوط أولياء الأمور، وتمت زيادة العبء التعليمي على تلاميذ رياض الأطفال، ثم قررت الوزارة السماح لتلاميذ رياض الأطفال الأميرية الناجحين في العام الثالث من رياض الأطفال بأن يلتحقوا مباشرة بالمرحلة الابتدائية دون إجراء اختبارات القبول التحريرية، والتي كانت تشترط النجاح في مادة اللغة العربية والحساب للالتحاق بالمرحلة الابتدائية.

لم تختلف مناهج رياض الأطفال عن نظائرها في المرحلة الابتدائية آنذاك، عدا أن تلاميذ المرحلة الابتدائية كان عليهم تعلم اللغة الإنجليزية التي كانت مادة نجاح ورسوب إجبارية للانتقال للعام الدراسي الأعلى، وقد اشتملت مناهج رياض الأطفال على التربية الدينية، واللغة العربية، والخط العربي، والتأمل في مشاهدة الطبيعة ودروس تقوية قوة الملاحظة، والرسم، وأشغال الأطفال، والألعاب والرياضة البدنية. وفي عام 1925 تم استبدال مادة التربية الدينية بمنهج التهذيب والصحة. وقد خصصت الوزارة توقيتات دراسية تختلف في الصيف عن الشتاء بواقع ست حصص يوميًا شتاءً، وخمسة صيفًا، وبمدة زمنية قدرها 30 دقيقة للحصة الواحدة، بالإضافة إلى طابور الصباح، الذي كان يعرف بالاصطفاف وإلقاء التنبيهات، علاوة على فترتين للراحة أو تناول الطعام يوميًا.

وفي عام 1928 صدر قانون ينظم التعليم بمرحلة رياض الأطفال بتطبيق ذات المناهج المحددة من قبل مع زيادة عدد بعض الحصص. وفي 1931 تمت إضافة الموسيقى كمنهج تعليمي بواقع أربع حصص أسبوعيًا، وتم فصل مادة التهذيب عن الصحة في 1940. وفي 1949 تم تخصيص بعض القصص لتدريس مادة التهذيب، وحددت الوزارة أهدافا لمدارس رياض الأطفال تُعنى بتربية الطفل جسديًا ونفسيًا واجتماعيًا، حيث اشتملت كل مادة على عدد من الأهداف المحددة، فالهدف من مادة التهذيب هو إكساب القيم والعادات الصحيحة للتلاميذ، وهدفت مادة اللغة العربية إلى تعليم التلاميذ كيفية النطق الصحيح، ومحاولة استخدام القلم. بينما تحددت أهداف مادة الحساب في إمداد الطفل ببعض مبادئ العمليات الحسابية البسيطة.

اعتمدت طرق التدريس خلال تلك الحقبة على التعلم بالممارسة والمحاكاة، كاستعمال الأشغال اليدوية والخرز والحبوب في تعلم العمليات الحسابية البسيطة في مادة الحساب، وممارسة الأنشطة التأملية من خلال زراعة نبتة ورعايتها وملاحظة تطورها في مادة التأمل في مشاهدة الطبيعة ودروس تقوية قوة الملاحظة، بيد أن الاهتمام البالغ كان دائمًا حليف مادتي اللغة العربية والحساب فلهما الفضل الأول في اجتياز امتحان نهاية السنة الثالثة من مرحلة رياض الأطفال.

زاد الاهتمام بالأنشطة، ففي 1970 حددت الوزارة نوعين من الأنشطة اليومية داخل الصف الدراسي وخارجه، وخصصت ساعة كاملة لكل نشاط تبدأ من إعداد أدوات النشاط وتنفيذه، ثم جمع الأدوات وإعادتها في المكان المخصص لها، وتضمنت هذه الأنشطة جميع أنواع اللعب مثل: (اللعب الفردي، الجماعي، الحر، التمثيلي، الألعاب التكوينية الابتكارية، القص واللصق، الألعاب الموسيقية، القصص والمسرحيات القصصية، أحواض الرمال، أحواض المياه.. إلخ). كما خصصت الوزارة فترات للراحة بعد أي نشاط بدني ومواعيد ثابتة لتناول الطعام يسبقها ويعقبها الذهاب إلى دورات المياه، وخصصت أيضًا فترات ثابتة للرسم الحر أو التخيلي والرسم الموجه، واللعب بالصلصال أو الطين الأسواني لتقوية عضلات الأطراف وتنمية مهارات التوافق العضلي العصبي، وإصدار نشرات دورية لتحديد الموضوعات التربوية لتضم: (موضوعات يومية عن حالة الجو والأخبار اليومية، موضوعات خاصة بالمدرسة، موضوعات خاصة بأسرة الطفل؛ موضوعات عن البيئة المحلية، موضوعات عن أصحاب الحرف، الحيوانات، الزراعة.. إلخ).

وفي عام ١٩٧٨ تم إنشاء فصول لرياض الأطفال لتعليم اللغات الأجنبية الإنجليزية أو الفرنسية. وفي ١٩80 تم إنشاء مدارس تجريبية ملحق بها رياض أطفال للغات، ثم صدر قانون للتوسع في إنشاء مدارس اللغات التجريبية في 1985 فتنوعت مدارس رياض الأطفال من حيث المناهج والقطاع المؤسسي سواء خاص، استثماري، أو حكومي.

وفي الفترة 2003 – 2006 صدر قرار وزاري بشأن مشروع تنمية وتطوير الطفولة المبكرة في جمهورية مصر العربية بالتعاون مع اليونسكو، وتم إنتاج منهج مطور لرياض الأطفال دون إقرار كتاب للتلميذ، واعتمد المنهج المطور على مفهوم المحور، حيث يتم تخطيط أنشطة متكاملة في جميع فروع المعرفة (فنون اللغة، علوم اجتماعية، المعلوماتية، تربية شخصية، رياضيات، علوم، تربية بدنية، موسيقى، فن) لتدور حول المحور محل الدراسة شريطة ألا يزيد الزمن المخصص لتنفيذ عمليات التعلم عن ثلث اليوم الدراسي، ويخصص ما يقرب من 60% من اليوم الدراسي لتنفيذ الأنشطة الروتينية وأنشطة اللعب الحر والتلقائي لكل طفل على حدة. فعلى سبيل المثال، يتم التخطيط لتدريس محور “الأصدقاء” بحيث يتضمن جميع فروع ومجالات التعلم التسعة السابقة وفق قائمة من الأنشطة لكل فرع مع تحديد أهداف النشاط والخامات والأدوات اللازمة لتنفيذه. وهذا المنهج اعتمد بشكل كبير على مهارات المعلمة في إعداد خطة التدريس وتنفيذها، فتم إنشاء مركز للطفولة المبكرة بالمدينة التعليمية، بهدف الإعداد المهني والتربوي لمعلمات رياض الأطفال، ووضع خطة استراتيجية لزيادة نسبة الاستيعاب، وتحسين نوعية التعليم لهذه المرحلة.

شكل (1): أحد محاور المنهج المطور ضمن مشروع تنمية وتطوير الطفولة المبكرة في 2003-2006

المصدر: المنهج المطور لرياض الأطفال، مشروع تنمية الطفولة المبكرة في مصر (٢٠٠٣-٢٠٠٦)، وزارة التربية والتعليم، وبرنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة (الأجفند)، اليونسكو، متاح على:

http://www.unesco.org/new/fileadmin/MULTIMEDIA/FIELD/Cairo/pdf/Education/Nursery_Curriculum-ECCE.pdf

بعد ثورة يناير عام 2011 تمت طباعة كتب لمرحلة رياض الأطفال ضمن منهج سمي بـ”حقي: ألعب، وأتعلم، وأبتكر” وجاء هذا المنهج ليعكس وثيقة المعايير القومية التي تتفق ومعايير الجودة ويتضمن ثمانية مجالات هي: اللغة العربية، اللغة الإنجليزية، المفاهيم الاجتماعية، القيم الدينية والأخلاقية، الرياضيات، العلوم، التربية البدنية والصحية، فنون الأداء.

وفي عام 2018، تم إطلاق مشروع إصلاح التعليم وصدر قرار وزاري بشان نظام التعليم والمقررات الدراسية بمرحلة رياض الأطفال بمستوييها الأول والثاني لتضم منهجًا متعدد التخصصات، منهج اللغة العربية، ومنهج التربية البدنية الصحية، ثم تم تعديل القرار ليضم مستوى رفيعًا في اللغة الإنجليزية لمدارس اللغات بناء على ضغوط الأهالي، كما تم إقرار نظام للتقييم يعتمد على القياس الوصفي للأداء والسلوك الفردي والجماعي للطفل باستخدام ألوان محددة ويبتعد عن القياس الكمي (الرقمي) مما يقلل التنافس على التحصيل.

شكل (2): تطور أعداد المدارس بمرحلة ما قبل الابتدائية في الفترة من 2011-2019

من خلال التتبع التاريخي السابق يتضح أن مناهج رياض الأطفال في مصر تأرجحت ما بين تطبيق النهج السائد في معظم دول العالم المتقدمة تعليميًا، والذي يعتمد على الأنشطة ولا يقيد المعلمة بجدول ثابت للحصص أو كتاب للتلميذ أو تقييم دوري يقيس الحفظ والاستظهار. حيث تم تطبيق هذا النهج في الفترة من 2003 وحتى ثورة يناير، بيد أنه قد يُعزى عدم استمرارية هذا النهج لما يتطلبه من كوادر مؤهلة من معلمات رياض الأطفال، وميزانية ضخمة تغطي خامات وأدوات ومتطلبات تنفيذ الأنشطة، علاوة على وجود مساحات مناسبة تسمح بممارسة اللعب الحر التلقائي، وبين تطبيق النهج السائد في المراحل التعليمية الأعلى، حيث تم تحديد كتاب للتلميذ وجدول ثابت للحصص، ومنهج وفق خطة زمنية محددة، وتقييم دوري للتلاميذ، فتجرد التعليم من اللعب والمتعة، وانصرف إلى التنافس على الحفظ والتحصيل في مقابل اكتساب المهارات وتنميتها.

المصادر:

تاريخ ونظام التعليم في الجمهورية العربية المتحدة: (1969)، منير عطا الله وآخرون، الأنجلو المصرية، القاهرة.

تطور تربية طفل ما قبل المدرسة بين الماضي والحاضر: (2016)، خالد صلاح حمدي محمود، كلية التربية، جامعة الإسكندرية.

د. إسراء علي
باحثة ببرنامج السياسات العامة