وحدة الدراسات الاقتصادية

“الاقتصاد الدائري”: العوائد الاقتصادية والاجتماعية لتطبيقه في مصر

يشير مفهوم الاقتصاد الدائري إلى نموذج اقتصادي يستهدف تقليل المهدر من المواد والسلع والطاقة، والاستفادة منها قدر الإمكان، بحيث يتم خفض الاستهلاك والنفايات والانبعاثات، وذلك عن طريق تبسيط العمليات وسلاسل الإمداد. ويسهم الاقتصاد الدائري أيضًا في تعظيم الاستفادة من جميع المواد الخام والمعادن والطاقة والموارد بمختلف صورها، فضلًا عن إطلاق عمليات إعادة التدوير والاستخدام وإعادة التصنيع والتطوير، بدلًا من نمط الهدر وإلقاء النفايات. ولا يعد “الاقتصاد الدائري” مصطلحًا وليد السنوات الأخيرة، بل إنه يضرب بجذوره في العالم منذ عقود عند ابتكار مفهوم التدوير وإعادة الاستخدام، وظهر بشكل واضح في الدول الصناعية بعد الحرب العالمية الثانية عندما حاولت حكومات استغلال التكنولوجيا…

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية

يشير مفهوم الاقتصاد الدائري إلى نموذج اقتصادي يستهدف تقليل المهدر من المواد والسلع والطاقة، والاستفادة منها قدر الإمكان، بحيث يتم خفض الاستهلاك والنفايات والانبعاثات، وذلك عن طريق تبسيط العمليات وسلاسل الإمداد. ويسهم الاقتصاد الدائري أيضًا في تعظيم الاستفادة من جميع المواد الخام والمعادن والطاقة والموارد بمختلف صورها، فضلًا عن إطلاق عمليات إعادة التدوير والاستخدام وإعادة التصنيع والتطوير، بدلًا من نمط الهدر وإلقاء النفايات.

ولا يعد “الاقتصاد الدائري” مصطلحًا وليد السنوات الأخيرة، بل إنه يضرب بجذوره في العالم منذ عقود عند ابتكار مفهوم التدوير وإعادة الاستخدام، وظهر بشكل واضح في الدول الصناعية بعد الحرب العالمية الثانية عندما حاولت حكومات استغلال التكنولوجيا والآلة في إعادة التصنيع.

وتُشير تقديرات البنك الدولي لحجم النفايات العالمية إلى تضاعف حجم المخلفات الناتجة على مستوى العالم والأقاليم الجغرافية المختلفة، ليصل حجم المخلفات المتولدة عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى نحو 255 مليون طن في عام 2050 مقارنة بنحو 129 في عام 2016. وهو ما يعكسه الشكل التالي.

شكل: تطور حجم المخلفات (مليون طن بالسنة)

وقد أدركت الأطراف المعنية على الصعيد العالمي أن ممارسات الاقتصاد الدوار ضرورية لتحقيق الحياد المناخي، ومفيدة للغاية للنمو والتشغيل. ففي حالة الاتحاد الأوروبي، تشير التقديرات إلى أن ممارسات الاقتصاد الدوار لديها القدرة على زيادة الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030، بنسبة 5.0% تقريبًا، وزيادة الوظائف بنحو 700 ألف وظيفة جديدة، لذا اعتمدت المفوضية الأوروبية خطة عمل الاقتصاد الدوار، وتستهدف سلاسل القيمة المضافة للمنتجات الرئيسية ومنها التعبئة والتغليف والبلاستيك والمنسوجات، ومنع النفايات وإعادة تدويرها.

ونجحت تلك الاستراتيجية في تحقيق قيمة مضافة بقيمة 155 مليار يورو في عام 2017. علاوة على ذلك، شهد الاتحاد الأوروبي زيادة بنسبة 6% في الوظائف في قطاعات إعادة التدوير، كما اتّخذت كوريا الجنوبية عددًا من الإجراءات للتحول إلى الاقتصاد الدوار لتحقيق قدر أكبر من الأمن والاستدامة للموارد، وسنّ تشريعات وسياسات، وبالفعل نجحت في توليد أكثر من 5.8 ملايين دولار أمريكي وتوفير 218 فرصة عمل.

جمع وإدارة المخلفات في مصر

إن إجمالي المخلفات المتواجدة في مصر تبلغ 26 مليون طن سنويًا، والاستراتيجية الوطنية الخاصة بالمخلفات خصصت 20% منها لإنتاج الكهرباء، و60% لتصنيع الأسمدة والوقود البديل، و20% يتم دفنها. ويبلغ إجمالي الفرص الاستثمارية لتنفيذ مشروعات لإنتاج الكهرباء من المخلفات نحو 974 مليون دولار، ونحو 319 مليون دولار لتنفيذ مشروعات إنتاج الأسمدة والوقود البديل.

ولكن تُعد منظومة إدارة المخلفات في مصر لها تراث فريد ويعتمد بشكل رئيسي على جامعي القمامة من المنازل، واستمرّت تلك الظاهرة منذ الأربعينيات من القرن الماضي مستخدمين عرباتهم الصغيرة لجمع النفايات من الباب إلى الباب، لتصبح سمة من سمات المدن الكبرى في مصر، إنهم يجمعون حاليًا 50-60٪ من نفايات مدينة القاهرة على سبيل المثال، ولكن لا يقوم جامعو القمامة بإعادة تدويرها، بالرغم من كبر أعداد العاملين في تلك المهنة حيث تضم أكثر من 50000 معالج نفايات ونحو 150 ألف جامع ومفرز وتاجر وسائق شاحنة.

وبالتالي، لا تزال الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة في مصر تمثل تحديًا كبيرًا، حيث لا يزال إلقاء النفايات في العراء وحرقها ممارسة شائعة، بسبب معدلات الجمع المنخفضة وعدم معالجة النفايات، ومع النمو المتوقع لمعدلات توليد النفايات الصلبة البلدية بنسبة 2٪ سنويًا فهو يعد أحد القطاعات ذات الإمكانيات المبشرة في المستقبل.

آثار وفوائد الاقتصاد الدائري في مصر

أولًا- الفوائد الاقتصادية: تتمثل في زيادة بنسبة 1.0٪ في الناتج المحلي الإجمالي (بما يقدر بنحو 5.2 مليارات يورو) مقارنة بالوضع المعتاد، مدفوعة بقوة بالزيادة في الاستثمارات؛ إلى جانب تحسين الميزان الجاري من خلال خفض الواردات بقيمة 685 مليون يورو وزيادة الصادرات بنحو 212 مليون يورو، كما يتوقع الحد من فاقد الغذاء.

ثانيًا- المزايا الاجتماعية: سيتم توفير أكثر من 100 ألف فرصة عمل إضافية، وهو يعادل زيادة قدرها 0.3٪، وترتكز الزيادات في العمالة في قطاع الزراعة والخدمات، مدفوعة إلى حد كبير بإدارة النفايات والبناء والاتصالات إلى جانب التوزيع والبيع بالتجزئة والتصنيع.

ومما سبق يتضح أهمية دور الاقتصاد الدائري وتأثيراته المتوقعة على الاقتصاد المصري في حال تبنيه، بما يتطلب وجود استراتيجية متكاملة مصرية لتبني سياسات الاقتصاد الدّوار بوصفه استراتيجيّة تعافٍ أخضر وطنية، والتغلب على عوائق انتشاره وتطبيقه في مصر، بداية من العوائق التنظيمية والمؤسسية، والفنية والمالية، إلى جانب وجود تحديات متعلقة بسلوك الأفراد والثقافة المنشرة لدى البعض، بالإضافة إلى مشكلات القطاع الصناعي وتقادم الفن الإنتاجي المستخدم.

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية