وحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

“البرناوي”: تداعيات مقتل زعيم “داعش” في غرب إفريقيا

أعلن رئيس هيئة أركان الدفاع بالجيش النيجيري الجنرال “لاكي إيرابور”، في 14 أكتوبر (2021)، عن مقتل “أبو مصعب البرناوي”، قائد تنظيم “داعش” في غرب إفريقيا، دون إعطاء أية تفاصيل عن عملية مقتله. ليُضاف بذلك إلى قائمة قيادات التنظيم الذين تم استهدافهم مؤخرًا خلال عام (2021). والبرناوي هو نجل مؤسس جماعة بوكو حرام في نيجيريا “محمد يوسف”. وبعد وفاة والده في عام (2009) على يد القوات النيجيرية، اضطلع بمهمة المتحدث باسم جماعة “بوكو حرام”، قبل أن ينفصل عن الأخيرة، ليتولى قيادة تنظيم “داعش” في غرب إفريقيا عام (2016). وفي هذا السياق، تحاول هذه الورقة تسليط الضوء على دلالات مقتل زعيم تنظيم…

مني قشطة
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

أعلن رئيس هيئة أركان الدفاع بالجيش النيجيري الجنرال “لاكي إيرابور”، في 14 أكتوبر (2021)، عن مقتل “أبو مصعب البرناوي”، قائد تنظيم “داعش” في غرب إفريقيا، دون إعطاء أية تفاصيل عن عملية مقتله. ليُضاف بذلك إلى قائمة قيادات التنظيم الذين تم استهدافهم مؤخرًا خلال عام (2021).

والبرناوي هو نجل مؤسس جماعة بوكو حرام في نيجيريا “محمد يوسف”. وبعد وفاة والده في عام (2009) على يد القوات النيجيرية، اضطلع بمهمة المتحدث باسم جماعة “بوكو حرام”، قبل أن ينفصل عن الأخيرة، ليتولى قيادة تنظيم “داعش” في غرب إفريقيا عام (2016).

وفي هذا السياق، تحاول هذه الورقة تسليط الضوء على دلالات مقتل زعيم تنظيم داعش في غرب إفريقيا “أبو مصعب البرناوي”، في ضوء تسارع وتيرة استهداف قيادات التنظيم خلال الفترات الأخيرة، فضلًا عن تداعيات هذا الأمر على النشاط الإرهابي لتنظيم داعش في إفريقيا بشكل عام، وبشكل خاص في غرب القارة.

السياق والدلالات

من المهم بدايةً الإشارة إلى أن عملية مقتل “أبو مصعب البرناوي” زعيم تنظيم داعش في غرب إفريقيا لم يتم تأكيدها بعد. فحتى الآن لم يصدر عن تنظيم “داعش” أي بيانات تؤكد أو تنفي عملية مقتله. وقد سبق أن أعلن الجيش النيجيري غير مرة مقتل قياديين جهاديين ليعاودوا الظهور مرة أخرى. على سبيل المثال، ظل الجيش النيجيري يؤكد طيلة العقد المنصرم مقتل “أبو بكر شيكاو” زعيم جماعة بوكو حرام سابقًا، إلا أنه كان يخرج بعدها في مقاطع فيديو ليؤكد أنه لم يقتل، إلى أن قُتل بالفعل على يد تنظيم داعش غرب إفريقيا بقيادة “أبو مصعب البرناوي” في مايو (2021).

 تسارع وتيرة استهداف قيادات تنظيم “داعش”: مُني تنظيم “داعش” خلال الأشهر القليلة الماضية بخسائر عديدة في صفوف قياداته، كان أبرزها مقتل “أبو وليد الصحراوي” زعيم التنظيم في منطقة الساحل الإفريقي، والذي قُتل في غارة جوية مشتركه (فرنسية-إفريقية) في أغسطس الماضي، حسبما أعلنت وزيرة الجيوش الفرنسية، “فلورانس بارلي”، في مؤتمر صحفي، في 16 سبتمبر (2021). إلى جانب مقتل عدد كبير من القيادات في تنظيم “داعش” بالصحراء الكبرى خلال شهري يونيو ويوليو (2021)، من بينهم “عيسى الصحراوي” المنسق اللوجستي والمالي للتنظيم في هذه المنطقة، و”أبو عبد الرحمن الصحراوي” الذي كان مكلفًا بإصدار الأحكام في التنظيم.

وتأتي عمليات تصفية قيادات “داعش” ضمن استراتيجية “قطع الرؤوس” التي تتبناها الحكومات المحلية والقوات الفرنسية والأمريكية الموجودة في منطقة الساحل وغرب إفريقيا لمكافحة الإرهاب. وترتكز هذه الاستراتيجية على استهداف قيادات وكوادر التنظيمات الإرهابية لإرباكها وإضعافها ومن ثم القضاء عليها.

 تقدم ملحوظ للقوات النيجيرية: خلال الأشهر التي أعقبت مقتل زعيم جماعة بوكو حرام “أبو بكر شيكاو”، شنت القوات النيجيرية بالتعاون مع قوات تحالف غرب إفريقيا، سلسلة من الضربات العسكرية البرية والجوية ضد عناصر بوكو حرام، يمكن القول إنها حققت من خلالها بعض النجاحات؛ إذ أسفرت تلك الضربات عن مقتل المئات من عناصر الجماعة، واستسلام الآلاف منهم.

وإذا كانت عملية مقتل “أبو مصعب البرناوي” صحيحة بالفعل، فيمكن القول إنها ستكون بمثابة بادرة لإعادة الثقة في قدرة الحكومة النيجيرية على تخليص البلاد من الجماعات الإرهابية، بعد أن تقوضت في أعقاب مقتل زعيم بوكو حرام “أبو بكر شيكاو”؛ إذ كشفت عملية مقتل الأخير عن نقاط ضعف كبيرة في صفوف القوات الأمنية والعسكرية النيجيرية، والتي عجزت ضرباتها عن القضاء على “شيكاو”، في حين جاء مقتله على أيدي مقاتلي ولاية “داعش” في غرب إفريقيا.

ولكن رغم النجاحات التي حققتها القوات النيجيرية، لا تزال الأخيرة تواجه تهديدات أمنية متصاعدة جراء نشاط المجموعات الإجرامية؛ إذ يشهد شمال غرب نيجيريا ووسطها منذ سنوات نشاط عصابات إجرامية تقوم بمهاجمة القرويين ونهبهم وسرق ماشيتهم وحرق منازلهم، إلى جانب قيامهم بمهاجمة المدارس وخطف مئات التلاميذ من أجل الحصول على الفدية. كما تُشير بعض المصادر إلى وجود تحالفات وثيقة بين تنظيم “داعش” والمجموعات الإجرامية في شمال غرب نيجيريا، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى تعقيد مهمة قوات الأمن النيجيرية في مكافحة الجماعات الإرهابية.

 “داعش” وتحدي بوكو حرام: منذُ عام (2016) دخلت جماعة بوكو حرام بقيادة “أبو بكر شيكاو” في مواجهات دامية مع تنظيم ولاية “داعش” غرب إفريقيا بقيادة “أبو مصعب البرناوي” أدت إلى مقتل الأول في يونيو (2021). وتعتبر عملية مقتل “شيكاو” نقطة تحول فارقة في نشاط الجماعة الأكثر دموية في إفريقيا؛ إذ شهدت بوكو حرام على إثرها حالة من “التشرذم الشديد” بين عناصرها، حيثُ استسلم الآلاف منهم لقوات الجيش النيجيري مؤخرًا، وبعضهم انتقل إلى الانضمام لولاية “داعش” في غرب إفريقيا، والبعض الآخر انتقل من معقل الجماعة في شمال شرق نيجيريا للانضمام إلى عصابات إجرامية في شمال غرب البلاد.

ورغم حالة الانقسامات التي تعيشها جماعة “بوكو حرام” حاليًا إثر الضربات التي وُجهت ضدها من قبل القوات النيجيرية، وتنظيم “ولاية داعش غرب إفريقيا”، إلا أن هذا لا يعني انتهاء الجماعة وإن كانت تمر حاليًا بمرحلة من “الضعف الشديد”؛ إذ لا تزال تُمثل تحديًا لتنظيم “داعش” في غرب إفريقيا، وهو ما يتجسد في المعارك المستمرة بين الطرفين حتى الآن والتي تودي بحياة العشرات منهما. على سبيل المثال، قتل مسلحو بوكو حرام 24 عنصرًا وأسروا آخرين من تنظيم “داعش”، في اشتباكات وقعت بين التنظيمين في مطلع أكتوبر الجاري بمنطقة ماندرا وجبال محور جوزا بنيجيريا.

وربما يتصل الصراع بين الجماعتين أيضًا بعملية مقتل “أبو مصعب البرناوي” (في حال تأكدت صحتها)؛ إذ تُشير بعض التحليلات إلى أن عملية مقتل “البرناوي” ربما جاءت بوشاية من عناصر من جماعة بوكو حرام، كرد فعل على مقتل زعيمهم “أبو بكر شيكاو”. ويستدل على ذلك التسجيل الصوتي الذي ظهر فيه الزعيم الجديد للجماعة “أبو بكر مودو”، حيثُ هاجم الأخير زعيم داعش ولاية غرب إفريقيا “أبو مصعب البرناوي” برغم مبايعة التنظيم ودعا إلى وسيط غيره، قائلًا: “إلى الدولة الإسلامية، كما نحن نحسن الظن بها، إنها تريد توحيد صفوف المجاهدين في العالم، وإنّنا نمدّ أيدينا إليها لنبايعها بعدما اطلعت على ما نحن عليه من العقيدة، وأن يكون الواسطة معروفًا مشهورًا غير متهم بالعقيدة والخليقة (إشارة إلى البرناوي)”.

تداعيات محتملة

يمكن تلمس أبرز انعكاسات مقتل “أبو مصعب البرناوي” على نشاط تنظيم “داعش” في غرب إفريقيا، فيما يلي:

 انقسامات هيكلية: ربما تؤدي عمليات استهداف قيادات تنظيم “داعش”، ولا سيما المُؤسسين والتاريخيين منهم، إلى حدوث صراعات داخلية بشأن التنافس على منصب الخلافة، وهو ما قد ينعكس سلبًا بطبيعة الحال على قوة التنظيم، وربما يؤدي إلى حدوث بعض الانشقاقات والانقسامات بين صفوفه، على غرار الصراع الذي حدث بين “أبو بكر شيكاو” و”أبو مصعب البرناوي” حول قيادة جماعة “بوكو حرام”، والذي أدى إلى انقسام الجماعة إلى فصيلين متنافسين، دارت بينهما حرب شرسة لا تزال مستمرة حتى الآن (كما أوضحنا سابقًا).

تصاعد الهجمات الإرهابية: قد تدفع عملية مقتل “أبو مصعب البرناوي” ومن قبله “أبو وليد الصحراوي” تنظيم “داعش” في غرب إفريقيا إلى القيام بتكثيف هجماته ضد القوات العسكرية والمسئولين الحكوميين في الفترة المقبلة، للرد على الضربات التي تستهدف قياداته من جهة، وكمحاولة لإثبات عدم تأثر قوة التنظيم بغياب زعمائه تجنبًا لحدوث أية انقسامات بين صفوفه، من جهة أخرى.

وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن عمليات استهداف قيادات تنظيم “داعش” في منطقة غرب إفريقيا قد يكون لها تأثير بطبيعة الحال على قوة التنظيم؛ إلا أن هذا لا يعني انتهاءه أو انهيار تماسكه بشكل كبير. ويعزز من هذا أمران: أولهما، أن تنظيم “داعش” لديه مرونة كبيرة في التكيف مع الضربات التي تستهدف قياداته، بدليل أن التنظيم لم ينتهِ بمقتل “أبو بكر البغدادي”. وفي مثال آخر، على الرغم من الخسائر التي مُني بها فرع “داعش-خراسان” في صفوف قياداته مؤخرًا، إثر الضربات الأمريكية التي وُجهت ضده؛ إلا أن التنظيم نجح خلال الأسابيع القليلة الماضية في شن سلسلة من الهجمات الدامية، ليتسع نطاق نشاطه شمالًا وجنوبًا بعد أن كان متركزًا في شرق ووسط البلاد.

وثانيهما، أن تنظيم “داعش” في غرب إفريقيا يُعد من أكثر أفرع التنظيم قوة بعد نجاحه في بسط سيطرته ونفوذه في مساحات شاسعة في المنطقة، وكسب ولاء العديد من الجماعات المسلحة المحلية، وهو ما يعطيه قوة في مواجهة الضربات التي يتعرض لها، سواء من الجماعات الإرهابية المنافسة أو من القوات المحلية والإقليمية والدولية المعنية بمكافحة النشاط الإرهابي في المنطقة.

مني قشطة
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة