وحدة الدراسات الأوروبية

في صعوبة قراءة الحسابات الروسية (١)

ازداد التوتر على عدد من الجبهات في أوروبا الشرقية وفي الفضاء، وأصحاب قرار التصعيد إما الرئيس بوتين ورجاله في موسكو، أو حلفاؤه في الدول التي تدور في فلك روسيا، أو مؤيدوه في البلقان. ومنذ عدة أشهر تتعالى الشكاوى وبيانات شجب السلوك الروسي في العواصم الأوروبية، وتفيد المؤشرات الموضوعية أن روسيا تنتهج مسلكًا أكثر عدوانية على عدد من الجبهات. وأحد الأسئلة التي تفرض نفسها هي: هل جميع التحركات الروسية تأتي في إطار خطة عامة؟ أم هل هي خطوات منفصلة عن بعض فرضتها -من وجهة نظر موسكو- آليات كل ملف؟ وهل التصعيد هو دعوة مستترة إلى العودة إلى المفاوضات، أم جس نبض،…

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية

ازداد التوتر على عدد من الجبهات في أوروبا الشرقية وفي الفضاء، وأصحاب قرار التصعيد إما الرئيس بوتين ورجاله في موسكو، أو حلفاؤه في الدول التي تدور في فلك روسيا، أو مؤيدوه في البلقان. ومنذ عدة أشهر تتعالى الشكاوى وبيانات شجب السلوك الروسي في العواصم الأوروبية، وتفيد المؤشرات الموضوعية أن روسيا تنتهج مسلكًا أكثر عدوانية على عدد من الجبهات. وأحد الأسئلة التي تفرض نفسها هي: هل جميع التحركات الروسية تأتي في إطار خطة عامة؟ أم هل هي خطوات منفصلة عن بعض فرضتها -من وجهة نظر موسكو- آليات كل ملف؟ وهل التصعيد هو دعوة مستترة إلى العودة إلى المفاوضات، أم جس نبض، أم بحث عما يرفع رصيد النظام لدى جمهوره أم تمهيد لهجوم عسكري يستهدف غالبًا أوكرانيا؟ وهل هذا التصعيد محسوب بدقة أم مجرد تعبير عن غضب عارم؟

المشهد العام وموازين القوة

قد يكون من المفيد تحليل المشهد الدولي العام وموازين القوة من وجهة نظر متخذ القرار في موسكو، فما زالت الولايات المتحدة القوة العسكرية الأولى بوضوح، ولكن انتشار قواتها الحالي لا يتفق وأهدافها، خاصة وأن تواجدها في بحر الصين ضعيف، ومن الواضح أيضًا أن الولايات المتحدة فقدت أو في طريقها إلى فقدان القدرة على خوض حربين كبيرتين في آن واحد، وتركيزها على الصين معناه إن آجلًا أم عاجلًا تقليل الموارد المخصصة لردع روسيا، وطلب مزيد من الجهود العسكرية لأوروبا. ولعل تحليل الوضع العسكري الحالي للقوى العظمى تعتريه بعض الصعوبات، لأن مراكز التفكير الأمريكية ومعها وزارة الدفاع تشكو من عدم جاهزية قوات بلادها ومن حال تسليحها، فالتسليح الحالي -وفقًا لها- قديم نسبيًا، وعدد هام من برامج التسليح إما فشل أو أنتج سلاحًا مكلفًا وصيانته مكلفة، وتجديد العتاد سيستمر وقتًا، والتساؤل هنا: هل هذا الكلام صادق أم مجرد تكتيك لحث إدارة الرئيس بايدن والكونجرس على زيادة الميزانيات؟.

يقول الخبراء الأوروبيون إن الأمر مزيج من الاثنين، ومن غير المعلوم بصورة دقيقة كيف هو حال واستعداد الجيوش الروسية والصينية، المعلوم هنا هو أن هناك مجالات يكون فيها التسليح الروسي جيدًا للغاية، وحالات يكون فيها تقليديًا دون المستوى، ومعلوم أيضًا أن روسيا استفادت من التعاون مع الصين لسد ثغرات، والعكس صحيح. وحتى عندما يكون معلومًا أن السلاح الروسي ممتاز لا يمكن التحقق بدقة من مدى فعاليته. فعلى سبيل المثال، من غير المعلوم بدقة ما إذا كانت شبكة الصواريخ المضادة للطيارات والصواريخ مانعة تمامًا لدخول المنطقة أم رافعة لتكلفة هذا الدخول رفعًا ضخمًا. وفيما يتعلق بالصين فالمؤكد أنها تضخ استثمارات ضخمة لتقوية جيشها ولتطوير التكنولوجيات العسكرية والمدنية التي يمكن استخدامها عسكريًا، والمؤكد أيضًا أن معدلات وسرعة التقدم مذهلة، ولكن الولايات المتحدة ما زالت الأكثر قوة في أغلب المجالات وأغلب المناطق، ومن غير المعلوم أيضًا الكثير فيما يتعلق بالقوى الكبرى عن وطنية وكفاءة والروح المعنوية لعساكرهم.

استنادًا إلى ما سبق، لا يتضح بدقة كيف يقرأ القائمون على الأمر في موسكو خريطة موازين القوة، ورأيهم في الرئيس بايدن وإدارته، ومن المؤكد أن هذا التقييم مهم، وأن أغلب حلفاء موسكو يتصرفون وكأن الرئيس بايدن متردد وضعيف، ومن غير المعلوم ما هي الحالة الصحية والنفسية للرئيس بوتين، هل يميل حاليًا إلى التفاؤل أم إلى التشاؤم؟ هل يعتقد أن أمامه وقت أم لا؟ هل يعتقد أن نظامه قوي متحكم في الجبهة الداخلية أم ضعيف مضطر إلى قمع شديد لأن الشرعية تآكلت؟. ما هو مؤكد هو حدوث تراجع حاد لنفوذ الخارجية في صنع القرار، وتزايد نفوذ مجلس الأمن الروسي، وهو مكون من صقور شديدي القرب من بوتين ويكرهون الغرب، وما هو مؤكد أن الرئيس بوتين يكره المسئولين الأوكرانيين كراهية عميقة تؤثر على حساباته.

أزمة المهاجرين.. الملف الأبرز

الملف الذي جذب انتباه الجميع هو أزمة المهاجرين على حدود بيلاروسيا وبولندا وليتوانيا ولاتفيا، وقد فتحت بيلاروس أبوابها لمهاجرين من المشرق العربي وغيره، وسهلت دخولهم إلى أراضيها وحشدتهم على حدود الدول المذكورة وحاولت مساعدتهم على اقتحام الحدود لطلب اللجوء إلى دول الاتحاد الأوروبي التي تخشى موجات هجرة جديدة. وفي ظل حساسية ملف الهجرة لدى الأوروبيين، يبدو أن لوكاشنكو توقع فعلًا أن إدارة هذا الملف ستعمق الخلافات والتوتر بين بروكسل ووارسو لاختلاف مقارباتهم حول ملف المهاجرين. وعلى عكس توقعات الرئيس البيلاروسي وعلى غير عادتهم، كان رد الأوروبيين حازمًا قويًا موحدًا، فأعلنوا تضامنهم مع الدول المستهدفة، ووصفوا سياسة البيلاروس بأنها هجوم على أراضي الاتحاد، وأعلنوا عن عقوبات ضدها، فعلوا كل هذا رغم التوتر بين بروكسل ووارسو، ورغم أن بولندا استنجدت بالناتو لا بالاتحاد الأوروبي، وطالبت تفعيل المادة الرابعة من المعاهدة المؤسسة للحلف، واضطرت حكومة مينسك إلى التراجع، وعندما ظهرت مؤشرات التراجع اتصلت المستشارة الألمانية ميركل بكل من الرئيسين بوتين ولوكاتشنكاو، وكان واضحًا أنها تتكلم باسم دول الاتحاد، وأنها اختيرت لهذا، ليس فقط لأهمية ألمانيا، بل أيضًا لأن المستشارة تُتقن الروسية. رأت سلطات مينسك في هذه المكالمة نصرًا كبيرًا واعترافًا بها، ولكن الألمان أنكروا هذا التفسير، ولم يصف البيان الألماني لوكاشنكو بالرئيس ولكن بالسيد.

أيًا كانت تطورات الموقف، فالسؤال الذي يفرض نفسه هو سؤال دور موسكو في الأزمة، هل هي آمرة أم محرضة؟ هل فوجئت بالأزمة؟. مال عدد كبير من المراقبين إلى اعتبار موسكو وراء الأزمة، فهي مثلًا أرسلت طائرات قد تحمل رؤوسًا نووية لتحلق في السماء البيلاروسية، دعمًا لموقف مينسك، وهي أصرت على ضرورة تحدث الأوروبيين مع لوكاشنكو، ويستشهدون بمؤشرات أخرى منها مدى تبعية البيلاروس لروسيا، ولكنني أميل إلى رأي الأقلية التي تقول إن روسيا علمت ولم تُفاجَأ، ولكنها ليست صاحبة الفكرة أو الآمرة بهذا، فالعملية كلها لا تشبه العمليات المعقدة التي تقوم بها روسيا، وهناك عددٌ كبير من المحللين يتناسون أن لوكاشنكو شديد التمسك باستقلاله وغير مطمئن إلى نوايا موسكو تجاهه، ويعلم أنها لا تأتمنه، وأن بعض الكبار في موسكو يرون فيه عبئًا، وهو لم يعترف إلى الآن بضم روسيا للقرم رغم اعتماده كلية على الدعم الروسي، والأهم من ذلك هو دلالة رد فعل موسكو العصبي والغاضب جدًا عندما هدد لوكاشنكو بقطع إرسال الغاز الروسي لأوروبا، فهذا الإجراء يضر بروسيا كما يضر بالغرب، ولم يستشر لوكاشنكو موسكو قبل قيامه بالتهديد، واضطر الكرملين إلى تذكرة سلطات مينسك علانية ببعض الحقائق، فهي التي مكنت لوكاشنكو من الاستمرار في الحكم رغم الغضب الشعبي، وقررت هذا رغم أن المعارضة له لم تكن معارضة لمبدأ علاقات وثيقة مع موسكو.

وحدث ما هو أخطر وأشد دلالة في رأي الكاتب، حيث أطلقت روسيا يوم ١٥ نوفمبر صاروخًا دمر قمرًا صناعيًا روسيًا لم يعد صالحًا للاستخدام، وتم هذا دون إخطار سابق وتسبب في ضجة كبرى رغم أن روسيا ليست أول دولة تدمر قمرًا صناعيًا. وهناك أسباب موضوعية لهذه الضجة تتعلق باختلاف هذه الضربة عن غيرها، فهذه العملية شأنها شأن مثيلاتها حولت القمر الصناعي إلى آلاف من الحطام المتناثرة، والجديد أولًا أن هذا الحطام عرض للخطر حياة رواد الفضاء الموجودين في المحطة الفضائية الدولية، ومنهم اثنان من المواطنين الروس، وأجبرهم على إلغاء بعض الأنشطة، ومن ناحية أخرى كان القمر الذي تم تدميره يدور على مسار ومدار مزدحم، وكان ضخمًا، وبعيدًا نسبيًا عن الأرض، وبالتالي ستدور الحطام التي أوجدتها عملية التدمير حول الأرض بسرعة مهولة. ولشرح جسامة الحادث يقارن المراقبون بين عملية التدمير وعملية سابقة قامت بها الهند عندما دمرت قمرًا وتصرفت بطريقة “مسئولة” فحطمت قمرًا صغيرًا لا يبعد كثيرًا عن الأرض فوقعت نسبة كبيرة من الحطام في الغلاف الجوي للأرض ولم يبق في الفضاء إلا أعداد صغيرة من قطع الحطام لا تشكل نفس الخطر.

تساؤلات قائمة

ثمة تساؤلات فرضت نفسها، منها: هل أخطرت السلطات الروسية هيئة الفضاء الروسية بهذه العملية قبل حدوثها؟ وبدا أن الرد غالبًا: لا، حيث لا توجد هيئة ستخاطر بحياة رواد فضاء، ومنها أيضًا أسئلة حول التوقيت ومضمون الرسالة التي حملتها هذه العملية. فهي أكدت إصرار روسيا على اعتبار الفضاء الخارجي منطقة عمليات حربية محتملة في المستقبل، وأنها ليست ملكًا الولايات المتحدة أو في حيازتها، وبدا أنها استهدفت عمدًا الإكثار من الحطام الذي يعقد الدوران في مدارات حول الأرض. هذا الحطام كان أساسًا مصدر خطر جسيم قبل هذه العملية. فوفقًا لموقع “ناشيونال جيوغرافيك” National Geographic كان هناك ما يقرب من 20000 قطع حطام تتتبعها وترصدها وكالات الفضاء حاليًا في المدارات حول الأرض، وربما ستضيف هذه العملية 10 بالمائة من قطع الحطام إلى ذلك، وهناك قطع حطام بالغة الصغر بحيث يستحيل تتبعها وعددها تجاوز الربع مليون قبل الضربة الروسية، ولا أحد يعلم عدد قطع الحطام الجديدة التي لا يمكن تتبعها، ولفهم جسامة المشكلة فعلى القارئ إدراك أن سرعة الدوران حول الأرض تعني أن الاصطدام بقطعة صغيرة جدًا في حجم كرة التنس مثلًا يكفي لتدمير قمر صناعي، وأن هناك سيناريوهات كارثية، أخطرها سلسلة متتالية من الحوادث، أول حادثة تتسبب في التي تليها وتكون الحصيلة تدمير المئات بل الآلاف من الأقمار. وطبعًا مع تزايد الحطام يزداد احتمال حدوث كارثة كبرى إلى درجة تمنع دوران الأقمار الصناعية في الفضاء وحول الأرض لمدة طويلة. الاستنتاج الوحيد الممكن لتفسير ما حدث أن روسيا ترى أنه من الضروري حرمان الولايات المتحدة من المزايا العسكرية والاستخباراتية والمعلوماتية الخاصة بالاتصالات التي تتمتع بها نتيجة لتفوقها الساحق في الفضاء، ولكن خبراء يعترضون على هذا التفسير قائلين إن روسيا في حاجة إلى مزايا وتسهيلات وإمكانيات الأقمار الصناعية شأنها شأن أمريكا، وبالتالي ما زالت الدوافع غامضة، وأيًا كان الأمر فقد لاقت العملية الروسية إدانة أمريكية وفرنسية، وأجمعت الدولتان على اعتبار العملية مقصودة، واستعراضًا للقدرات، وغير مسئولة.

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية