وحدة الدراسات الاقتصادية

التدهور الاقتصادي في تركيا.. الأسباب والتداعيات

شهدت الأسواق التركية في الأول من ديسمبر الجاري قرار البنك المركزي ببيع عملات أجنبية لأول مرة منذ سبع سنوات للتصدي لتراجع الليرة مقابل الدولار، لا سيما في ظل الانهيار غير المسبوق الذي شهدته العملة المحلية خلال الأيام القليلة الماضية عقب تصريحات الرئيس “أردوغان” بشأن أسعار الفائدة. ويتزامن هذا مع مرور البلاد بأزمة اقتصادية حادة تتمثل مظاهرها في ارتفاع معدلات التضخم، واستمرار عجز الميزان التجاري، وتراجع الاحتياطي النقدي، في وقت يعاني فيه المواطنون من معدلات مرتفعة من الفقر والبطالة وسط تراجع القوة الشرائية لليرة التركية. مُحركات ومظاهر الأزمة اجتمعت العديد من الأسباب والعوامل الاقتصادية لتؤجج من نيران الأزمة في تركيا مع…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

شهدت الأسواق التركية في الأول من ديسمبر الجاري قرار البنك المركزي ببيع عملات أجنبية لأول مرة منذ سبع سنوات للتصدي لتراجع الليرة مقابل الدولار، لا سيما في ظل الانهيار غير المسبوق الذي شهدته العملة المحلية خلال الأيام القليلة الماضية عقب تصريحات الرئيس “أردوغان” بشأن أسعار الفائدة. ويتزامن هذا مع مرور البلاد بأزمة اقتصادية حادة تتمثل مظاهرها في ارتفاع معدلات التضخم، واستمرار عجز الميزان التجاري، وتراجع الاحتياطي النقدي، في وقت يعاني فيه المواطنون من معدلات مرتفعة من الفقر والبطالة وسط تراجع القوة الشرائية لليرة التركية.

مُحركات ومظاهر الأزمة

اجتمعت العديد من الأسباب والعوامل الاقتصادية لتؤجج من نيران الأزمة في تركيا مع إصرار الرئيس “أردوغان” على خفض معدلات الفائدة، ومعارضة جميع مؤيدي رفعها لمواجهة انهيار الليرة والسيطرة على ارتفاع معدلات التضخم، ويُمكن حصر مظاهر الأزمة في السطور الآتية:

1- التدخل في السياسة النقدية:

يعتمد البنك المركزي على “سياسة نقدية غير تقليدية” تتميز بخفض معدل الفائدة رغم ارتفاع المستوى العام للأسعار، وهو عكس ما تنص عليه النظريات الاقتصادية بشأن مساهمة خفض الفائدة في زيادة معدلات التضخم. وعلاوة على ذلك، مارس الرئيس التركي ضغوطات عديدة لتضييق الخناق أمام البنك المركزي والقضاء على أي فرصة لرفع الفائدة، وما يدلل على ذلك الإقالات المستمرة لمسئولي المصرف المركزي التي شهدتها تركيا خلال السنوات الأخيرة، حيث أقال “أردوغان” محافظ البنك المركزي ثلاث مرات على التوالي خلال عامين فقط، ففي مارس 2021، تم استبعاد نائب محافظ البنك المركزي “مراد جيتين كايا” من مركزه، وتعيين “مصطفى دومان” بديلًا له، بعد نحو أسبوع من إقالة محافظ البنك المركزي “ناجي أغبال” –الذي تم تعيينه عقب إقالة “مراد أويصال” في نوفمبر 2020- وتعيين “شهاب كافجي أوغلو” خلفًا له. ولم يتوقف الأمر عند ذلك فحسب، بل وصل إلى حد التدخل في السياسة المالية للبلاد، حيث قرر “أردوغان” في الثاني من ديسمبر الجاري إقالة وزير المالية “لطفي إيلفان” بسبب خلافات حول إدارة أزمة الليرة.

2- تهاوي قيمة العملة:

بدأت العملة التركية في تسجيل انخفاضات كبيرة عقب إعلان البنك المركزي في الثامن عشر من نوفمبر خفض سعر الفائدة 100 نقطة أساس إلى 15%، ليستمر في هذا التراجع بضغط من تصريحات الرئيس التركي حول استمرار نهج خفض الفائدة حتى سجل سعر صرف الليرة 13.87 ليرة مقابل الدولار. ويأتي ذلك على خلفية هروب المستثمرين الأجانب من الأسواق في ظل تراجع معدلات الفائدة الحقيقية إلى النطاق السالب، مما ساهم في زيادة الطلب على الدولار ومزيد من التراجع في قيمة الليرة، كما يتبين من الشكل التالي:

الشكل (1): سعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار الأمريكي

3-  الاعتماد على الاستيراد:

تعاني تركيا من عجز مستمر في الميزان التجاري، حيث تعتمد على الخارج في تأمين احتياجاتها من المواد الخام والسلع الرأسمالية والوسيطة مما يساهم في تآكل الاحتياطي النقدي وتراجع السيولة الأجنبية. وبالرجوع إلى بيانات السنوات الماضية، نجد أن الميزان التجاري سجل عجزًا يبلغ نحو 49.915 مليار دولار خلال العام الماضي مقارنة بنحو 31.174 مليار دولار خلال العام السابق، بما يمثل زيادة بحوالي 60.1% على أساس سنوي، حيث بلغت قيمة الصادرات خلال 2020 حوالي 169.482 مليار دولار مقارنة باستيراد سلع وخدمات تبلغ 219.397 مليار دولار.

4-  تراجع القوة الشرائية:

تفاعلت المتغيرات السابقة مع بعضها بعضًا لتئول إلى ارتفاع معدلات التضخم، حيث يؤدي تراجع قيمة العملة المحلية في بلد يعتمد على الواردات إلى ارتفاع تكلفة الاستيراد وصعود تكلفة الإنتاج وأسعار السلع النهائية، بالتوازي مع تراجع المعروض من العملة الأجنبية وعدم وجود أي محفزات لزيادته، لا سيما في ظل أزمة كورونا التي ساهمت في تراجع مصادر الاحتياطي النقدي كالإيرادات السياحية. حيث ارتفع معدل التضخم أكتوبر الماضي بنسبة 19.89% على أساس سنوي، كما يوضح الشكل الآتي:

الشكل (2): مؤشر أسعار المستهلكين (نقطة)

مؤشر أسعار المستهلكين (نقطة)

ويتضح من الشكل السابق أن مؤشر أسعار المستهلكين في تركيا قد ارتفع بنحو 30.8% خلال عام وعشرة أشهر فقط من 446.46 نقطة في يناير 2020 مسجلًا 584.32 نقطة بحلول أكتوبر 2021، مع توقعات باستمرار هذه الزيادات في ظل تمسك السلطات بنفس السياسات الاقتصادية. ومن الجدير بالذكر أن الاقتصاد التركي ليس بمعزل عن الموجة التضخمية الذي يشهدها العالم ككل مع التعافي التدريجي من تداعيات كورونا وما ترتب عليه من ارتفاع أسعار السلع والخدمات.

مآلات تدهور المؤشرات الاقتصادية

وبطبيعة الحال، ساهمت جميع العوامل السابقة في إحداث عدد من التداعيات السلبية على الاقتصاد التركي مما فاقم من حدة الأزمة التي يعيشها المواطن، وهو ما يُمكن تلخيصه على النحو التالي:

1- ارتفاع معدلات الفقر والبطالة:

ارتفع معدل البطالة إلى 13.2% خلال 2020 مقارنة مع 9.9% في 2014، في حين قفز معدل الفقر العام الماضي إلى أعلى مستوياته خلال الفترة محل الدراسة عند 12.2%، كما يتبين من الشكل التالي:

الشكل (3): معدلات الفقر والبطالة (%)

معدلات الفقر والبطالة

وقد حدث ذلك بالتوازي مع إعلان اتحاد الغرف والبورصات التركي عن إغلاق 10.453 آلاف شركة في الأشهر التسعة الأولى من عام 2020، مقارنة مع إغلاق 9.385 آلاف شركة في الفترة نفسها من العام الماضي، وهو ما يمثل ارتفاعًا بنحو 11.37%.

2- تراجع ثقة المستهلك:

تراجع مؤشر ثقة المستهلك التركي في الاقتصاد المحلي –الذي يقيس تقييمات المواطنين الاقتصادية وتوقعاتهم بشأن الوضع المالي والوضع الاقتصادي العام- ليسجل أدنى مستوياته منذ البدء في نشر البيانات عام 2004 إلى 71.1 نقطة مقارنة مع 83.3 نقطة مسجلة في يناير 2021، بنسبة تراجع بلغت 14.6%، وهو ما يتضح من الشكل التالي:

الشكل (4): مؤشر ثقة المستهلك (نقطة)

الشكل (4): مؤشر ثقة المستهلك (نقطة)

وهبطت جميع المؤشرات الفرعية لمؤشر ثقة المستهلك خلال الشهر المنصرم، حيث سجل مؤشر توقعات الوضع المالي للأسر التركية في الأشهر الاثني عشر المقبلة 68.9 نقطة مقارنة بالقراءة المسجلة في أكتوبر عند 75.6 نقطة، وكذلك مؤشر توقعات الوضع الاقتصادي العام إلى 68.2 نقطة مقابل 74.2 نقطة خلال الشهر السابق.

4- تباطؤ حركة الاستثمارات الأجنبية:

تراجعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة الوافدة لتركيا لتسجل أدنى مستوياتها العام الماضي خلال سبع سنوات بنحو 39.2% من 12.969 مليار دولار في 2014 إلى 7.88 مليارات دولار، وحدث ذلك في ظل تراجع ثقة المستثمرين في الاقتصاد التركي بجانب تأثيرات الجائحة السلبية على حركة الاستثمار العالمية، وهو ما يتضح من الشكل الآتي:

الشكل (5): الاستثمار الأجنبي المباشر (مليار دولار)

الشكل (5): الاستثمار الأجنبي المباشر (مليار دولار)

الأدوات التركية لتهدئة الوضع الحالي

شهدت تركيا على مدار العام الماضي توترات خارجية مع عدد من الدول مما صب مزيدًا من الوقود على نيران التدهور الاقتصادي. فعلى سبيل المثال، أطلقت السعودية حملة شعبية بداية من 3 أكتوبر 2020، بدعوة من رئيس الغرف التجارية “عجلان العجلان” إلى مقاطعة تركيا بشكل كامل على مستويات التجارة والاستثمار والسياحة، وهو ما استجاب له الآلاف من السعوديين، فيما قررت المغرب تعديل اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا عبر زيادة الرسوم الجمركية بنحو 90% على 1200 سلعة تركية لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد.

وفي ظل عدم وجود أي مخطط بالتنازل عن النهج الاقتصادي الحالي للرئيس “أردوغان”، فلم يُكن هناك مفر من إصلاح الخلافات مع الدول المحيطة حيث استضاف مركز المؤتمرات في مدينة إسطنبول في الخامس والعشرين من نوفمبر الماضي مباحثات رفيعة المستوى بين تركيا والسعودية حول العلاقات الثنائية بين الدولتين لا سيما في المجال التجاري.

وجاء ذلك عقب يوم واحد من إجراء محادثات في أنقرة بين الرئيس “أردوغان” وولي عهد أبوظبي “محمد بن زايد”، انتهت بإبرام حزمة من الاتفاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين، وكذلك أعلنت الإمارات عن تخصيص 10 مليارات دولار من أجل الاستثمار بتركيا في إطار صندوق سيتم تأسيسه مما أسفر عن ارتفاع نسبي لسعر صرف الليرة إلى 11.9 لكل دولار.

وفي الختام، ينبغي الإشارة إلى أن الاقتصاد التركي دخل في حلقة مفرغة من المشكلات الاقتصادية بداية باتباع سياسة نقدية غير متعارف عليها في الأوساط الاقتصادية بتدخلات غير منطقية من الرئيس رغم أهمية تمتع البنك المركزي بقدر من الاستقلالية، بالتوازي مع تدهور قيمة العملة وارتفاع التضخم، ومن غير المحتمل أن تظهر نتائج سياسات التصالح المتبعة من قبل السلطات التركية على المدى القصير، لا سيما في ظل المشكلات الهيكلية سالفة الذكر.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة