وحدة الدراسات العربية والإقليمية

أنماط متعددة: الهجرة من منطقة شمال أفريقيا

لا تزال الهجرة من شمال أفريقيا إلى أوروبا ودول الخليج تشكل سمة تميز ديناميات الهجرة في هذه المنطقة وهي سمة تطورت على مدى عدة عقود، وقد كانت نسبة الهجرة إلى بلدان خارج أفريقيا ولا تزال أعلى بكثير من نسبة هجرتهم إلى بلدان أخرى داخل المنطقة. وثمة مساران يميزان تدفقات الهجرة من شمال أفريقيا، فالمهاجرون من الشمال الغربي مثل المغرب والجزائر وتونس يتجهون عادة إلى أوروبا نظرا إلى القرب الجغرافي ونتيجة لاتفاقية خاصة باستقدام الأيدي العاملة. أما المهاجرون من الشمال الشرقي مثل مصر والسودان يبحث معظمهم عن عمل في دول مجلس التعاون الخليجي، وعليه سوف يتم التركيز هنا على السياق العام…

رحاب الزيادي
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية

لا تزال الهجرة من شمال أفريقيا إلى أوروبا ودول الخليج تشكل سمة تميز ديناميات الهجرة في هذه المنطقة وهي سمة تطورت على مدى عدة عقود، وقد كانت نسبة الهجرة إلى بلدان خارج أفريقيا ولا تزال أعلى بكثير من نسبة هجرتهم إلى بلدان أخرى داخل المنطقة. وثمة مساران يميزان تدفقات الهجرة من شمال أفريقيا، فالمهاجرون من الشمال الغربي مثل المغرب والجزائر وتونس يتجهون عادة إلى أوروبا نظرا إلى القرب الجغرافي ونتيجة لاتفاقية خاصة باستقدام الأيدي العاملة. أما المهاجرون من الشمال الشرقي مثل مصر والسودان يبحث معظمهم عن عمل في دول مجلس التعاون الخليجي، وعليه سوف يتم التركيز هنا على السياق العام للهجرة في منطقة شمال أفريقيا من حيث أعداد المهاجرين ونسبها في كل دولة والاتفاقيات التي صيغت للحد من الظاهرة.

أنواع الهجرة

تتعدد أنواع الهجرة ومنها:الهجرة غير النظامية، وهي وفقا للمنظمة الدولية للهجرة حركة تتم خارج القواعد التنظيمية للبلد المرسل وبلد العبور والبلد المستقبل، وقد يكون المهاجر في وضع غير نظامي نتيجة دخوله بوثائق مزورة أو دون عبور حدود رسمية أو يقيم في البلد بشكل غير نظامي من خلال انتهاك تأشيرة الدخول أو تصريح الإقامة، أو أن يكون له حق الإقامة وليس العمل بأجر في الدولة، بينما تشير الهجرة المختلطة إلى تحركات الأشخاص عبر الحدود بما في ذلك؛ اللاجئين الفارين من الاضطهاد والنزاع وضحايا الاتجار والأشخاص الذين يبحثون عن حياه وفرص أفضل، وتساعد عدسة الهجرة المختلطة على توسيع مساحة الحماية للأشخاص المتنقلين الذين قد يكونوا مؤهلين للحصول على وضع اللاجئ أو ربما لم يغادروا بلدانهم للأسباب المنصوص عليها في اتفاقية اللاجئين لعام 1951، لكنهم شعروا بأنهم مضطرون للمغادرة بسبب العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية أو العرقية.

أما تهريب المهاجرين هو تدبير الدخول غير المشروع لشخص ما إلى دولة طرف، ليس ذلك الشخص من رعاياها أو من المقيمين الدائمين فيها، وذلك من أجل الحصول بصورة مباشرة أو غير مباشرة على منفعة مالية أو منفعة مادية أخرى، وينطوي تهريب الأشخاص بالضرورة على عبور الحدود، هناك أيضا الهجرة العائدة التي تتخذ شكلين رئيسين منها العودة الطوعية وهي بمساعدة أو مستقلة إلى بلد المنشأ أو العبور أو بلد آخر بناءً على القرار الطوعي للعائد. والعودة العفوية هي العودة الطوعية المستقلة للمهاجر أو مجموعة من المهاجرين إلى بلدهم الأصلي، وعادة بدون دعم من الدول، أو أي مساعدة دولية أو وطنية أخرى. 

ظاهرة الهجرة في منطقة شمال أفريقيا

تعد منطقة شمال إفريقيا مركز عبور رئيسي ونقطة انطلاق للمهاجرين، وتنتشر ظاهرة الهجرة غير الشرعية في العديد من الدول الإفريقية التي تتخذ من بعض الدول العربية، خاصة المطلة على البحر المتوسط محطة أو دول ترانزيت للانتقال إلى أوروبا، إذ يتم النظر إلى كل من ليبيا، المغرب، الجزائر وتونس باعتبارها محطات انتقال أو تصدير للمهاجرين غير الشرعيين من أفريقيا إلى الأراضي الأوروبية، وتعد منطقة المغرب العربي منطقة عبور للمهاجرين غير الشرعيين القادمين من دول جنوب الصحراء والبحيرات الكبرى، وتمثل المغرب نقطة عبور رئيسية للهجرة غير الشرعية نحو اسبانيا عبر مضيق جبل طارق، لاسيما وأنها تعتبر دولة استقبال وترانزيت للمهاجرين القادمين من الدول الأفريقية جنوب الصحراء خاصة من الكاميرون ومالي ونيجيريا. 

وتشير تقديرات الحكومة المغربية إلى أن عدد المهاجرين الذين يعيشون على أراضيها بشكل غير شرعي يتراوح بين 25-40 ألفاً. والأمر كذلك بالنسبة للجزائر التي تحولت خلال الأعوام الأخيرة إلى وجهة مفضلة للمهاجرين غير الشرعيين من دول جنوب الصحراء الذين تشير تقديرات غير رسمية إلى أن عددهم يبلغ 100 ألف شخص. فيما تشير تقديرات أخرى إلى تواجد ما بين 50-200 ألف مهاجر غير شرعي في الجزائر يأتي غالبيتهم من مالي والنيجر وبوركينافاسو هربا من الفقر المدقع والإرهاب في دولهم ويستخدم بعضهم الجزائر كنقطة عبور إلى أوروبا عبر ليبيا المجاورة.

كما تعاني مصر من انتشار ظاهرة الهجرة غير الشرعية لكن على مسارين: الأول يتمثل في الهجرة البرية إلى دول الجوار خاصة ليبيا عن طريق السلوم، والثاني الهجرة عبر البحر المتوسط إلى الدول الأوروبية خاصة إيطاليا واليونان، وقد نجحت قوات حرس الحدود المصرية في ضبط أكثر من 12 ألف شخص من جنسيات مختلفة حاولوا التسلل إلى مصر أو الانطلاق منها في رحلات هجرة غير شرعية خلال عام 2016، ومنذ ذلك التاريخ نجحت مصر في وقف موجات الهجرة غير الشرعية عبر أراضيها.

وفى تونس تشير تقديرات رسمية إلى أن عدد المهاجرين التونسيين غير الشرعيين يتراوح بين 8-15 ألف مهاجر، وتحولت ليبيا ليس فقط إلى نقطة عبور رئيسية للمهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا وتحديدا سواحل إيطاليا، وإنما إلى محطة مهمة لاستقبال المهاجرين من الدول الأفريقية المختلفة حيث يتولى المهربون نقل المهاجرين بصورة غير قانونية إلى الأراضي الأوروبية القريبة منها، ويتراوح العدد الإجمالي للمهاجرين الإفارقة بين 400-700 ألف، بالإضافة إلى 42 مخيم للاجئين على الأقل. 

ويحاول عشرات الآلاف من المهاجرين الوصول إلى أوروبا من شمال إفريقيا من خلال طريقين رئيسين: الأول؛ طريق وسط البحر الأبيض المتوسط (من ليبيا وتونس إلى إيطاليا) الثاني؛ طريق غرب البحر الأبيض المتوسط (من المغرب والجزائر إلى إسبانيا). وارتفع عدد المهاجرين إلى أوروبا بنسبة 86% من أكثر من 41 ألف إلى 77 ألف وشكل التونسيون أكبر عدد الوافدين إلى إيطاليا، وفى عام 2020 أكثر من 5 مليون مهاجر في أوروبا من الجزائر والمغرب وتونس.

ويشير التقرير الأخير للمنظمة الدولية للهجرة 2022 إلى أن تونس وليبيا كانتا نقطتي انطلاق رئيسيتين إلى إيطاليا حيث استقبلت 34154 وافدًا بحريًا خلال عام 2020، منهم 38٪ غادروا ليبيا، و36٪ غادروا تونس، وحوالي 591000 مهاجر يقيمون حاليًا في ليبيا، يعتزمون البقاء، حيث يعد سوق العمل الليبي وجهة للهجرة النظامية وغير النظامية، وتمثل نسبة السكان المهاجرين من ليبيا 12%. ووفقا للتقرير ذاته كان لمصر أكبر عدد من الأشخاص الذين يعيشون في الخارج تليها المغرب والجزائر، وفى منتصف عام 2020 بلغ عدد المهاجرين من الجزائر 1.7 مليون جزائري، و1.6 مليون من المغرب، و529759 من تونس يعيشون في دول أوروبا الغربية، وفقا لتقديرات إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية التابعة للأمم المتحدة. 

وتعد دول مجلس التعاون الخليجي الوجهة الرئيسية للمهاجرين من مصر، ما يقرب من مليون مهاجر مصري كان يعيش في السعودية في عام 2020، وحوالي 900 ألف مهاجر في الإمارات، وأكثر من 400 ألف في الكويت، وأكثر من 278 ألف نازح داخلي في ليبيا في عام 2020 بسبب الصراع في ليبيا، وتعد مصر والمغرب من بين أكبر الدول المتلقية للتحويلات المالية الدولية في إفريقيا في عام 2020، حيث وصلت التحويلات المالية الدولية في مصر إلى 30 مليار دولار، وهي خامس أكبر متلقٍ للتحويلات على مستوى العالم. وتمثل التحويلات إلى المغرب وتونس أكثر من 5% من الناتج المحلى الإجمالي، بينما وصلت في مصر إلى 8%.

 وقد تم الإبلاغ عن أكثر من 1500 مهاجر من غرب وشمال إفريقيا متجهين إلى إسبانيا وماطا وإيطاليا وهم من المفقودين في البحر، ويحاولون الوصول إلى ليبيا من بلدان في أفريقيا جنوب الصحراء ويتم تهريبهم عبر طريقين؛ الطريق الغربي الذي يستخدمه المهاجرون من غرب إفريقيا عبر النيجر ومالي والجزائر، والطريق الشرقي ويستخدمه المهاجرون من شرق إفريقيا عبر السودان وتشاد. ووفقا لتحليل صادر عن مركز بيانات الهجرة العالمي التابع للمنظمة الدولية للهجرة، فقد تم إنقاذ أكثر من 31.500 شخصاً من قبل سلطات شمال أفريقيا في النصف الأول من عام 2021، مقارنة بـ 23.117 في أول ستة أشهر من 2020، وأكثر من 15.300 شخص أعيدوا إلى ليبيا في أول ستة أشهر من 2021.

وبجانب العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي أدت إلى تنامى ظاهرة الهجرة، فإن الحروب الأهلية والصراعات الأثنية التي تشهدها بعض الدول وما يترتب عليها من عدم الاستقرار السياسي والأمني أدى إلى تنامى ظاهرة الهجرة من إفريقيا إلى أوروبا، نظرا لأن غالبية الدول الأفريقية تعاني من حالة عدم الاستقرار السياسي وضعف المشاركة السياسية، وانتشار الفساد وإهدار المال العام، وهو ما انعكس على التنمية الاقتصادية في تلك الدول ومن ثم دفع مواطنيها إلى التفكير في الهجرة غير الشرعية. بالإضافة إلى تنامى ظاهرة الإرهاب في الفترة الأخيرة كأحد أهم الأسباب التي أسهمت في انتشار مشكلة الهجرة غير الشرعية، وذلك في ضوء التطورات التي شهدتها عدة دول في شمال إفريقيا خاصة حالة الاضطراب الأمني في ليبيا. حيث نزح 215000 شخص في عام 2019 وفى أكتوبر 2020 نزح 316.415 شخصاً بسبب تدهور الوضع الأمني في ليبيا.

مواجهة الظاهرة

وضعت المنظمة الدولية للهجرة في سبيل مواجهة ظاهرة الهجرة “الاستراتيجية الإقليمية 2020-2024” والتي تؤكد على الاتجاهات والتحديات الإقليمية وعبر الإقليمية الحالية والمستقبلية فيما يتعلق بالهجرة، وحالات النزوح ومواجهتها من خلال المنظمة الدولية للهجرة، بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة، من خلال التركيز على عدة أهدافها منها:

المرونة: والتأكد من أن المهاجرين والسكان النازحين والمجتمعات المستضيفة والحكومات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يتمتعون بالقدرات اللازمة للاستعداد والاستجابة والحد من مجموعة المخاطر الواسعة التي قد تواجههم في جميع مراحل الهجرة.

إمكانية التنقل: تعزيز مسارات التنقل الحالية والفعالة والآمنة والقائمة على الحقوق وتطويرها.

الحوكمة: قيادة العمليات الأقاليمية والإقليمية والوطنية والمحلية القائمة على الأدلة لتعزيز قدرات الحكومات على دمج حركة التنقل ضمن سياسات وأطر قانونية، ومؤسسات وممارسات وآليات تعاون دولي أفضل من خلال البيانات المحسنة.

أيضا توجد بعض الاتفاقيات الدولية في مجال الهجرة والتنمية ومنها:

  • اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 97 المتعلقة بالعمال المهاجرين (1949).
  • واتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 143 بشأن العمال المهاجرين (أحكام تكميلية) (1975).
  • الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 158/45 بتاريخ 18 ديسمبر 1990.
  • اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية 2000 وتستكمل هذه الاتفاقية ثلاث بروتوكولات تستهدف أنشطة ومظاهر مميزة للجريمة المنظمة منها؛ بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وبخاصة النساء والأطفال، وبروتوكول مكافحة تهريب المهاجرين عن طريق البر والبحر والجو والبروتوكول المتعلق بالتصنيع والاتجار غير المشروع في الأسلحة النارية، وأجزائها، ومكوناتها، والذخيرة.

وقد وقعت دول شمال إفريقيا على الاتفاقية رقم 97 باستثناء مصر والسودان وتونس التي لم توقع عليها، وصدقت الجزائر عليها باستبعاد الملحق 2 بشأن تشغيل وتوظيف وظروف عمل العمال المهاجرين الموظفين بموجب الترتيبات المتعلقة بالهجرة الجماعية التي تمت تحت مراقبة الحكومة. بينما لم توقع أي دولة على الاتفاقية رقم 143. ووقعت وصدقت معظم الدول على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم باستثناء تونس والسودان في حين صاغ المغرب التحفظ التالي ” لا تعتبر حكومة المملكة المغربية نفسها ملزمة بالفقرة الأولى من المادة 92 من هذه الاتفاقية التي تنص على أن “أي نزاع ينشأ بين دولتين أو أكثر من الدول الأطراف حول تفسير أو تطبيق هذه الاتفاقية، سيعرض للتحكيم بناء على طلب إحدى هذه الدول، وتعتبر حكومة المملكة المغربية أن أي نزاع من هذا القبيل لا يمكن أن يعرض للتحكيم إلا بموافقة جميع الأطراف المعنية به.

كما أقر رؤساء الدول والحكومات الافريقية إعلانا سياسيا بشأن الهجرة في قمة الاتحاد الأوروبي وأفريقيا في أبريل 2014 وركز على الالتزام المشترك للأطراف بمكافحة الهجرة غير النظامية، وتعزيز إدارة الهجرة والحدود ومعالجة الأسباب الجذرية للهجرة غير النظامية، وتعزيز التعاون للتصدي للاتجار بالبشر. 

كما أن التجربة المصرية كان لها نجاحا في مواجهة ظاهرة الهجرة، حيث أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي في عام 2016 عن عدم خروج أي مركب هجرة غير شرعية من السواحل المصرية وأطلقت المبادرة الرئاسية “مراكب النجاة” للتوعية بمخاطر الهجرة غير الشرعية وتنفيذها في القرى بالمحافظات المصدرة للظاهرة والتي بلغ عددها 70 قرية في 14 محافظة بالتعاون مع عدد من الوزارات، وتأهيل وتدريب الشباب في هذه القرى بما يتوافق مع احتياجات السوق الأوروبية من خلال برامج تدريبية مكثفة بالتعاون مع المركز المصري الألماني للهجرة.ختاما؛ يمكن القول إن مواجهة ظاهرة الهجرة في منطقة شمال إفريقيا تتطلب استراتيجية متعددة الأبعاد لا تقتصر فقط على البعد القانوني للحد من الظاهرة، بل ينبغي أيضا التركيز على البعد التنموي وكذلك الأبعاد السياسية والأمنية، فمتى تحقق الاستقرار والتنمية في الدول المصدرة للهجرة ومواجهة ظاهرة البطالة بها، فإن ذلك سوف يقود إلى انخفاضا في أعداد المهاجرين بها. بالإضافة إلى ضرورة التعاون الدولي في مواجهة الظاهرة.

رحاب الزيادي
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية