وحدة الدراسات الأفريقية

قضايا متشابكة: الإرهاب والقرصنة والأمن البحري في خليج غينيا

خلال الفترة من الحادي عشر إلى الثامن عشر من مارس 2022 حدثت مناورات عسكرية مُشتركة بمنطقة خليج غينيا في غرب إفريقيا، حيث قامت نيجيريا بنشر عشرة سفن حربية، ومروحتين وأصول للتوعية بالمجال البحري وعناصر خدمات القوارب الخاصة، بمُشاركة قوات 32 دولة، بما في ذلك دول المنطقة والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وهولندا والدانمارك وإيطاليا وبولندا، وأُطلق على هذه المناورات، اسم “أوبانغام إكسبرس 2022″، لتعزيز التعاون البحري الإقليمي، والوعي بالمجال البحري وممارسات تبادل المعلومات، وتعزيز القدرات الجماعية لمكافحة الأنشطة البحرية غير المشروعة.                    وفى هذا الإطار، تشهد منطقة خليج غينيا التي تضم 17 دولة من السنغال إلى أنجولا، أكبر عدد من هجمات القرصنة…

نسرين الصباحى
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية

خلال الفترة من الحادي عشر إلى الثامن عشر من مارس 2022 حدثت مناورات عسكرية مُشتركة بمنطقة خليج غينيا في غرب إفريقيا، حيث قامت نيجيريا بنشر عشرة سفن حربية، ومروحتين وأصول للتوعية بالمجال البحري وعناصر خدمات القوارب الخاصة، بمُشاركة قوات 32 دولة، بما في ذلك دول المنطقة والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وهولندا والدانمارك وإيطاليا وبولندا، وأُطلق على هذه المناورات، اسم “أوبانغام إكسبرس 2022″، لتعزيز التعاون البحري الإقليمي، والوعي بالمجال البحري وممارسات تبادل المعلومات، وتعزيز القدرات الجماعية لمكافحة الأنشطة البحرية غير المشروعة.                   

وفى هذا الإطار، تشهد منطقة خليج غينيا التي تضم 17 دولة من السنغال إلى أنجولا، أكبر عدد من هجمات القرصنة في العالم، والاستجابات الإقليمية للقرصنة وتهديدات الأمن البحري في خليج غينيا مجزأة، ولايزال الوعي بالمجال البحري منخفضًا، وتُعاني آليات التنسيق الإقليمية من نقص التمويل. ويعتبر خليج غينيا موقعًا استراتيجيًا للشحن الدولي نظرًا لموارده الطبيعية والاحتياطيات الهائلة من الهيدروكربون والمعادن (الماس والقصدير والكوبالت) وموارد مصايد الأسماك، وتتجلى أهمية المنطقة في إمدادات الطاقة العالمية، كقناة لنقل النفط الخام والغاز من المنطقة، وتُشير التقديرات إلى أن ما لا يقل عن 20 % من النفط والغاز في أوروبا يأتي من خليج غينيا.             

تحديات مُتداخلة                  

تؤثر القرصنة والجرائم البحرية في خليج غينيا على حركة النقل البحري، وطرق الشحن الدولية الرئيسية، وزيادة تكاليف التأمين البحري، وهناك تحولاً كبيرًا في جغرافية القرصنة البحرية، والعنف في الممرات البحرية، واستهداف شركات الشحن الدولية، وناقلات النفط. فضلاً عن، التهديدات الإرهابية المتصاعدة، وضعف الحكم والفساد، والتأثير البيئي للأنشطة البحرية، ويمكن توضيح ذلك على النحو التالي:                           

• تمدد جغرافية الإرهاب والاتجاه جنوبًا: تعمل الجماعات الإرهابية على تعزيز نفوذها، في ظل القلق المتزايد بشأن امتداد الأنشطة الجهادية تجاه الدول الساحلية في منطقة خليج غينيا وخاصةً دول غانا وساحل العاج (كوت ديفوار) وتوجو وبنين كأولوية للتوسع الاستراتيجي واستهداف الوصول إلى البحر، حيث شهد عام 2021 تصعيدًا في أعمال العنف من قِبل تنظيمي القاعدة وداعش على طول الحدود الشمالية لدول (بنين وتوجو) مع تسلل خلايا متشددة حتى دول غانا وساحل العاج، واستغلال الطرق الرعوية والتهريب في شمال غانا وبنين. 

وتشير تجربة بوركينا فاسو لمدى سرعة انتشار الجماعات الإرهابية في مناطق الثغرات الحدودية، واستغلال المظالم المحلية، حيث كانت البلاد هادئة نسبيًا في عام 2017، وبعد عامين فقط، سيطر تنظيمي القاعدة وداعش على مساحات كبيرة من البلاد، في ظل قدرة التنظيمات الإرهابية على تجميع صفوفهم ومُهاجمة الجيوش الوطنية بسبب توافر الملاذات الآمنة، واختلاط الإرهاب بالعنف الإثني، والاستفادة من تقارب الفوضى، واستغلال توترات العلاقة بين الدولة والمجتمعات المحلية.

وتعتبر  دول خليج غينيا امتداد جغرافي لدول الساحل الأفريقي، وقد يؤدي اتباع نفس استراتيجية مُكافحة الإرهاب في أجزاء أخرى من غرب إفريقيا إلى تفاقم حالة انعدام الأمن في هذه البلدان الساحلية، في ظل اعتبار فرنسا الأجزاء الشمالية والجنوبية الغربية من دولة ساحل العاج كخطوط حمراء في أعقاب الهجوم على بلدة ينديري في بوركينا فاسو في يناير 2020، بالقرب من حدودها، وانضمام مواطني دول منطقة خليج غينيا إلى صفوف التنظيمات الإرهابية، والتواصل المستمر بين الجماعات الجهادية في بوركينا فاسو والخلايا النائمة في دول غرب إفريقيا.                                       

انعدام الأمن وتنامي الجريمة المنظمة: تعتبر المنطقة نقطة عبور رئيسية لعصابات المخدرات من دول أمريكا اللاتينية، حيث يمر ما يقرب من 25 إلى 35 % من جميع الكوكايين المستهلك في أوروبا عبر خليج غينيا؛ إذ جعل ضعف القدرة على إنفاذ القانون، وسوق النفط غير المنظمة من السهل على القراصنة والعصابات الإجرامية نقل البضائع بشكل غير مشروع إلى الأسواق الدولية، وكذا، تعمل عوامل ضعف الأطر التشريعية وسوء إدارة المناطق البحرية وانعدام الأمن على تمكّين هذه العصابات ذات القدرة العالية  وإمكانية الوصول إلى البنية التحتية على الأرض، على القيام بأنشطة إجرامية ذات دوافع مالية، وأصبحت هذه المنطقة واحدةً من أكبر مصادر انعدام الأمن البحري وأكثر خطورة على حركة الملاحة البحرية على متن السفن وقوارب الصيد العاملة في المنطقة، وتحديدًا المنطقة الواقعة بين دولتي غانا والجابون ومنطقة دلتا النيجر في نيجيريا، في ظل الطبيعة المُتشابكة للحدود البحرية.                                                                                           

• تصاعد القرصنة النفطية والتهديدات البيئية: تطورت ظاهرة القرصنة من استخدام قوارب الصيد، وصولاً لأسلحة متطورة وسفن بخارية للوصول إلى أهدافهم بشكل سريع، بفضل التغييرات في الاقتصاد العالمي والتقدم التكنولوجي. وقد تصاعدت عمليات الإرهاب البحري، والهجمات على ناقلات النفط والمنشآت النفطية البحرية في خليج غينيا، في ظل الهشاشة الأمنية وتصاعد عمليات القرصنة، وهجمات سرقة النفط الخام من الناقلات وخطوط الأنابيب من أجل نقله بشكل غير قانوني إلى مصافي تكرير النفط، مما يؤثر سلبًا على الاقتصادات المحلية. فضلاً عن تداعياته على النظم البيئية البحرية. وعادةً ما تكون الحوادث بين شهري نوفمبر وأبريل، حيث تقوم جماعات القرصنة، بالمطالبة بفدية بملايين الدولارات لأطقم السفن وبيع الوقود المسروق، وتخريب منصات النفط، وتهريب الأسلحة على متن السفن أو قوارب الصيد. بالإضافة إلي، الصيد الجائر وتداعياته على ندرة الموارد ومخاطر إلقاء النفايات السامة في الممرات البحرية، ويتم التخلص منها في كثير من الأحيان بطريقة غير أخلاقية في مكبات النفايات، والتلوث الناجم عن استخراج الموارد الطبيعية الذي يُدمر الاقتصادات الساحلية.        

آليات تعزيز الأمن البحري                         

يتطلب ضمان تعزيز الأمن البحري في خليج غينيا، استثمار العديد من البلدان بشكل شامل في تأمين الموانئ والبنية التحتية البحرية، في ظل الأهداف الطموحة بشأن تعزيز قدرات التجارة البحرية وإمكانات الاقتصاد الأزرق خلال السنوات القادمة، لدعم أسواق غرب إفريقيا سريعة النمو، وتعزيز القدرة البحرية الإقليمية، في ظل عمليات الشراء الأخيرة لمعدات الدوريات البحرية من قِبل دول أنجولا والكاميرون وجمهورية الكونغو ونيجيريا والسنغال. ومع ذلك، فإن البيئة الآمنة وحرية الملاحة عبر خليج غينيا أمران أساسيان لضمان تحقيق هذه الأهداف من خلال الآتي:                                                               

• التنسيق البحري المُشترك: يتم اختبار مفهوم الوجود البحري المنسق في خليج غينيا، بهدف تعزيز تبادل المعلومات بين القوات البحرية الأوروبية وحشد دعمها لدول خليج غينيا، من خلال توزيع الدوريات البحرية في مناطق منفصلة، ولكن يجعل الفساد القوات البحرية المحلية تفقد فعاليتها وغير مُجهزة للقيام بالدوريات المحلية في المنطقة. وفى هذا السياق، تقوم دولتي نيجيريا وغينيا الاستوائية بدوريات عسكرية مُشتركة، في ظل تصاعد الهجمات على خطوط الأنابيب في منطقة دلتا النيجر المنتجة للنفط في نيجيريا، نظرًا للاتصال بين الممرات المائية في دلتا النيجر وخليج غينيا، وتبلغ تكلفة مشروع الأمن البحري النيجيري 195 مليون دولار والمعروف باسم مشروع ديب بلو- Deep Blue، وتم التوقيعّ عليه عام 2015، وبدأ تنفيذه عام 2018، لتعزيز الهندسة الأمنية داخل المياه الإقليمية وحماية الممرات المائية.                                                       

• المناورات العسكرية مُتعددة الجنسيات: تعتبر نيجيريا شريك رئيسي للعديد من العمليات الأمنية في خليج غينيا، وتُشارك دولة الدنمارك في بناء القدرات البحرية لدول المنطقة، وتلعب المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس”، وكذلك المجموعة الاقتصادية والنقدية لدول وسط إفريقيا “سيماك”، أدوارًا قيادية، حيث قاموا بدمج ضمن أجنداتهم الأمنية التهديدات البحرية، وقد أنشأت كلتا المجموعتين الإقليميتين مراكز للتوعية البحرية ومناطق بحرية مُخصصة لأهداف تسيير الدوريات وحفظ الأمن البحري الإقليمي. وكذا، تُساعد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم” دول خليج غينيا لحماية الاقتصاد البحري وضمان الاستخدام المُستدام للموارد البحرية وأمن التجارة البحرية، وتُشارك أيضًا إسبانيا بزورق دورية تابع للبحرية في الاتحاد الأوروبي، لحماية سفن الشحن والصيد العاملة في المنطقة.         

بالإضافة إلى هذه الآليات، هناك معدات رصد بحري، وقوات بحرية خاصة، ولجان مُشتركة للشرطة البحرية وقوات الأمن وسفن الدوريات ووحدات مُكافحة القرصنة، لدعم مُبادرات الأمن البحري، وتنفيذ مدونة “ياوندي” لقواعد السلوك البحري التي أنشأت هيكلًا جديدًا للأمن البحري بعد قمة ياوندي عام 2013، ولايزال هيكلها غير مُكتمل، بسبب عدم وجود إطار تشريعي وقضائي مُناسب. وكذا، تم افتتاح المركز الإقليمي للسلامة البحرية في غرب إفريقيا في الواحد والثلاثين من مارس 2022، في إطار الاستراتيجية البحرية المُتكاملة للمنطقة.                 

وختامًا، يتوجب تعزيز القدرات على جمع معلومات السلامة البحرية في المناطق ذات المخاطر العالية، وبث أنشطة القرصنة والتنبيهات عبر القنوات المشتركة، وخلق وعي مُشترك بالمجال البحري من خلال تعزيز تبادل المعلومات، ومنصات المراقبة البحرية لتحقيق رؤية أوسع للاستقرار البحري، وتفعّيل الحوكمة البحرية، والاستثمار المُستدام في بناء القدرات البحرية، وزيادة الأصول البحرية، في سياق الأجندة العالمية للدفاع والأمن البحري، والتحديات المُتداخلة في المجال البحري، باعتبار منطقة خليج غينيا مُلتقي للتهديدات الناشئة.

نسرين الصباحى
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية