المقاتلون الأجانب.. الورقة الخاسرة

عضو الهيئة الاستشارية

أعاد مصرع ثلاثة مقاتلين أجانب، فى أوكرانيا، خلال الأيام الأخيرة، الحديث حول آلاف المتطوعين والمرتزقة ممن ذهبوا لأوكرانيا بغرض القتال سواء الى جانب القوات الأوكرانية او الروسية. فبعد اول ثلاثة أيام من الحرب، اعلن الرئيس الاوكرانى عن إنشاء الفيلق الاجنبى، ودعا المتطوعين من أنحاء العالم للقتال مع الأوكرانيين. وبعد 10 أيام، قالت الحكومة إنها تلقت أكثر من 20000 طلب، لكنها رفضت تقديم معلومات عن عدد المتطوعين الأجانب الموجودين فى البلد، والذين تبلغ أعدادهم الآلاف كما يعتقد. أفادت بعض التقارير بأن معظمهم انضموا لجماعات مسلحة وليس الفيلق الأجنبى، وذكرت تقارير أخرى ان السلطات الأوكرانية، تباغت المقاتلين الأجانب بعقود غير واضحة وغامضة،…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

أعاد مصرع ثلاثة مقاتلين أجانب، فى أوكرانيا، خلال الأيام الأخيرة، الحديث حول آلاف المتطوعين والمرتزقة ممن ذهبوا لأوكرانيا بغرض القتال سواء الى جانب القوات الأوكرانية او الروسية. فبعد اول ثلاثة أيام من الحرب، اعلن الرئيس الاوكرانى عن إنشاء الفيلق الاجنبى، ودعا المتطوعين من أنحاء العالم للقتال مع الأوكرانيين. وبعد 10 أيام، قالت الحكومة إنها تلقت أكثر من 20000 طلب، لكنها رفضت تقديم معلومات عن عدد المتطوعين الأجانب الموجودين فى البلد، والذين تبلغ أعدادهم الآلاف كما يعتقد. أفادت بعض التقارير بأن معظمهم انضموا لجماعات مسلحة وليس الفيلق الأجنبى، وذكرت تقارير أخرى ان السلطات الأوكرانية، تباغت المقاتلين الأجانب بعقود غير واضحة وغامضة، كما جاء فى شهادة بعض المقاتلين العائدين الذين تحدثوا عن كواليس إرسالهم دون عتاد للقتال.

من جهته، اعلن الرئيس الروسى، عن جلب آلاف المقاتلين الأجانب للقتال الى جانب قواته. وأفادت تقارير بأن روسيا خفضت بالفعل من أعداد المقاتلين السوريين ومرتزقة شركة فاغنر فى ليبيا، وقيدت من انتشار فاجنر فى شمال وغرب إفريقيا بعد ان عملت خلال السنوات الأخيرة على وضع موطئ قدم لهم فى بلدان مثل جمهورية إفريقيا الوسطى ومالى، كما استخدمت ليبيا كمركز لنشر المرتزقة فى القارة.

بسبب الاستعانة بالأجانب، تقاطر فعليا إلى أوكرانيا مرتزقة ومقاتلون من دول مختلفة، منهم أوروبيون وأفارقة وأمريكيون، أو منادون بتفوق البيض، أو إسلاميون متشددون، وشباب مغامرون، انضم بعضهم لهذا المعسكر أو ذاك، ويشكلون جميعهم أداة دعائية للجهة التى تحركهم. اما على ارض الواقع فهم يواجهون مشاكل عديدة أبرزها عدم تحدث لغة البلد الذى يقاتلون على ارضه، وعدم معرفة تضاريسه، وعدم الإلمام بثقافته العسكرية، وعدم الخبرة فى حمل السلاح، او كونهم غير مؤهلين لمناطق الحرب، مما يجعل وجودهم فى أوكرانيا يعقد الوضع اكثر مما يسهم فى ترجيح كفة طرف على حساب الآخر.

المعروف ان ظاهرة المقاتلين الأجانب هى ظاهرة قديمة بدأت من الغرب وعادت إليه مع الحرب الأوكرانية.

فالكثير من المقاتلين الأجانب اشتركوا فيما يقدر بنحو 69 حربا أهلية من أصل 313 حربا، فى الفترة من 1815 إلى 2015، ضمنها الحرب الأهلية الإسبانية، فى ثلاثينيات القرن الماضى (1936 – 1939) والتى شارك فيها ما يزيد عن 30 ألف مقاتل أجنبى، كانوا يعرفون باسم الألوية الدولية، وهى وحدات عسكرية شيوعية تشكَّلت من متطوعين أجانب من 54 جنسية شاركوا إلى جانب جيش الجمهورية الثانية فى مواجهة القوات الفاشية المنقلبة على الحكومة الجمهورية فى 18 يوليو 1936. كان اللوائيون الأجانب ينحدرون من طبقات اجتماعية مختلفة، من مفكرين وأطباء وكتاب وفنانين وساسة، إلى العمال والنقابيين وعمال المناجم والموانئ والمحاربين القدامى.

أدت الحرب التى استمرَّت لثلاث سنوات إلى وفاة نحو نصف مليون شخص، وانتهت بانتصار الجنرال فرانسيسكو فرانكو. وبعد نهاية الحرب، قرر آلاف اللوائيين الأجانب العودة لبلدانهم، وبينما لم تواجه غالبيتهم أدنى مشاكل فى ذلك، كالفرنسيين والبريطانيين والأمريكيين، لكن آخرين وجدوا أنفسهم فى وضعية حرجة كالإيطاليين والألمان والنمساويين وغيرهم ممن وجدوا أنفسهم بين المطرقة والسندان، فإذا بقوا فى مناطق الصراع قوات فرانكو لن ترحمهم بعد هزيمة الجمهورية، وإذا عادوا إلى بلدانهم كانوا سيواجهون خطر الاعتقال والاضطهاد، إما لأن بلدانهم محكومة من طرف أنظمة فاشية ونازية، أو بسبب مغادرة البلاد من دون موافقة مسبقة والانضمام لجيش أجنبى، أو لأن حكوماتهم كانت تضطهد الشيوعيين. لهذا اضطر الكثير منهم إلى الاغتراب إلى بلدان أخرى.

فى مطلع ثمانينيات القرن الماضى، انتقلت ظاهرة المقاتلين الأجانب من الغرب إلى أفغانستان، وأخذت بعدا أيديولوجيا، حيث أُطلق على هؤلاء الوافدين من مجموعة من دول الخليج ومصر وباقى الدول العربية اسم الأفغان العرب. ومن أفغانستان توسَّعت دائرة المجاهدين، أو بالأحرى المقاتلين الاجانب، لتنتشر فى مناطق توتر جديدة بداية من عام 2001، بعد أحداث 11 سبتمبر والحرب التى شنَّتها الولايات المتحدة الأمريكية على أفغانستان والعراق.

سواء فى الدول الغربية او الإسلامية، الجميع يعلم النتائج الكارثية التى تنتجها الاستعانة بالمقاتلين الأجانب. هؤلاء ينتهى بهم المطاف دائما اما بالعودة الخطرة الى مناطقهم، او الانتقال الى مناطق صراع جديدة بعدما اكتسبوا خبرة فى القتال ونسجوا علاقات مع شبكات دولية للإجرام قد يتبادل التعاون فيما بينها مستقبلا. ودائما ما تتسنى لهم فرصة لمزيد من العنف وإلحاق المزيد من الضرر.

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب