على ضوء الضربة العسكرية الأمريكية الثانية ضد إيران في الثامن والعشرين من فبراير 2026، وما أعقبها من رد إيراني باستهداف الأراضي الخليجية لضرب المصالح الأمريكية بها والضغط على الجانب الخليجي لقطع الطريق أمام توظيف أراضيها لشن ضربات على الأراضي الإيرانية، باتت المواقف المغاربية مغايرة عن الضربة العسكرية الأولى في (يونيو 2025) أو ما تُعرف بحرب الاثني عشر يومًا، حيث تقاربت المواقف المغاربية إلى حد بعيد مستندة لنهج براغماتي في التعاطي مع تلك التطورات.
وعلى الرغم أن تلك الحرب باعتبارها أحد جولات استهداف النظام الإيراني وتغييره عبر القوة العسكرية، قد جاءت كاستراتيجية بديلة لفشل التغيير من الداخل؛ فإنها سُرعان ما تحوّلت إلى حرب إيرانية ضد الخليج العربية، حيث باتت القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، والتي لطالما قُدّمت على أنها ضامنة للأمن،نقطة ضعف ووضعت الخليج موضوع استهداف في حرب لم تكن طرفًا فيها، وعلى الرغم من تأكيد الدول الخليجية رفضها استخدام أراضيها كقاعدة انطلاق لأي ضربات مضادة لإيران، فإن الحسابات الإيرانية قدّرت توجيه ضربات مكثفة على القواعد العسكرية كآلية عكسية لأي هجمات محتملة من تلك الأراضي، انتقالاً إلى استهداف مناطق النفط وأهداف أخرى أبرزها “مضيق هرمز” لإرباك المشهد.
ولعل تلك المعادلة أربكت حسابات بعض دول المغرب العربي تجاه تحالفاتها الاستراتيجية استجابة للحظة الإقليمية الراهنة وأبقت بعضها في المنطقة الرمادية، ويأتي ذلك في ضوء حسابات المصلحة الوطنية لدول تلك المنطقة، وهو ما يمكن استكشافه في النقاط التالية:
أولاً- تفاعل مغاربي براغماتي ورفض التصعيد:
لقد فرضّ التسويق وسرعة تدوير الأزمة من كونها حرب أمريكية إسرائيلية على إيران إلى حرب إيرانية خليجية، إرباكًا لحسابات (ومواقف) الدول المغاربية وبصورة خاصة (الجزائر وتونس وموريتانيا) التي سبق وأن كانت لديها مواقف واضحة خلال حرب الاثني عشر يومًا (يونيو 2025) والهجمات الإسرائيلية على إيران، لكن في إطار الحرب الراهنة (مارس 2026) ومع دخول الخليج في خضم هذا التصعيد (ومساعي جرّه لهذه الحرب) اتجهت تلك الدول إلى تبني مواقف تتسق مع القواعد والقوانين الدولية وما تضمنه ميثاق الأمم المتحدة – كمبادئ رئيسية في العلاقات بين الدول- فضلاً عن إبداء التضامن مع الخليج العربي إثر الهجمات التي تعرضّ لها، وتوضيحًا لهذا الأمر يمكن تبيان اتجاهات الموقف المغاربي حيال التصعيد الراهن على النحو التالي:
- اصطفاف الرباط ومقاربة “أمن الخليج من أمن المغرب”: تجسّد الموقف الرسمي للمملكة المغربية في اصطفاف وتضامن مع الجانب الخليجي العربي في خضم التصعيد الإيراني على أراضي تلك الدول، وهو ما تجلى في الإدانة السريعة لوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج لتلك الاعتداءات التي تُعد انتهاكًا صارخًا للسيادة الوطنية لتلك الدول ومساسًا بأمنها القومي مع التأكيد التضامن المغربي مع كافة الإجراءات المشروع للرد على ذلك الاستهداف، ليس هذا فحسب بل اعتبر الملك “محمد السادس” أن أمن واستقرار دول الخليج العربي من أمن المغرب وهو ما أكده وزير الخارجية “ناصر بوريطه” خلال مشاركته في اجتماع الدورة غير العادية لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري في الثامن من مارس 2026، مجددا تأكيد رفض المغرب لانتهاك سيادة الدول الخليجية والعربية وإدانة تلك الاعتداءات.
إضافة إلى ذلك، فقد تركزت دائرة الاتصالات المغربية مع الجانب الإماراتي بشكل كبير على إدانة ورفض التصعيد الإيراني ضد للخليج؛ كما تجلى في الاتصال الذي أجراه “محمد ولد الرشيد” رئيس مجلس المستشارين مع رئيس المجلس الوطني الاتحادي الإماراتي “صقر غباش” وتم التأكيد على تضامن المغرب مع الإمارات ورفض الاعتداءات الإيرانية على أرضيها وكذلك أراضي الدول الخليجية.
- حذر جزائري مع إدانة “الاعتداءات العسكرية”: هناك حالة تبدّل في الموقف الجزائري في الظرفية الراهنة؛ من حالة الدعم الواضح لإيران خلال حرب الاثني عشر يومًا (يونيو 2025)؛ إلى تفاعل حذر في الخطاب الرسمي تجاه الحرب الراهنة، وقد برّز ذلك في رفض الاعتداء على سيادة الدول وأهمية التحرك السلمي والدبلوماسي لمعالجة الخلافات وهو ما تضمّنته مشاركة “أحمد عطاف” وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية في فعاليات الدورة غير العادية لاجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، مع التأييد الضمني للبيان الختامي للقمة والتي أدانت الهجمات الإيرانية التي طالت دول الخليج ودول عربية لما تُمثله من انتهاك لسيادة الدول وسلامة أراضيها.
والأمر الثاني ما سبق تلك القمة من لقاء جمع “عطاف” وسفراء الدول العربية التي تعرضت لــ “اعتداءات عسكرية” داخل الجزائر وتم التأكيد على التضامن الكامل مع تلك الدول مع الرفض القاطع لأي مساس بالسيادة الوطنية وتغليب منطق الحوار وضبط النفس ووقف فوري لكافة أشكال التصعيد. حتى على مستوى الاتصالات التي أجراها الرئيس الجزائري “عبد المجيد تبون” والتي تركزت على قادة دول (السعودية – الكويت – قطر – الأردن – سلطنة عمان) فقد ركزّت على أهمية عودة السلم والأمن في الإقليم، بما يعكس أن الموقف الجزائري تبّدل مع تحوّل الوضع الراهن إلى حرب (إيران ضد الخليج) وليس (إسرائيل ضد إيران).
- موريتانيا ومبدأ تكاملية الأمن القومي العربي: تبنت الدبلوماسية الموريتانية موقفًا رافضًا للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وهو ما عكسته الكلمة التي ألقاها “محمد سالم مروزك” وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والموريتانيين في الخارج في الاجتماع الاستثنائي لجامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، حيث أكد على أن الأمن القومي العربي كل لا يتجزأ وأن انتهاك سيادة تلك الدول هو مساس فعلي بالأمن القومي ويجب التعامل معه وفق المقتضيات اللازمة والحاسمة، علاوة على ضرورة التحرك لاتخاذ خطوات فعالة للحفاظ على أمن واستقرار الشعوب العربية.
- ليبيا والتضامن العربي: بالرغم من حالة الانقسام السياسي الليبي لكن هناك حالة توافق بين الأجسام الرئيسية في إدانة الضربات الإيرانية على الدول العربية والخليجية، وهو ما عبّر عنه “الطاهر الباعور” وزير الخارجية والتعاون الدولي في (حكومة الوحدة الوطنية/ غرب ليبيا) (منتهية الولاية) خلال الاجتماع الطارئ لجامعة الدول العربية مع إبداء تضامن ليبيا مع الدول التي تعرضت لتلك الاعتداءات وأهمية خفض التصعيد العسكري، وهذا الأمر أيضًا توافق مع البيان الذي صدّر عن (حكومة الاستقرار/ شرق ليبيا) (المُكلفة من البرلمان) الذي أكد على رفض الاعتداء على السيادة العربية والخليجية.
أيضًا ترجمة الاتصالات التي أجراها كل من “محمد المنفي” رئيس المجلس الرئاسي الليبي، والمشير “خلفية حفتر” القائد العام للجيش الوطني الليبي، و”عبد الحميد الدبيبة” رئيس حكومة الوحدة الوطنية، والتي جمعتهما مع قادة الدول الخليجية والعربية، لإجماع ليبي حول رفض الاعتداءات والتأكيد على دعم سيادة الدول ورفض التصعيد العسكري.
- تونس ورفض التصعيد: منذ شنت إيران ضربات عسكرية على عدة مناطق في الدول الخليجية أصدّرت وزارة الخارجية التونسية بياناً أدانت فيه تلك الضربات والتأكيد على تضامنها مع الدول العربية والخليجية وأهمية الوقف الفوري للعمليات العسكرية واحترام مبدأ سيادة الدول وأهمية العمل وفق مسار تفاوضي وطاولة الحوار، وهو ما جرى التأكيد عليه في الاجتماع الطارئ لجامعة الدول العربية.
ثانيًا- حسابات الأطراف وضوابط التفاعل:
بالنظر إلى طبيعة التعاطي سالف الإشارة؛ فإن مواقف تلك الأطراف يأتي في إطار الحسابات والمصالح وكذا التحالفات التي تربطها بطرفي الأزمة (إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل) من ناحية، و(إيران والخليج العربي) من ناحية أخرى؛ واستكمالاً لذلك يمكن فهّم حسابات الأطراف وقيود تفاعلاتهم فيما يلي:
- المغرب وتصدع علاقاتها بإيران: بالنظر إلى موقف المملكة المغربية حيال الحرب الحالية سواء تلك التي تتعلق بالضربات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران أو على صعيد الرد الإيراني وضرب مناطق في الخليج العربي، يمكن القول بأنه يمثل اصطفافًا مضادًا لإيران، حيث أن علاقات المغرب بإيران تشهد حالة من التوتر بل وقطعية دبلوماسية منذ عام 2018؛ على خلفية عدة تناقضات في المصالح الاستراتيجية وأبرزها التقارب الإيراني الجزائري في ملف الصحراء الغربية إلى جانب اتهام “الرباط” للجانب الإيراني بتدريب بعض المنتمين لــ “جبهة البوليساريو” سواء من خلال الحرس الثوري الإيراني أو عبر “حزب الله” وهو ما يُمثل تهديدًا للمغرب، في صراعه التاريخي حيال فرض السيادة على منطقة الصحراء الغربية.
أيضًا وفي ظل ما يجمع المغرب من مصالح سياسية واقتصادية مع دول الخليج العربي، وبصفة خاصة مع دولة الإمارات العربية المتحدة التي تقاربت استراتيجيًا مع المغرب على حساب الجزائر منذ ديسمبر 2020، فإنها تتقارب استراتيجيًا مع التحركات الإماراتية وبطبيعة الحال التحركات الخليجية المناوئة لإيران، خاصةً في ظل ما دعم كتلة الخليج العربي للسيادة المغربية على الصحراء، فضلاً عن التحركات الإماراتية الأخيرة لدعم خطة “الحكم الذاتي” التي طرحها المغرب لمعالجة ملف الصحراء الغربية لتمرير القرار رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 والذي يعوّل على مبدأ “الحكم الذاتي” كأساس للتفاوض.
وفي هذا الإطار فإن المصالح العليا للمغرب وفي مقدمتها الصحراء الغربية تُشكل بوصلته الخارجية، وهو النهج الذي عبّر عنه الملك “محمد السادس” غير مرة، ومن ثّم فإن دعم المصالح المغربية في هذا الملف يظل قابعًا لشبكة التحالفات التي حققتها الرباط منذ ديسمبر 2020 والتي يأتي في مقدمتها إلى جانب واشنطن كل من (إسرائيل والإمارات العربية المتحدة).
- الجزائر ومخاوف من الضغط الأمريكي ومساعي التحوط الإقليمي: إن الجزائر والتي تربطها علاقات تقليدية إيجابية مع إيران وتتحرك في إطار مناوئ لإسرائيل مع تصدع متنام لعلاقاتها على مدار أكثر من عام ونصف مع الإمارات، باتت تتحرك (تتفاعل) بحذر مع التصعيد الحالي عبر إشارات أقرب للموقف العربي الجمعي الذي يرفض التصعيد الإقليمي مع الدعوة لخفض التوتر وأهمية دعم استقرار وأمن المنطقة، ويأتي تفاعل الجزائر بصورة براغماتية مع التطورات الإقليمية وتبّدل حساباتها في إطار الآتي:
- الانخراط الأمريكي في ملف الصحراء الغربية: واحد من بين أبرز محددات التفاعل الجزائري تجاه التصعيد الراهن (سواء الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران أو على صعيد النهج الإيراني في الرد واستهداف مصالح “واشنطن” في الخليج العربي)؛ يتمثل في الدوّر الأمريكي الأكثر نشاطًا في الوقت الراهن لمعالجة الصراع الجزائري المغربي وتجلى ذلك فيما أعلن عنه مبعوث الولايات المتحدة الأمريكية “ستيف ويتكوف” الذي صرّح في أكتوبر (2025) بأن واشنطن تعمل على التوصل لاتفاق سلام بين البلدين وقد وضع إطارًا زمنيًا (ستين يومًا) وإن كان واقعيًا لم يُحدث تطورًا ظاهرًا لكن هذا التحرك في حد ذاته يُشكل نافذة تفاوض جديدة بعيدًا عن القوى الأوروبية.
ليس هذا فحسببل اضطلاعها بدوّر أوسع في ملف أكثر حيوية (وهو ما يرتبط بالصراع الأكبر بين يكمن في إدارته لجولات التفاوض كوسيط لمعالجة ملف “الصحراء الغربية”، هذا الأمر من شأنه أن يُعيد حسابات الجزائر في التعاطي مع أي متغيرات إقليمية مضادة للمصالح الأمريكية من ناحية أو تلك التي تتعلق بمصالح الخليج العربي. حيث أنه ولأول مرة منذ عام 2007 تجمع طاولة المفاوضات فيما يُعرف بـــ (مسار مدريد) الذي استضافتها العاصمة الإسبانية يومي الثامن والتاسع من فبراير 2026؛ وبقيادة “مسعد بولس” المستشار الأمريكي للشؤون العربية لقاءًا يجمع بين الوفد المغربي والذي يترأسه وزير الخارجية “ناصر بوريطه” وبين وفد لجبهة البوليساريو، إضافة لمشاركة وزيري خارجية الجزائر وموريتانيا (كمراقبين)، ويأتي ذلك لتقريب وجهات النظر حيال تنفيذ مخرجات قرار مجلس الأمن رقم (2797)، حيث تضغط واشنطن في مسار معالجة ذلك الصراع وذلك بحلول منتصف العام الجاري (2026) بما يطرح عرض اتفاق شامل يمكن أن يتبلور لمشروع قرار يتم التصديق عليه من مجلس الأمن في الجلسة المقرر عقدها بغضون شهر أكتوبر 2026.
- التحوط الإقليمي في ضوء افتقاد حليف استراتيجي: منذ حرب الاثني عشر يومًا (التي اندلعت بين إسرائيل وواشنطن ضد إيران في يونيو 2025) فإن الموقف الحذر الجزائري بات يتشكل في إطار تسارع وتيرة إعادة رسم خرائط النفوذ في الدائرة الشرق أوسطية والتوازنات المختلفة، خاصةً بعد تفكيك الأذرع والوكلاء (المسلحين) الموالين لإيران، والاستهداف المباشر الراهن لإيران التي لطالما شكّلت ضلعًا رادعًا لإسرائيل ومساعيها للتوسع الإقليمي، وبالتالي فإن الجزائر باتت تفقد حليفًا رئيسيًا لها بما يدفعها لإيجاد بدائل للحركة واتساق تفاعلاتها مع الموقف الجمعي العربي لذا فإن نهجها الراهن يستند للحظة الإقليمية القائمة حاليًا وطبيعة التحالفات التي نُسجت على مدار ست سنوات مضت.
- ليبيا وتنام الدّور الأمريكي: على مستوى ليبيا؛ فقد جاءت مواقف الشرق والغرب سواء عبر البيانات التي صدرت، وكذا على مستوى الاتصالات التي أُجريت مع زعماء ورؤساء الدول الخليجية والعربية، فإنها تأتي لتكشف عن اتساق واضح وانحياز للخليج في إطار الرد الإيراني باستهداف أراضيها، وتأتي حسابات الموقف الليبي أيضًا لتدور وفق ما يلي:
- الاحتياج لواشنطن لإدارة التوازنات بين شرق وغرب ليبيا وأحداث اختراق للأزمة الممتدة: باتت “واشنطن” تؤدي دورًا أكبر في خضم المشهد الليبي منذ يوليو 2025، وما حققته من اقتحام للملفات الدقيقة في المعادلة الليبية وأبرزها اتفاق التنمية الموحد الذي تم توقيعه بين مجلس النواب والأعلى للدولة (نوفمبر2025)؛ علاوة على مساعيها لإيجاد أرضية مشتركة للتفاهم بشأن تشكيل حكومة موحدة وهو ما تضمنته اللقاءات المتكررة التي جمعت الفريق أول “صدام حفتر” نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، و “إبراهيم الدبيبة” مستشار الأمن القومي لحكومة الوحدة الوطنية، في “روما” (في الثالث من سبتمبر 2025) و”باريس” (في الثامن والعشرين من يناير 2026) برعاية وتنسيق أمريكي فرنسي.
واقترنت تلك تلك التحركات السياسة مع تحركات أخرى تجريها القيادة الأمريكية المركزية في إفريقيا “أفريكوم” ضمن ملف التنسيق الجاري بشأن تمرين “فلينتلوك 2026” المزمع عقده في أبريل 2026 بمدينة “سرت”، والذي يُعد في حد ذاته خطوة داعمه كأداة يمكن من خلالها تحريك ملف دمج المؤسسة العسكرية – عبر بناء حالة من الثقة التدريجية- كأحد الأهداف الجوهرية لمعالجة الأزمة المستمرة في ليبيا لأكثر من خمسة عشر عامًا.
- الدعم الخليجي وأهمية التقارب: ثمة مصالح غائبة تجمع شرق وغرب ليبيا مع إيران، في حين تزيد تلك المصالح مع الدول الخليجية، وبصورة خاصة كل من قطر التي تتقارب بشكل أوسع مع غرب ليبيا ومع دخول السعودية مؤخرًا في إطار تلك المعادلة والتنسيق مع طرابلس في إطار (اقتصادي)، أو حتى على صعيد شرق ليبيا والتقارب مع الإمارات، وهذا الأمر يُبرز التعاطي الأقرب للجانب الخليجي في الحرب الراهنة.
- تونس والتخوف من التغيرات الجذرية: بالنظر إلى الموقف التونسي فإنه يميل إلى تبني خطاب دبلوماسي حذر يستند إلى دعم مسار التهدئة ورفض التصعيد العسكري وأهمية التحرك وفق الأطر الدبلوماسية لمعالجة القضايا الخلافية، بما يعكس نهج تونسي يستند إلى الوقوف على مسافة متوازنة من الصراعات الإقليمية، خاصةً في إطار عدم رغبة تونس في استعداء “واشنطن” وتجنب ضغوطها تجاه ملف التطبيع.
ثالثأ- ارتدادات محتملة:
ثمة عدد من الانعكاسات المحتملة التي يمكن أن تُرتبها الحرب الحالية ما بين تأثيرات اقتصادية وأخرى سياسية واستراتيجية ويمكن توضيح ذلك في النقاط التالية:
- الضغط على الفاتورة الطاقية: أحد التداعيات المترتبة على الحرب الراهنة ارتفاع تكاليف الطاقة وعدم استقرار الأسواق المالية، ما يُمثل أبرز التحديات التي تواجه بعض دول الدائرة المغاربية خاصةً الدول التي تعتمد على استيراد الطاقة، ويأتي المغرب كأحد أبرز الدول المحتمل تأثرها بمجريات التصعيد الراهن، وذلك لما لها من تأثير اقتصادي مباشر على الاقتصاد المغربي، في ظل اعتماد “الرباط” على أسواق الطاقة والمواد الغذائية الخارجية، حيث يستورد المغرب أكثر من 90% من الاحتياجات الطاقوية، وتستورد من المملكة العربية السعودية نحو 36 ألف برميل يوميًا (وفقًا للتقديرات ديسمبر 2025) حيث تُعد في المرتبة الثالثة للصادرات النفطية للمغرب، فإن توقف (إنتاج أو التصدير) النفط السعودي مع الاضطرابات الراهنة في مضيق هرمز أو ارتفاع الأسعار في سعر برميل النفط، وتوقف تصدير الغاز في ضوء ما أعلنته بعض الشركات منها “قطر للطاقة” نتيجة حالة “القوة القاهرة” مثل قطر، سيؤدي إلى ذلك من ضغط على الفاتورة الطاقية ويؤثر على أسعار الوقود وعلى المستوى العام لأسعار السلع، وربما يُفضي ذلك إلى حالة من الاضطرابات المجتمعية.
وبالرغم من ذلك التأثير السلبي؛ فإن حالة الاضطرابات داخل الشرق الأوسط قد تُعزز من وضع المغرب كشريك تجاري رئيس للاتحاد الأوروبي جنوب البحر المتوسط وبما يُعزز من وتيرة الاستثمار الأوروبي في المغرب لتأمين خاصةً في مشاريع الربط الكهربائي وتصدير الهيدروجين الأخضر، وبما يؤمن سلاسل إمداد للجانب الأوروبي.
في حين أن هذا الأمر أقل تأثيرًا على ليبيا لما تحظى به من مقومات طاقوية مختلفة وهو الحال أيضًا بالنسبة للجزائر التي قد تٌحقق مكاسب نتيجة لتحريك أسعار الطاقة عالميًا في الوقت الراهن، ولكن على مستوى تونس فإن مخاوف تحريك أسعار النفط قد يكون لها تأثير بيد أن هذا الأمر قد يتم تداركه في ظل تعاقد تونس فعليًا مع الجزائر والدول الأوروبية فيما يتعلق بعقود التوريد، كما بيّنه وزير الدولة للطاقة التونسي بما يجعلها أقل عرضه للتأثير بتلك المتغيرات.
- تمدد إسرائيل الكبرى والمخاوف الجزائرية: الأمر الثاني وعلى المستوى الاستراتيجي؛ فإن ارتهان واشنطن لتفكيك معادلة الأمن الإقليمي بما يدعم استراتيجية “إسرائيل الكبري”؛ عبر تغيير النظام الإيراني ومساعي ضرب بنيته العسكرية بعدما قوضّت بشكل رئيس من مساحة تدخل وفعالية شبكاته (أذرعه) الإقليمية المختلفة، يأتي ليُعيد رسم خرائط النفوذ في الدائرة الشرق أوسطية. فلطالما كانت إيران تُشكل ضلعًا رادعًا لإسرائيل ومساعيها للتوسع الإقليمي، وترتيبًا للمشهد الراهن فإنه يُرسح المجال أمام تمدد “التحالف السداسي” الذي تتطلع إسرائيل لتشكيله وأُعلن عنه رسميًا خلال خلال زيارة رئيس وزراء الهند “مودي” إلى إسرائيل في نهاية فبراير 2026، ومن ثّم فإن خيارات ومساحات الحركة الجزائرية إقليميًا قد يُعاد صياغتها بما يضمن مصالح الجزائر (التي تجمعها علاقات استراتيجية تقليدية مع إيران) من ناحية وبما يؤمن تواجدها إقليميًا ضمن منظومة تتجاوز الإطار المغاربي في ضوء تصدع علاقاتها مع المغرب.
وهذا الأمر يأتي استجابة لتبدّل سياسة “واشنطن” تجاه إيران من مسار الاحتواء والتطويق عبر تجذير مسار اتفاقيات إبراهام بهدف تشكيل نطاقًا (حيزًا) للتعاون العربي الإسرائيلي يناوئ الجانب الإيراني، وذلك خلال فترة الرئيس “ترامب” الأولى وتحديدًا بنهاية ولايته (2020)، إلى الاستهداف المباشر وتفكيك الأذرع وهو ما تجلى بوضوح خلال الولاية الثانية له وصولاً إلى هدف تغيير النظام الإيراني سواء عبر الضغط من الداخل (الذي فشّل) أو عبر الحرب كما يُجرى الآن. ومن ثّم فإن الموقف الحذر الجزائري يأتي تحسبًا لإعادة رسم خرائط النفوذ في الدائرة الشرق أوسطية والتوازنات المختلفة.