يحتفل العالم سنويًا في الثامن عشر من مايو باليوم العالمي للمتاحف، وهو اليوم الذي حددته المنظمة العالمية للمتاحف (الأيكوم) منذ عام 1977، وفيه يتم الحديث حول: نشأة المتاحف، أهم القضايا التي تتعلق بها، كما يدور الحديث حول فكرة نشأة المتحف في الحضارات القديمة، ويتجاهل البعض من خلال عرضهم لتأصيل نشأة المتاحف أن حضارة مصر القديمة قد سبقت الجميع في فكرة العرض المتحفي، وصيانة الآثار.
تُمثل مصر وحضارتها أحد أهم -إن لم تكن الأهم- المتاحف المفتوحة في العالم، حيث إنها تكاد تكون البلد الوحيد التي يمتلك عِلمًا باسمها (الإيجبتولوجي = علم المصريات) وكان الملك المصري منذ أقدم العصور يتعهد أمام الأرباب بالحفاظ على الآثار فيقول: “ما دامت السماوات والأرض، ستدوم آثاري على الأرض”.
يعتقد البعض أن تراث المصري القديم الذي تحتفظ به المتاحف بدأ مع العصور الحديثة، ولكن هذا ليس أمرًا سليمًا، حيث ترك الأجداد تراثًا يدل على حفظهم ورعايتهم لتراث من سبقهم، بل وعملوا على عرض هذه الآثار لتكون بمثابة متحف مفتوح للآثار المصرية. وكان أيمحتب المعماري الأشهر، الذي اعتبره اليونانيون معبودًا للحكمة والطب، قد أقام للملك زوسر في سقارة مصطبة مدرجة وعناصر معمارية رائعة أصبحت متحفًا في عصر الدولة الحديثة، حيث كان الأشخاص يقومون بزيارتها ويتركون كتابات تعبر عن الإعجاب بالعمل الفني والمعماري الرائع.

نموذج لجرافيتي الزوار في سقارة
مع وصول الملك رمسيس الثاني إلى عرش مصر لم يعمل فقط على حماية مصر وتأمين أراضيها من كل غاصب أو معتد، بل امتد الاهتمام بالأعمال التراثية، والعرض المتحفي حيث قام الملك بالحفاظ على آثار أجداده، وكان كثيرًا ما يذكر عبارة (لقد قام الملك بتجديد آثار أبيه….)، ويبدو أن الأمر لم يكن حدثًا فرديًا لكنه انتقل إلى ابنه الأمير خعمواست الذي كان يزور آثار أجداده، ويترك إشارة أنه حدد ووضع أسوارًا لحمايتها، ونجد اسمه مرممًا ومحافظًا على تراث الملك خفرع (من ملوك الأسرة الرابعة) والملك ونيس (من ملوك الأسرة الخامسة) على سبيل المثال، ويرى بعض المؤرخين أن خعمواست هو أول مرمم ومدير عرض متحفي، بل ويتجه البعض إلى أنه المؤسس الأول لعلم المصريات.

الأمير خع ام واست ابن رمسيس الثاني
مع وصول البطالمة إلى حكم مصر عام 305 قبل الميلاد، سعوا إلى الاستمرار في فكرة العرض المتحفي والحفاظ على الآثار؛ فقاموا بتأسيس أول مكتبة حكومية (مكتبة الإسكندرية) وبداخلها قاموا بتأسيس الموزيوم (مركز الفنون والأداب والذي ترعاه بنات زيوس ربات الفنون التسعة) والذي اشتقت منه كلمة Museum ومترادفاتها والتي تعني المتحف.
وفي خلال العصرين البطلمي والروماني كانت بعض المدن المصرية بمثابة متحف مفتوح، ومن أهمها الإسكندرية التي ذكرها عمرو بن العاص عام 641 ميلادية بأنها مدينة عجيبة بها 400 مسرح ومكان ثقافي.
وخلال القرن التاسع عشر، سبقت مصر العالم أجمع بتأسيس فكرة المتحف في العصر الحديث حين قام محمد علي مستغلًا الخلاف مع قنصل فرنسا في مصر آنذاك ميمو (كان هذا الشخص مولعًا بتجارة الآثار المصرية) بإصدار أول مرسوم من والي مصر بإنشاء متحف للآثار المصرية، وعهد بإدارته إلى رفاعة رافع الطهطاوي ويوسف ضياء أفندي.
وللحفاظ على الآثار تم تأسيس متحف الأزبكية، وهو أول متحف مصري في العصر الحديث. وبعد وفاة محمد علي عام 1848 تم نقل الآثار إلى القلعة، وتتداول المصادر حرص بعض حكام أوروبا على اقتناء الآثار المصرية مثل الأرشيدوق ماكسيميليان ولي عهد النمسا الذي زار مصر في عهد سعيد باشا، ونقل مجموعة من الآثار المصرية إلى بلاده.
عام 1850 وصل إلى مصر أوجست مارييت أمين متحف اللوفر وذلك لشراء مجموعة من المخطوطات القبطية، ولكنه كشف بالصدفة عن سيرابيوم سقارة، فأبرق إلى بلاده طالبًا البقاء في مصر للكشف عن المزيد من الآثار المصرية، ووافقت فرنسا على طلبه، وبدأت الآثار المصرية تُنقل إلى فرنسا حتى أدرك الخديوي إسماعيل خطورة الأمر فقرر إنشاء متحف للآثار المصرية في بولاق (مكان متحف المركبات الملكية) وظل المتحف يؤدي وظيفته حتى جاء الفيضان مرتفعًا فأغرق عددًا غير قليل من الآثار. وفي عام 1882 تم الكشف عن خبيئة المومياوات الملكية في الأقصر، ولم يكن متحف بولاق يملك المساحة الكافية لعرض المومياوات فقررت الأميرة فاطمة إسماعيل أن تنقل الآثار إلى قصرها في الجيزة (بجوار حديقة الحيوانات وكلية الهندسة جامعة القاهرة)، وهو المكان المعروف في المصادر التاريخية بمتحف سراي الجيزة.
وفي عام 1897 قام الخديوي عباس حلمي الثاني، بإنشاء المتحف المصري في ميدان الإسماعيلية (ميدان التحرير)، ولم يكن الأمر مجرد منشأة، بل أعجوبة وضع تصميمها المهندس الفرنسي “مارسيل دورنون” معتمدًا على تراث مصر عبر العصور فجمع بين واجهة المعبد المصري والعبودات مثل حتحور وايزيس، وبين أقواس النصر التي تميزت بها العمارة الرومانية، فخرج المتحف كإحدى أعظم المنشآت المعمارية. ويكفي أن نعلم أن هذا المبنى كان الأول من نوعه الذي تأسس من البداية ليكون متحفًا.
في 15 نوفمبر 1902 افتتح المتحف المصري كأكبر متحف في العالم يضم آثار حضارة واحدة، حيث يحوي أكثر من 120 ألف قطعة معروضة في طابقين، الطابق السفلي يسير باتجاه تاريخي فيبدأ من عصر ما قبل التاريخ ثم الدولة القديمة، الدولة الوسطى والدولة الحديثة، ومجموعة العمارنة، ثم يكتمل بالعصر المتأخر واليوناني الروماني. أما الطابق العلوي فكان يضم مجموعات متكاملة مثل كنوز يويا وتويا (أجداد أخناتون).
كان أول مدير مصري للمتحف هو الأستاذ محمود حمزة، وسبقه في إدارة الآثار من المصريين أحمد باشا كمال (1851-1923) أول معلم للغة المصرية القديمة، ومؤسس مدرسة الآثار العليا، وينسب له الكشف عن مومياوات البر الغربي (محفوظة بالمتحف المصري).

أحمد باشا كمال

واجهة المتحف المصري

رفاعة الطهطاوي
مع بداية الجمهورية الجديدة (2014) بدأت فكرة المتحف تعود وبقوة فقامت مصر بالعمل على تأسيس بعض المتاحف، وظهرت فكرة المتاحف الإقليمية مثل متحف شرم الشيخ ومتحف الغردقة، ومن بعدها بدأ تحريك المياه الراكدة لبعض المتاحف فقامت مصر بالعمل على إكمال متحف الحضارة الذي وضع حجر أساسه عام 2001، فقامت الدولة بإكمال المشروع وتطوير المنطقة حوله ليمثل المتحف بانوراما لحضارة مصر، ورابطًا من خلال موقعه بين الفسطاط أول عاصمة إسلامية على أرض مصر، وكنيسة أبو سرجة إحدى أهم محطات استقرار العائلة المقدسة على أرض مصرن، ويعرض فيه عرض متحفي متميز لمومياوات ملوك مصر العظام.
ثاني المتاحف العظيمة الذي يؤكد حقيقة أن مصر هي الدولة الأولى في العالم تأسيسًا للمتاحف، هو المتحف المصري الكبير الذي يمثل أعجوبة معمارية تمتد لمساحة 500 ألف متر مربع، ويضم بهوًا مساحته 7000 متر مربع، ودرجًا عظيمًا مساحته 600 متر مربع، وبانوراما تطل على الأهرامات لتؤكد جمهورية مصر الجديدة أن عجائب الدنيا العظيمة في مصر لم تتوقف عند هرم الملك خوفو، ولكنه أرسل ضياءه لينير موقعًا جديدًا هو الأكبر في العصر الحديث الذي يحوي آثار حضارة واحدة.
إن مصر صاحبة الريادة في جميع متاحف العالم، ولا يكاد يخلو متحف من آثار مصرية، بل إن بعض المتاحف تبني شهرتها على آثار مصر، فمتحف بوسطن في الولايات المتحدة يفخر بأنه يضم آثارًا من الدولة القديمة أكثر من المتاحف المصرية في بلادنا، وذلك بفضل ما نقله جورج ريزنر إلى هناك، وآخرون قاموا باستخدام أدوات حادة لنقل قطع من الأسقف وأشهرها الزودياك الشهير بدندرة عام 1821، ورأس نفرتيتي التي نقلها بورخاردت.
إن ما تمت الإشارة إليه قليل، فالآثار المصرية موجودة بكثرة في متاحف وبيوت كثير من الدول التي وقعت في غرام الحضارة المصرية؛ فامتدت أياديهم إلى آثارها تنال منها، ورغم ذلك ظلت وستظل مصر بحق المتحف المفتوح الأول في العالم.
مدير وحدة دراسات حضارة مصر
