هل تتجه تونس نحو الفوضى؟

عضو الهيئة الاستشارية

منذ أشهر والأزمة السياسية فى تونس قاب قوسين او أدنى من قيادة البلاد نحو العبث والفوضي، خاصة فى ظل تفشى وباء كورونا، وما ترتب عنه من تداعيات اقتصادية واجتماعية، أخفقت الحكومة فى مواجهتها بسبب غياب الرؤية والبرنامج وعدم القدرة على القيادة واتخاذ القرار. يمكن تلخيص الوضع السياسى المأزوم فى تونس فى مجموعة من النقاط، أولا: عدم التقدم على مستوى بناء المؤسسات الدستورية، ومنها المحكمة الدستورية، باعتبارها حجر الزاوية لاى نظام ديمقراطى. ويعود لهذه الهيئة النظر فى دستورية القوانين التى يقرها البرلمان، وهى المخولة حصرا الحسم فى الخلاف حول تأويل الدستور والنزاعات السياسية. وعلى الرغم من نجاح التونسيين فى 2014 فى…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

منذ أشهر والأزمة السياسية فى تونس قاب قوسين او أدنى من قيادة البلاد نحو العبث والفوضي، خاصة فى ظل تفشى وباء كورونا، وما ترتب عنه من تداعيات اقتصادية واجتماعية، أخفقت الحكومة فى مواجهتها بسبب غياب الرؤية والبرنامج وعدم القدرة على القيادة واتخاذ القرار. يمكن تلخيص الوضع السياسى المأزوم فى تونس فى مجموعة من النقاط، أولا: عدم التقدم على مستوى بناء المؤسسات الدستورية، ومنها المحكمة الدستورية، باعتبارها حجر الزاوية لاى نظام ديمقراطى. ويعود لهذه الهيئة النظر فى دستورية القوانين التى يقرها البرلمان، وهى المخولة حصرا الحسم فى الخلاف حول تأويل الدستور والنزاعات السياسية. وعلى الرغم من نجاح التونسيين فى 2014 فى صياغة دستور جديد، فإنهم لم يتمكنوا من انتخاب سوى عضو واحد من أصل 12 عضوا فى المحكمة الدستورية، ويفترض أن يختار البرلمان أربعة منهم، ويعين الرئيس أربعة آخرين، وينتخب المجلس الأعلى للقضاء الأربعة الباقين. فى نهاية شهر مارس الماضي، حاول مجلس النواب تمرير تعديلات فى القانون لتسهيل عملية انتخاب الأعضاء، لكن الرئيس التونسى رفض هذه التعديلات واعتبرها غير قانونية وجاءت بعد الآجال الدستورية. ومع غياب الثقة بين رئاسة الدولة ورئاسة البرلمان، وبين الفرقاء السياسيين، يبدو فعلا ان الظرف الراهن ليس مناسبا لتأسيس محكمة دستورية تكون لها النزاهة الكافية والثقة الكاملة من قبل المجتمع التونسي. ثانيا، احتدام الخلافات بين السلطات الثلاث فى البلاد، والتى ظهرت فى الحياة السياسية فى تونس منذ إقرار الدستور. وقد تعمدت حركة النهضة، بمشاركة قوى أخرى، تفخيخ هذا الدستور بالعقبات القانونية، وتشتيت الصلاحيات. وهو ينص على نظام سياسى هجين بين البرلمانى والرئاسى.بالإضافة الى الصراع بين مؤسسة البرلمان، الذى يترأسه النهضة، والرئاسة، بقيادة قيس سعيد، ادى تفاقم الخلافات بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة، هشام المشيشي، المدعوم من قبل حركة النهضة، الى أزمة سياسية غير مسبوقة تهدد بانهيار التجربة الديمقراطية الوليدة فى تونس.وعلى الرغم من أن صراعات كهذه طالما ميزت الدول الديمقراطية فى مهدها، الا ان تبعات المخاض الديمقراطى فى تونس تبدو أشد تأثيرا على النسيج الاجتماعى وبنية الاقتصاد. لا تبدو هناك أى بوادر انفراج لتعديل النظام السياسي. فعلاقات القوى السياسية لا تشير إلى إمكانية نجاح أحد الطرفين فى زحزحة الوضع القائم،سواء فى اتجاه التحول نحو النظام الرئاسى كما يريد قيس سعيد، أو النظام البرلمانى الكامل كما يريد راشد الغنوشي. هذا يعنى طول امد الازمة وتفاقم الاوضاع فى ظل غياب نص قانونى حاسم، وعدم وجود محكمة دستورية تتخذ القرار النهائي، مقابل غياب الحوار بين الأطراف المتنازعة. وإذا كان الرئيس قيس سعيد يرى ان حركة النهضة استغلت فصول الدستور للهيمنة على البلاد وفرض أجنداتها، فإن حركة النهضة ترى بأن الرئيس يسعى للعودة الى الحكم الفردي. ثالثا، شتات البرلمان وانعدام الثقة بين الفاعلين السياسيين، وتغليب المصالح الحزبية على حساب مصلحة الوطن، وهيمنة ثنائية الاعلام والاعلام المضاد وكلاهما مشحون بالتشكيك والكراهية. والأكيد أن استمرار أجواء عدم الثقة بين الفرقاء السياسيين لن يخدم مطلب التوافق المأمول والمطلوب للخروج من عنق الزجاجة. عناصر الأزمة فى تونس متعددة ومتداخلة بين مؤسسات الدولة والأحزاب السياسية والمجتمع المدني، وعناصر الازمة متشعبة بين ما هو سياسى واقتصادى واجتماعى وصحي، وكل عنصر كفيل بإحداث انفجار قد لا تحمد عقباه.

ــــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، ١٥ يوليو ٢٠٢١.

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب