وحدة الدراسات العربية والإقليمية

أزمة كاشفة… كورونا تزيح الستار عن عوامل ضعف الحكومة التونسية

جاء فيروس كورونا ليسلط الضوء على أزمة سياسية واقتصادية عميقة في تونس، كما إنه جاء ليكشف عن جذور مواطن الضعف في النظام التونسي؛ إذ تسجل الدولة الواقعة في شمال أفريقيا أعلى حصيلة إصابات يومية لوباء كورونا في العالم العربي حاليًا. كما تعتبر الجائحة من أحد الأسباب الهامة التي أطاحت بالحكومة والبرلمان بعد احتجاجات اجتماعية واسعة رد عليها رئيس الجمهورية “قيس سعيد” بتجميد البرلمان وإعفاء رئيس الحكومة من مهامه. وبناء على ذلك، يحاول هذا التقرير استعراض الوضع الوبائي في تونس، مع تحليل أهم أسبابه وتداعياته على الاقتصاد المحلي. تطور انتشار فيروس كورونا  سجلت تونس خلال شهر يوليو الجاري أعلى حصيلة للوفيات…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

جاء فيروس كورونا ليسلط الضوء على أزمة سياسية واقتصادية عميقة في تونس، كما إنه جاء ليكشف عن جذور مواطن الضعف في النظام التونسي؛ إذ تسجل الدولة الواقعة في شمال أفريقيا أعلى حصيلة إصابات يومية لوباء كورونا في العالم العربي حاليًا.

كما تعتبر الجائحة من أحد الأسباب الهامة التي أطاحت بالحكومة والبرلمان بعد احتجاجات اجتماعية واسعة رد عليها رئيس الجمهورية “قيس سعيد” بتجميد البرلمان وإعفاء رئيس الحكومة من مهامه.

وبناء على ذلك، يحاول هذا التقرير استعراض الوضع الوبائي في تونس، مع تحليل أهم أسبابه وتداعياته على الاقتصاد المحلي.

تطور انتشار فيروس كورونا 

سجلت تونس خلال شهر يوليو الجاري أعلى حصيلة للوفيات بسبب فيروس كورونا؛ إذ وصل عدد ضحايا الوباء إلى 4164 مواطنًا في شهر واحد، ليرتفع بذلك عدد الوفيات بسبب فيروس كورونا منذ ظهوره في تونس في مارس من العام الماضي إلى أكثر من 19 ألف حالة وفاة، وفيما يلي عرضًا لتطور أعداد الإصابات بفيروس كورونا خلال عامٍ ونصف تقريبًا.

الشكل (1): إجمالي الإصابات بفيروس كورونا في تونس

يتضح من الشكل السابق ارتفاع عدد إصابات فيروس كورونا في البلاد بشكل مطرد ومستمر منذ الثاني من مارس 2020 –حينما سجلت أول إصابة- وحتى العشرين من يوليو الجاري والذي سجل 578.962 ألف حالة، وهي نسبة كبيرة مقارنة بعدد السكان

الشكل (2): إجمالي وفيات فيروس كورونا في تونس

يوضح الشكل ارتفاع أعداد وفيات فيروس كورونا بوتيرة سريعة للغاية في تونس؛ إذ وصل عدد الوفيات إلى 19.027 ألف حالة بحلول الحادي والعشرين من يوليو الجاري مقارنة بحالة واحدة فقط في العشرين من مارس 2020.

أسباب تفاقم الجائحة 

يعود تفاقم أزمة كورونا في تونس بصورة أعمق عما عليه في باقي الدول العربية إلى العديد من الأسباب التي يُمكن تلخيصها على النحو الآتي:

1.تدهور النظام الصحي: أعلنت المتحدثة باسم وزارة الصحة التونسية إن القطاع الصحي يشهد حالة انهيار في ظل التفشي الكبير للسلالات المتحورة لفيروس كورونا وتضاعف الإصابات، مما أدى إلى امتلاء أسرّة الإنعاش بنحو 95%، وأسرّة الأوكسجين بحوالي 90%. وفيما يلي توضيحًا لعدد أسِرَّة المستشفيات في تونس:

الشكل (3): عدد أسِرَّة المستشفيات (لكل 1000 مواطن)

يتبين من الرسم السابق استقرار عدد أسرة المستشفيات لكل ألف مواطن عند متوسط يبلغ 2.16 سرير فقط منذ عام 2010 وحتى 2017، وهو ما يعتبر نسبة ضئيلة للغاية مقارنة بعدد السكان المتزايد، والذي يُمكن عرضه من الرسم التالي:

الشكل (4): عدد السكان في تونس

يتبين من الرسم السابق ارتفاع عدد السكان في تونس إلى 11.82 مليون نسمة بحلول نهاية 2020 مقارنة مع 10.64 مليون نسمة في 2010، وهو ما يبين ارتفاع مواليد تونس بوتيرة ثابتة نسبيًا.

2.بطء عملية التلقيح: لم  يحصل سوى 950 ألف تونسي على تطعيم كامل من إجمالي السكان، ويُمكن أن يؤكد الرسم التالي على بطء عملية التلقيح رغم انتشار الفيروس:

الشكل (5): توزيع لقاحات كورونا لمواطني تونس

يتضح من الرسم السابق أن 8.2% فقط من إجمالي السكان في تونس تلقوا تلقيحًا كاملًا ضد كورونا بحلول الخامس والعشرين من يوليو الجاري، في حين تلقى 14.5% من إجمالي السكان جرعة واحدة من اللقاح. 

3.الانشغال بالأزمات السياسية: تتسم تونس بعدم استقرار المشهد السياسي مع وجود توترات عديدة بين مختلف السلطات خاصة التشريعية والتنفيذية مما ساهم في انشغال الحكومة بحل الأزمات السياسية وما ترتب عليها من أزمات اقتصادية بعيدًا عن متابعة الأوضاع الصحية ودون وضع خطط تنموية مستدامة تعزز دور القطاعات التونسية.

4.قرارات متأخرة: اتخذت تونس في بداية أزمة كورونا قرارات مماثلة لما اتخذته جميع دول العالم من إجراءات احترازية كفرض حظر التجوال والتباعد الاجتماعي وتعليق حركة الطيران، ولكنها لم تكن قرارات كافية للحد من سرعة انتشار الفيروس أو تخفيف آثاره الصحية والاقتصادية, ورغم ذلك، بدأت الحكومة في وقت متأخر للغاية من بداية انتشار الأزمة في اتخاذ خطوات جديدة وجدية لمواجهة الأزمة، من بينها:

• إقالة رئيس الحكومة “هشام المشيشي”، وزير الصحة “فوزي مهدي”، في الحادي والعشرين من يوليو, من منصبه وسط تبادل اتهامات بشأن أداء الأجهزة الصحية وإنهاك النظام الصحي في البلاد وبطء وتيرة حملة التطعيم.

• إعلان الرئيس “قيس سعيد” تسليم إدارة ملف الحرب ضد وباء كورنا وتوزيع التطعيمات في مختلف جهات تونس للجيش الوطني الذي تولى توزيع أسطوانات الأوكسجين على المستشفيات والإشراف على وصول التطعيمات لكل التونسيين في مدن تونس وأريافها وقراها، وهو ما يدل على فشل الحكومة في إدارة الأزمة.

• إصدار الرئيس قرارًا ثانيًا في الثامن والعشرين من يوليو بإنشاء قيادة عمليات لإدارة الجائحة ليتم تنسيق مهامها مع وزارة الداخلية، تحت قيادة المدير العام للصحة العسكرية، وتضم ممثلين عن وزارات الدفاع الوطني والداخلية والشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج والصحة والنقل والشؤون المحلية والبيئة. ومن المقرر أن تتمثل مهام تلك القيادة في متابعة تطور الوضع الصحي بالبلاد الناتج عن الوباء، ومتابعة مدى تطبيق الإجراءات الصحية والقرارات الصادرة لمجابته، ومتابعة المخزون الاستراتيجي للمستلزمات الطبية من مواد صيدلانية ومعدات طبية وغيرها، ومتابعة تنفيذ الإستراتيجية الوطنية للتلقيح.

5.الاعتماد على المساعدات الخارجية: اضطرت تونس إلى الاستناد على المساعدات الطبية الخارجية في مواجهة أزمة كورونا دون اتخاذ قرارات لإصلاح المنظومة الصحية؛ وجاءت أبرز المساعدات الدولية من الجهات الآتية:

• إرسال مصر 3 طائرات عسكرية منتصف يوليو الجاري محملة بإطنان من الأدوية والأجهزة والمستلزمات الطبية.

• استلام نحو 500 ألف جرعة لقاح ضد كورونا مقدمة من الإمارات في الثالث عشر من يوليو الجاري، فضلًا عن عدد مماثل تقريبًا من الصين.

• استلام 310 أسطوانات تحتوي على مليون لتر من الأكسجين ممنوحة من الولايات المتحدة الأمريكية في السابع والعشرين من يوليو.

• الحصول على مساعدات من السعودية تشتمل على تأمين مليون جرعة من لقاح كورونا، و190 جهاز تنفس اصطناعي، و319 جهازا مكثفا للأكسجين، و150 سريرا طبيا، كما تشتمل على 4 ملايين كمامة طبية، و500 ألف قفاز طبي، و180 جهاز قياس للنبض.

• إرسال الجزائر حوالي 250 ألف جرعة من اللقاح للشعب التونسي.

• بدء إيطاليا وإسبانيا وسويسرا منذ منتصف يوليو في شحن وإرسال مساعدات طبية لتونس بينما تعتزم فرنسا إرسال حوالي مليون جرعة لقاح ومساعدات طبية.

تداعيات اقتصادية خطرة

وجه فيروس كورونا واحدة من أقوى الضربات التي تلقاها الاقتصاد التونسي منذ قيام ثورة 2011؛ إذ  سجل الاقتصاد انكماشًا غير مسبوقًا خلال العام الماضي مع ارتفاع معدل البطالة والتضخم وتزايد عجز الموازنة فضلًا عن تعطيل حركة قطاع السياحة الذي يعتبر أحد الأعمدة الرئيسية لتونس.

1.انكماش اقتصادي: تراجع الناتج المحلي الإجمالي في تونس بنحو 8.8% خلال 2020 بضغطٍ من تداعيات كورونا على النشاط الاقتصادي ودخل الأسر، وهو ما يُبينه الرسم التالي:

الشكل (6): معدلات النمو الاقتصادي 

2.ارتفاع معدل البطالة: شهد عام كورونا حالة عامة من تسريح العمالة والتوقف عن خلق فرص عمل جديدة أو افتتاح شركات جديدة لاسيما في ظل هروب الاستثمارات الأجنبية من البلاد وعزوف المستثمرين عن إطلاق عن مشروعات جديدة، وفيما يلي عرضًا لمعدلات البطالة خلال 10 سنوات:

الشكل (7): تطور معدل البطالة

يتبين مما سبق ارتفاع معدلات البطالة في تونس خلال العام الماضي إلى 16.69% مقابل 15.13% خلال 2019، بنسبة ارتفاع تقدر بنحو 1.56%. ويُمكن ملاحظة أن معدل البطالة بدأ من الاقتراب من مستويات عام 2011 والذي شهد أعلى مستوياته خلال الفترة محل الدراسة.

3.تدهور القطاع السياحي: يعتبر قطاع السياحة من أهم القطاعات العاملة في الاقتصاد التونسي؛ ففي الوقت الذي يساهم فيه قطاع الخدمات بنحو 51% من إجمالي العمالة في الدولة يساهم قطاع السياحة بالجزء الأهم منها سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، كما وصلت نسبة مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2019 إلى نحو 13.9%، وفقاً للمنظمة العربية للسياحة. وقد شهد القطاع السياحي أزمة اعتبرت الأكثر صعوبة في تاريخه، حيث أدت القيود على السفر وحركة الطيران إلى إغلاق أغلب الفنادق وخسارة عشرات الآلاف في القطاع وظائفهم؛ إذ أوضحت نقابة السياحة أن القطاع سجل أعلى نسبة بطالة خلال فترة انتشار فيروس “كورونا”، وكان من أكثر الأنشطة تضرراً من هذه الجائحة، وهو ما يُمكن التدليل عليه من الشكلين التاليين:

الشكل (8): تطور أعداد السائحين إلى تونس

يتضح من الشكل السابق تراجع عدد السائحين القادمين إلى مليوني سائح خلال 2020 مقارنة مع 9.43 مليون سائح، وهو المستوى الأعلى خلال عشر سنوات. أما عن إيرادات القطاع، فيُمكن عرضها على النحو الآتي:

الشكل (9): إيرادات القطاع السياحي (مليار دولار)

يتضح من الشكل السابق أن إيرادات القطاع السياحي تراجعت إلى 732 مليون دولار خلال عام الجائحة مقارنة مع 2.68 مليار دولار خلال 2019، وهو ما يمثل تراجعًا بنحو 72.6% على أساس سنوي. أما عن الأداء الفصلي، تراجعت العائدات السياحية بنسبة 55% خلال الربع الأول من هذا العام مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2020، لتبلغ نحو 162 مليون دولار.

وفي الختام، ينبغي الإشارة إلى أن فيروس كورونا جاء ليكشف عن الخلل الحادث في النظام التونسي إلى جانب العديد من العوامل الأخرى والتي أدت جميعها في الأخير إلى زيادة الأعباء المُلقاة على المواطنين والشعب داخل البلاد.

نقلا عن إصدار تونس .. تصحيح المسار “خريف النهضة “
بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة