وحدة الدراسات الاقتصادية

استقرار معدلات البطالة في مصر في عام الجائحة

تأثر سوق العمل بفيروس كورونا خلال العام الماضي؛ إذ أسفرت الإجراءات الاحترازية المتمثلة في قرارات الإغلاق وحظر التجوال المترتبة على انتشار الوباء عن انخفاض كلٍّ من معدلات إنتاج ومبيعات الشركات، مما ساهم في هبوط مستويات الأرباح وزيادة الضغوط المالية المفروضة على المؤسسات، ولهذا بدأ معظمها في اتخاذ العديد من القرارات، بهدف تقليل حجم الخسائر وتعزيز السيولة النقدية، وكان أبرزها تسريح العمالة، أو خفض الأجور، أو التوقف عن تعيين أي موظفين جدد. وبناء على ذلك، تراجع عدد ساعات العمل عالميًا خلال 2020 بنحو 8.8%، وهو ما يُعادل 255 مليون وظيفة بدوام كامل، ويُعد هذا التراجع أكبر بأربعة أضعاف مما كان عليه…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تأثر سوق العمل بفيروس كورونا خلال العام الماضي؛ إذ أسفرت الإجراءات الاحترازية المتمثلة في قرارات الإغلاق وحظر التجوال المترتبة على انتشار الوباء عن انخفاض كلٍّ من معدلات إنتاج ومبيعات الشركات، مما ساهم في هبوط مستويات الأرباح وزيادة الضغوط المالية المفروضة على المؤسسات، ولهذا بدأ معظمها في اتخاذ العديد من القرارات، بهدف تقليل حجم الخسائر وتعزيز السيولة النقدية، وكان أبرزها تسريح العمالة، أو خفض الأجور، أو التوقف عن تعيين أي موظفين جدد. وبناء على ذلك، تراجع عدد ساعات العمل عالميًا خلال 2020 بنحو 8.8%، وهو ما يُعادل 255 مليون وظيفة بدوام كامل، ويُعد هذا التراجع أكبر بأربعة أضعاف مما كان عليه خلال الأزمة المالية العالمية في عام 2009. 

ولم تكن مصر بمعزل عن هذا المشهد، حيث ألقت تداعيات كورونا بظلالها على سوق العمل المحلي خلال الربع الثاني من العام في ظل ذروة انتشار الفيروس، ولكن سرعان ما استقرت معدلات البطالة بحلول نهاية العام، وهو ما سيحاول المقال الآتي إلقاء الضوء عليه.

سوق العمل المصري خلال 2020

استطاعت مصر أن تحقق استقرارًا في معدل البطالة خلال 2020 عند نفس المعدل المحقق في العام السابق، وفقًا للتقرير السنوي لبحث القوى العاملة الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، حيث بلغت قوة العمل نحو 28.458 مليون فرد، من بينهم 23.684 مليون ذكر، و4.774 مليون أنثى.

وقد بلغت قوة العمل في الحضر حوالي 12.495 مليون فرد، في حين سجلت في الريف حوالي 15.963 مليون شخص، بينما بلغ عدد المتعطلين 2.259 مليون فرد. وعلاوة على ذلك، وصلت نسبة المتعطلين الذين سبق لهم العمل من إجمالي المتعطلين إلى 58.3% ارتفاعًا من 31.3% خلال 2019. وفيما يلي عرض لتطور أهم مؤشرات سوق العمل المصري على مدار السنوات القليلة الماضية.

الشكل (1): قوة العمل المصرية (مليون شخص)

من الشكل السابق، يُمكن القول إن عدد المتعطلين قد انخفض منذ عام 2014 وحتى 2020 بنحو 39.5%، في حين ارتفع عدد المشتغلين بحوالي 7.4% مسجلًا 26.1 مليون شخص من إجمالي قوة العمل البالغة 28.4 فرد، وبناء عليه تطورت معدلات البطالة كما يتضح من الشكل الآتي:

الشكل (2): معدل البطالة سنويًا (%)

المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، النشرة السنوية المجمعة لبحث القوى العاملة.

يتضح من الشكل السابق تراجع معدل البطالة بوتيرة مستمرة منذ عام 2014 وحتى العام الماضي بنحو 5.1% مع استقرارها خلال 2020 عند 7.9% رغم تداعيات كورونا وذلك بفضل اتخاذ العديد من الإجراءات الهادفة لدعم العمال والموظفين أثناء الجائحة، وهو ما سنتعرض له لاحقًا. وبلغ معدل البطالة في الحضر 11.4% مقابل 5.2% في الريف. ولعرض تأثير الوباء على سوق العمل، يُمكن الاستعانة بالشكل الآتي:

الشكل (3): معدل البطالة فصليًا (%)

يتبين من الشكل السابق ارتفاع معدل البطالة الفصلي خلال الربع الثاني من 2020 إلى أعلى مستوياته خلال العام عند 9.6% مقارنة مع 7.7% خلال الربع السابق له، و7.5% خلال الربع نفسه من عام 2019. ويرجع هذا الارتفاع إلى إغلاق الأعمال في البلاد وفرض قرارات حظر التجوال، وتعليق حركة السياحة والسفر وغيرها من الإجراءات الاحترازية. ولكن مع بدء تخفيف هذه القرارات وعودة الأنشطة اليومية المعتادة لطبيعتها، تراجع معدل البطالة إلى 7.3% خلال الربع الثالث و7.2% خلال الربع الرابع من العام نفسه.

تداعيات كورونا على المرأة العاملة المصرية

جاء فيروس كورونا ليفاقم العقبات أمام مشاركة المرأة المصرية في سوق العمل؛ إذ تُعد النساء من أكثر الفئات المتضررة من التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الجائحة بضغطٍ من آثار الإجراءات الاحترازية والتباعد الاجتماعي السلبية على الوظائف في قطاع الخدمات وأنشطة القطاع غير الرسمي، اللذين تشكل النساء نسبة كبيرة من العاملين فيهما.

كما ساهم قرار وقف الدراسة وإغلاق المدارس والحضانات التي كانت تتيح للأمهات الذهاب للعمل في مضاعفة التأثير السلبي للوباء، حيث وجدت العديد من النساء صعوبة بالغة في التوفيق بين العمل ومتطلبات الأسرة بعد تطبيق تلك الإجراءات. وقد انعكس ذلك على معدلات البطالة بين الجنسين، والتي يوضحها الشكل الآتي:

الشكل (4): معدلات البطالة الفصلية وفقًا للنوع

يتبين من الشكل البياني السابق وجود فارق ملحوظ بين معدلات البطالة للذكور والإناث لصالح الذكور، حيث بلغ متوسط معدل البطالة بين الإناث خلال الفترة المذكورة سلفًا نحو 22.87%، في حين بلغ المتوسط بين الذكور نحو 7.59%. أما عن معدلات المساهمة في النشاط الاقتصادي، فيُمكن عرضها على النحو الآتي:

الشكل (5): معدلات المساهمة في النشاط الاقتصادي سنويًا

باستعراض تطور معدلات المساهمة تبين انخفاض معدل مساهمة الإناث في النشاط الاقتصادي طوال الفترة محل الدراسة مقارنة بالذكور؛ إذ بلغ متوسط مشاركة الإناث نحو 19.25% في النشاط الاقتصادي مقابل متوسط مشاركة الذكور عند 68.2% بفارق يبلغ 48.95% بين الجنسين.

كيف دعمت الدولة سوق العمل في ظل الجائحة؟

استطاعت مصر أن تحافظ على استقرار معدلات البطالة خلال عام انتشار فيروس كورونا بدعم من الجهود المبذولة من الحكومة أو البنك المركزي أو المبادرات الرئاسية، مما ساهم في تخفيف أعباء الوباء عن كاهل العمال والموظفين.

وزارة القوى العاملة:

استطاعت وزارة القوى العاملة أن تساهم في تشغيل 221.808 ألف راغب في العمل بسوق العمل الداخلي، من بينهم 2318 من ذوي القدرات الخاصة، مع توفير 102.390 ألف فرصة عمل بمنشآت القطاع الخاص، كما تم عقد ملتقيين لتوظيف شباب محافظتي القاهرة وبورسعيد ساهما في توفير 5.789 ألف فرصة عمل، فضلًا عن اعتماد 17.844 ألف تأشيرة وعقد عمل بالخارج.

يأتي هذا في حين بلغت المبالغ الموجهة من صندوق إعانات الطوارئ للعمال نحو 769.399 مليون جنيه لحوالي 364.261 ألف عامل في 3738 شركة متعثرة ومتضررة من كورونا. وعلاوةً على ذلك، تم إبرام 58 اتفاقية عمل جماعية استفاد منها 25.785 ألف عامل، وإنشاء غرفة عمليات لمتابعة تنفيذ الإجراءات الاحترازية لتداعيات فيروس كورونا في 38.459 ألف منشأة.

البنك المركزي:

أطلق البنك المركزي العديد من المبادرات الهادفة لدعم العاملين في القطاعات الأكثر تضررًا من فيروس كورونا، كمبادرة تمويل رواتب وأجور العاملين بالقطاع السياحي، وتمويل مصروفات الصيانة والتشغيل الأساسية بضمان وزارة المالية، ومبادرة تأجيل استحقاقات الشركات العاملة في قطاع السياحة، ومبادرة العمال غير المنتظمين من الأشخاص الاعتبارية (الشركات) لجميع القطاعات، هذا إلى جانب مبادرة القطاع الخاص الصناعي والقطاع الزراعي وقطاع المقاولات من خلال إتاحة 100 مليار جنيه لتمويل الشركات العاملة في تلك القطاعات.

مبادرة “حياة كريمة”:

تستهدف المبادرة الرئاسية “حياة كريمة” دعم القرى الأكثر احتياجًا، ورفع مستوى المعيشة من خلال خلق فرص عمل ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة مع تشغيل شركات البناء والتشييد التي شهدت ركودًا خلال العام الماضي. وساهمت المبادرة خلال المرحلة الأولى منها (المنتهية في ديسمبر 2020) في إتاحة مشروعات صغيرة بقيمة 438 مليون جنيه، وتوفير 71 ألف فرصة عمل بمحافظات أسيوط، سوهاج، قنا، القليوبية، المنيا، أسوان، الأقصر، البحيرة، الوادي الجديد.

وفي الختام، ينبغي الإشارة إلى أن خطة التنمية المستدامة في مصر تهدف إلى خفض معدلات البطالة خلال العام المالي 2021/2022 إلى حوالي 7.3%.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة