تنمية ومجتمع

علاقة مركّبة: التابلت في التعليم بين الفاعلية والمقاومة

أصبحت التكنولوجيا مكونًا جوهريًا في جميع جوانب الحياة، بما في ذلك عملية التعليم والتعلم. ظهر هذا التأثير منذ بداية القرن الحادي والعشرين أو قبل ذلك بفترة وجيزة حين بدأت المدارس حول العالم في الاعتماد على الأجهزة الإلكترونية، مثل الأجهزة اللوحية (التابلت) أو الحواسيب الشخصية، لتعليم الأطفال في المراحل التعليمية المختلفة. وقد أوصت دراسات تربوية عديدة بضرورة إدخال التكنولوجيا في التعليم، لتستجيب حكومات بعض الدول وتتوسع في تنفيذ هذه التوصيات، ومن بينها مصر التي زودت كل طالب بجهاز شخصي إيمانًا منهم بفاعلية هذه الأجهزة في تطوير قدرات الطلاب. ولكن، وكما هو متوقع، كانت هناك مقاومة من قِبل بعض أولياء الأمور والمعلمين.…

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة

أصبحت التكنولوجيا مكونًا جوهريًا في جميع جوانب الحياة، بما في ذلك عملية التعليم والتعلم. ظهر هذا التأثير منذ بداية القرن الحادي والعشرين أو قبل ذلك بفترة وجيزة حين بدأت المدارس حول العالم في الاعتماد على الأجهزة الإلكترونية، مثل الأجهزة اللوحية (التابلت) أو الحواسيب الشخصية، لتعليم الأطفال في المراحل التعليمية المختلفة. وقد أوصت دراسات تربوية عديدة بضرورة إدخال التكنولوجيا في التعليم، لتستجيب حكومات بعض الدول وتتوسع في تنفيذ هذه التوصيات، ومن بينها مصر التي زودت كل طالب بجهاز شخصي إيمانًا منهم بفاعلية هذه الأجهزة في تطوير قدرات الطلاب. ولكن، وكما هو متوقع، كانت هناك مقاومة من قِبل بعض أولياء الأمور والمعلمين.

دوافع الإقبال العالمي على استخدام التابلت واللابتوب في التعليم

يتمثل الهدف الرئيسي للنظم التعليمية حول العالم في إعداد الطلاب ليصبحوا أعضاء فاعلين في مجتمعاتهم. ومع زيادة الاعتماد على الأجهزة الإلكترونية في مختلف المجالات، التفتت حكومات الدول إلى ضرورة إعداد الطلاب وتدريبهم على مهارات التعامل مع هذه الأجهزة واستخدامها في إنجاز المهام. وتُعد الولايات المتحدة الأمريكية المثال الأبرز في ترسيخ هذا الاتجاه. ففي عام 1991، بلغت نسبة المدارس التي استخدمت الكمبيوتر لأغراض تعليمية 98%، وبلغ معدل إتاحة أجهزة الكمبيوتر جهازًا واحدًا لكل ثمانية عشر طالبًا، ومع التطور التكنولوجي وتحول الأجهزة الثابتة إلى أجهزة صغيرة الحجم يحملها الطلاب في كل مكان وتطوير قدرات الإنترنت، بلغ عدد الطلاب المتصلين بالإنترنت من خلال جهاز كمبيوتر أو تابلت 46.3 مليون طالب في 2019، لتصل نسبة الطلاب والمدارس التي تعتمد على التعلم الرقمي أكثر من 99.5%.

وقد اتّبعت دول عديدة حول العالم هذا النموذج من أجل تفعيل نظام (1:1) بغض النظر عن المستوى الاقتصادي لها، فنجد أن الأوروجواي هي أول دولة في العالم تزود جميع تلاميذ مدارسها الابتدائية العامة بأجهزة لابتوب مجانًا منذ 2013، بينما كان 96% من الطلاب في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يمتلكون أجهزة كمبيوتر في منازلهم و72% فقط يستخدمون جهازًا إلكترونيًا في مدارسهم، كما بدأت “بيرو” تزويد تلاميذها بمليون لابتوب في مبادرة بدأت منذ 2008 في المدارس صغيرة الحجم في المناطق الفقيرة. وفي إفريقيا، تبنت كينيا خطة لإدخال اللابتوب في نظامها التعليمي منذ 2014، وزودت طلاب الصف الأول الابتدائي وقتها بحوالي 400 ألف جهاز مجاني. على جانب آخر، اختارت تايلاند تفعيل استخدام التابلت في مدارسها، وسارت تركيا على النهج نفسه بتفعيل مشروع “فاتح” الذي يقدم 10 ملايين تابلت في مدارسها، وسبقتهما في ذلك الهند بمشروع مشابه تحت مسمى “آكاش”.

وحددت بعض الدراسات التربوية أبرز دوافع الدول للإقبال على التوسع في استخدام التابلت في التعليم، والتي منها:

زيادة الدافعية للتعلم من خلال تقديم مواد تفاعلية: يتيح استخدام الطلاب للتابلت أو اللابتوب داخل الفصل مواد تفاعلية من الفيديوهات والصور والألعاب التعليمية التي تساعدهم على الاندماج في عملية التعليم، والتعلم بشكل أكبر مما تسمح به الكتب الدراسية الورقية. كما أن إتاحة المواد التعليمية طوال الوقت، سواء أثناء اليوم الدراسي أو بعد العودة إلى المنزل، يُسهم في تعزيز التعلم الذاتي لدى الطلاب.

تدعيم مهارات الطلاب التكنولوجية: تسعى الدول إلى تمكين طلابها من المهارات التكنولوجية التي يمكن أن تعتمد عليها وظائفهم المستقبلية بشكل أو بآخر، وحتى وإن لم تعتمد وظائفهم على التكنولوجيا فإنهم سيتعاملون مع الخدمات الإلكترونية في حياتهم اليومية، ويُعد ذلك أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت بعض الحكومات للاعتماد على التابلت منذ المراحل الدراسية الأولى.

زيادة الإقبال على الكتب الإلكترونية: بعيدًا عن حالة الجدل حول ما إذا كانت الكتب الورقية أقل تكلفة أم التابلت، يشهد العالم إقبالًا كبيرًا على الكتب الإلكترونية، حيث أعلنت أمازون في 2011 أن الكتب الإلكترونية تفوقت على الكتب الورقية في مبيعاتها، كما تخطى عدد مرات تحميل الكتب الإلكترونية (مليون تحميل في اليوم) في عام 2017 من بينها كتب دراسية لجميع المراحل التعليمية.

الوصول إلى كل الفئات في كل وقت: يضمن الاعتماد على الأجهزة الإلكترونية والإنترنت في العملية التعليمية حلقة اتصال دائمة بين المعلمين والطلاب وأولياء الأمور، بما يمكّن أولياء الأمور من التواصل المباشر مع المعلمين ومتابعة أداء أبنائهم بشكل مستمر دون الحاجة للذهاب إلى مدارسهم، كما يمكن الطلاب من تسليم الواجبات في أي وقت.

ولعلّ ما نتج عن جائحة كورونا من حرمان للطلاب من التعليم حول العالم أظهر أهمية استخدام التابلت أو غيره من الأجهزة الإلكترونية في العملية التعليمية لضمان الوصول إلى جميع الطلاب في كل مكان أثناء الكوارث أو الظروف غير الطبيعية التي تمنع استمرار العملية التعليمية بشكلها التقليدي. وتعد المملكة المتحدة أحد أبرز الأمثلة التي فعّلت استخدام التابلت في مدارسها أثناء الجائحة وتزويد الطلاب بحوالي 1.3 مليون تابلت خلال العام الماضي لضمان استمرار عملية التعليم والتعلم.

ما الذي يمثل فارقًا لتحقيق نتائج أفضل؟

على الرغم من الإقبال الكبير على استخدام الأجهزة الإلكترونية في التعليم في مختلف دول العالم، إلا أن التوسع في استخدامها ما زال يلقى نوعًا من المقاومة، سواء من أولياء الأمور أو المعلمين. ويبدو أن المعلمين وأولياء الأمور يتشاركون نفس أسباب القلق من التوسع في استخدام التكنولوجيا في التعليم، والتي تتمثل في التأثير السلبي لتلك الأجهزة على إبصار الطلاب، نظرًا لعدم وجود إرشادات عامة تطبقها المدارس عند الاستخدام، وعلى مهارات الطلاب في الرياضيات والكتابة. ويمثل استخدام الطلاب هذه الأجهزة لعرض مواد غير مناسبة مصدر قلق آخر للآباء والمعلمين، كما أن الطلاب يفقدون مهارات التواصل بسبب استخدام الأجهزة الإلكترونية لفترات طويلة.

علاوةً على ما سبق، أوضح استطلاع رأي أجرته شركة “جالوب” على عينة من ألف معلم وألف ولي أمر في 2018 أن هناك اختلافًا بين المعلمين والآباء فيما يتعلق بتأثير الأجهزة الإلكترونية على الصحة العقلية والجسمية للطلاب، حيث يرى 69% من المعلمين أن استخدام الأجهزة الإلكترونية يؤثر على الصحة العقلية للطلاب، في حين يرى 55% أنها تؤثر على الصحة الجسمية أيضًا، بينما يرى 69% من الآباء أن هذه الأجهزة مفيدة للصحة العقلية لأبنائهم، و59% يرونها مفيدة لصحتهم الجسمية.

في ظل حالة الجدل حول مدى الفوائد والأضرار التي يمكن أن يسفر عنها التوسع في استخدام الأجهزة الإلكترونية في العملية التعليمية، أظهرت نتائج 340 ألف طالب من 51 دولة في اختبار بيزا (PISA) -أحد أبرز الاختبارات الدولية التي تتم تحت إشراف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية- أن هناك مجموعة من العوامل التي يجب أن توضع في الاعتبار عند استخدام الأجهزة الإلكترونية في تعليم الطلاب، وهي:

  • نوع الجهاز المستخدم: أظهرت النتائج أن أداء الطلاب الذين يستخدمون أجهزة تابلت أو لابتوب داخل الفصل أقل من أقرانهم الذين يعتمدون على أجهزة كمبيوتر أو سبورات تفاعلية، حيث جاءت نتائج مستخدمي التابلت أو اللابتوب في الرياضيات أقل بحوالي 5 درجات إلى 15 درجة من الطلاب الذين يعتمدون على جهاز كمبيوتر أو سبورات تفاعلية.
  • من يستخدم الجهاز: جاءت نتائج الطلاب الذين يستخدم معلموهم التكنولوجيا داخل الفصل أفضل من نتائج الطلاب الذين يستخدمونها بأنفسهم.
  • مدة استخدام الجهاز: أوضحت النتائج أن أداء طلاب الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي الذين يستخدمون الأجهزة الإلكترونية بكثافة وأداء طلاب آسيا والشرق الأوسط ودول أوروبا خارج الاتحاد الأوروبي الذين لا يستخدمون الأجهزة الإلكترونية على الإطلاق جاء أفضل من أداء نظرائهم الذين يستخدمون هذه الأجهزة بمعدل متوسط، وأرجعت الدراسة ذلك إلى حاجة الطلاب للتعود على استخدام التكنولوجيا قبل استخدامها في التعلم.
  • مستوى أداء المدرسة: ميزت نتائج الدراسة بين نوعين من المدارس، ففي مدارس النوع الأول ذات المستوى (ضعيف إلى مقبول) جاءت نتائج الطلاب الذين لا يعتمدون على الأجهزة الإلكترونية أفضل من نظرائهم الذين يستخدمونها.

أما في مدارس النوع الثاني ذات المستوى (جيد إلى ممتاز)، فقد جاءت النتائج مختلفة باختلاف الدولة، حيث كانت نتائج طلاب إستونيا والصين تايبيه أفضل حين لا يستخدمون الأجهزة الإلكترونية، ولكن في الولايات المتحدة واليابان وأستراليا كانت نتائج الطلاب أفضل حين يستخدمون الأجهزة الإلكترونية بمعدل 60 دقيقة أسبوعيًا في دروس القراءة وآداب اللغة.

من خلال ما سبق، يتضح أن العلاقة بين استخدام الأجهزة الإلكترونية ومستوى أداء الطلاب هي علاقة مركبة، ولا يمكن إصدار حكم نهائي بشأن نجاح أو فشل استخدام هذه الأجهزة في العملية التعليمية إذا لم يستند هذا الحكم إلى مجموعة من المؤشرات والدراسات التي تحدد مدى تحقيق الأهداف التي تم إدخال التابلت في العملية التعليمية من أجلها. وإذا كان تفعيل التابلت في العملية التعليمية يواجه مقاومة من أولياء الأمور والمعلمين بسبب قلق مشروع على صحة الأطفال العقلية والجسمية، فإن هذه المقاومة يمكن أن تقل تدريجيًا إذا ما حددت وزارات التعليم العمر المناسب للاعتماد بشكل كلي على التابلت في التعليم، وفرضت إجراءات إرشادية تراعي مدة استخدامه داخل الفصل وبعد عودة الطلاب إلى منازلهم، واعتمدت في التطبيق على معلمين قادرين على استخدام التكنولوجيا في التعليم بكفاءة.

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة