حرب أكتوبر 73 .. إبداع مصرى خالص

عضو الهيئة الاستشارية

ستظل ذكرى حرب اكتوبر 1973 المجيدة لمصر والمصريين والعرب مناسبة عظيمة غيرت مسار التاريخ، وأنهت الكثير من الأساطير حول سطوة وقوة إسرائيل وجيشها الذى لا يقهر، وقدمت النموذج الحى على قدرة المصريين شعبا وقيادة على مواجهة كل الصعاب من أجل استرداد الكرامة وتحرير الأرض. وبالنسبة لبعض الأطراف الخارجية فهى مناسبة لترويج تفسيرات غريبة ومعلومات مجزأة بغرض تشكيك المصريين فى القيمة التاريخية والاستراتيجية للحرب ودلالاتها. هو ما يجب الانتباه له جيدا. فى الحروب الكبرى كحال حرب أكتوبر، لاتقتصر على الأطراف المباشرين لها، فهناك دائما تدخلات وأدوار لأطراف بعيدة أو قريبة بهدف تغيير مسار الحرب ونتائجها. وبالقطع فإن الأطراف المباشرين، وفى حالة…

د. حسن أبو طالب
عضو الهيئة الاستشارية

ستظل ذكرى حرب اكتوبر 1973 المجيدة لمصر والمصريين والعرب مناسبة عظيمة غيرت مسار التاريخ، وأنهت الكثير من الأساطير حول سطوة وقوة إسرائيل وجيشها الذى لا يقهر، وقدمت النموذج الحى على قدرة المصريين شعبا وقيادة على مواجهة كل الصعاب من أجل استرداد الكرامة وتحرير الأرض. وبالنسبة لبعض الأطراف الخارجية فهى مناسبة لترويج تفسيرات غريبة ومعلومات مجزأة بغرض تشكيك المصريين فى القيمة التاريخية والاستراتيجية للحرب ودلالاتها. هو ما يجب الانتباه له جيدا.

فى الحروب الكبرى كحال حرب أكتوبر، لاتقتصر على الأطراف المباشرين لها، فهناك دائما تدخلات وأدوار لأطراف بعيدة أو قريبة بهدف تغيير مسار الحرب ونتائجها. وبالقطع فإن الأطراف المباشرين، وفى حالة حرب أكتوبر 1973 تُعد مصر ومعها سوريا اللاعب الرئيسى، وفى المواجهة إسرائيل كقوة احتلال وعدو مباشر. أما وراء المسرح المباشر للحدث فقد وجدت أدوار خارجية مختلفة، أبرزها الدوران الأمريكى والسوفييتى، واللذان فى ذلك الوقت كانا قد بدآ مسيرة ما عُرف بالوفاق الدولى قبل نحو عام من بدء الحرب، ومع ذلك كان لكل منهما موقف منفرد بالنسبة لأطراف الحرب المباشرين. فالولايات المتحدة كانت وما زالت الحامى المطلق والداعم الشامل والرئيسى لإسرائيل دفاعا وهجوما، بينما كان السوفييت داعمين لكل من مصر وسوريا فى حدود ترقية قدراتهما الدفاعية منعا لتعرضهما لهزيمة أخرى كما حدث فى 1967، وهو ما كان محبطا بالنسبة لمصر. وهنا يكمن فارق كبير بين دور الولايات المتحدة فى حماية وجود الدولة الاسرائيلية ومدها بكل أنواع الدعم بدون حدود، وبين دور السوفييت فى دعم قدرات دفاعية لبلدين صديقين، دون أن تصل هذه القدرات إلى حد شن حرب لتحرير الارض. وهنا ثانية تكمن عبقرية الجيش المصرى فى أن يطور تلك الأسلحة الدفاعية إلى أسلحة ذات طابع هجومى تؤدى إلى تغيير موازين القوى على نحو جذرى.

هذا الفارق النوعى يجعلنا ننظر إلى تلك المعلومات التى تضمنتها وثائق بريطانية ودراسة لحلف الناتو باعتبارها آراء وفى أفضل الأحوال اجتهادا تحليليا، ولكنها ليست رواية متكاملة تدفعنا لإعادة النظر فى قرار الحرب وتحديد موعد بدء العمليات وعبور القناة. ففى الوثائق المنسوبة للسفير البريطانى فى القاهرة، التى أفرج عنها مؤخرا وقبل أيام معدودة من ذكرى الحرب، بعض ترجيحات وآراء للسفير البريطانى قدمها لحكومته حول ما سماه نية الرئيس السادات للتقاعد قبل أشهر محدودة من حادث الاغتيال، ودور مباشر لجنرال سوفييتى فى تحديد يوم الهجوم وساعة الهجوم. وكلا الأمرين يمكن التشكيك فى صدقهما تماما، إذ لم يذكر أحد قصة النية فى الاعتزال أو التقاعد للرئيس السادات، وإذا كانت هناك مثل هذه النية لدى الرئيس السادات فلماذا خص بها فقط السفير البريطانى، أو كيف عرف بها السفير دون أن يعلمها أحد آخر. وفى صياغة التقرير المنسوب للسفير عبارات مثل يبدو أن الرئيس السادات قرر التقاعد، وإن حدث لكان تصرفًا غير التاريخ. ومفهوم أن تعبير (يبدو) لا يمثل حقيقة مؤكدة وإنما نوع من الاستنتاج الذاتى لصاحبه لا أكثر ولا أقل.

التشكيك الآخر تعلق بموعد الحرب، من حيث اليوم والساعة، ووفقا لمذكرات الرئيس السادات المنشورة وأحاديثه المفصلة مع السيدة همت مصطفى رئيس التليفزيون المصرى بعد الحرب، شرح لما هو معروف بخطة الخداع الاستراتيجى، وجزء منها تعلق بخلق شكوك لدى الإسرائيليين فى أن مصر التى طردت الخبراء السوفييت قبل عام ونصف العام ستكون قادرة على شن حرب وعبور القناة. عملية خلق الشكوك هذه تمت على مراحل ارتبطت بمعلومات قدمها اللواء أركان حرب عبد الغنى الجمسى، رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة آنذاك، للرئيس السادات، حول أفضل التوقيتات التى يمكن أن تشهد بدء عمليات عسكرية موسعة بطول القناة، وهى توقيتات نهاية مايو وأول يونيو، ونهاية اغسطس ومطلع سبتمبر، والاسبوع الاول من اكتوبر الذى تصادف أن اليوم السادس منه هو عيد يهودى تتوقف فيه الانشطة الحياتية المعتادة، مما رجح اختياره لشن الحرب.

ومعروف ان الرئيس السادات كان يروج ويصرح بأنه سيشن الحرب منذ مطلع 1972، وقام الجيش المصرى بعمل مناورات موسعة فى التوقيتين الأولين، مايو ويونيو ثم نهاية اغسطس، ثم هدأ الوضع على الجبهة، ما ولد تقييما لدى العدو بأن أى تحرك آخر على الجبهة، والذى بدأت بعض علاماته مطلع أكتوبر سيكون مثل سابقيه كمناورة للرأى العام المصرى، ومن ثم حدث وضع الاسترخاء واللامبالاة فى الاستعداد لرد هجوم محتمل، ومن ثم كانت المفاجأة الكبرى التى تحدثت عنها الوثائق الاسرائيلية.

أما ساعة بدء العمليات فقد ارتبطت بعدة متغيرات أخرى تتعلق بحالة الطقس والمد والجذر فى القناة وسرعة الرياح، واتجاه الشمس، وساعات الضوء المتاح بعد البدء بالعمليات لتحقيق العبور والتمركز على الضفة الشرقية قبل حلول الليل. وتلك كانت نتيجة دراسة وافية قام بها (العميد أركان حرب صلاح فهمى نحلة، رئيس فرع التخطيط بهيئة عمليات القوات المسلحة فى حرب أكتوبر، مستعينا بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية وهيئة الأرصاد المصرية، وتقرير للمخابرات العامة المصرية يوضح الأعياد والمواسم الإسرائيلية والطقوس فى كل عيد)، وفقا لما ذكره اللواء سمير فرج أحد قادة حرب أكتوبر(الشرق الأوسط 8 أكتوبر الحالي)

ما يهمنا هو تأكيد أمرين أساسيين؛ الأول أن رواية سفير بريطانى أو غيره عن كيفية تحديد موعد الحرب لا تزيد على مقولات بلا دليل، وثانيا أن تحديد الموعد تم بناء على دراسات وافية من قبل الجيش المصرى وروعى فيه تحقيق أكبر قدر ممكن من المفاجأة التى شلت بالفعل قيادة العدو السياسية والعسكرية على السواء، حيث ساد الارتباك وذرفت الدموع وتعالت صيحات الاستغاثة بالضامن الامريكى.

نقلا عن جريدة الاهرام الأثنين 11 أكتوبر 2021

د. حسن أبو طالب
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب