وحدة الدراسات الاقتصادية

حلول مؤقتة: هل تُجدي قرارات الرئيس التركي في حل الأزمة الاقتصادية؟

اتخذ الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” عددًا كبيرًا من القرارات المفاجئة خلال الأيام القليلة الماضية في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي المتصاعد تجاه السياسات الاقتصادية المتخذة من قبل الحكومة، والتي أسفرت عن انهيارات متتالية في قيمة العملة المحلية، مما جعلها أسوأ العملات أداءً في الأسواق الناشئة الرئيسية هذا العام، بالتوازي مع قفزات مستمرة في معدل التضخم في ظل الإصرار على اتّباع نموذج الاقتصاد غير التقليدي وغير المنطقي القائم على “خفض الفائدة” رغم ارتفاع المستوى العام للأسعار، وذلك في الوقت الذي يسعى فيه العالم لرفع معدلات الفائدة، وإنهاء برامج التيسير الكمي التي أطلقتها العديد من البنوك المركزية العام الماضي. وفي ضوء تلك…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

اتخذ الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” عددًا كبيرًا من القرارات المفاجئة خلال الأيام القليلة الماضية في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي المتصاعد تجاه السياسات الاقتصادية المتخذة من قبل الحكومة، والتي أسفرت عن انهيارات متتالية في قيمة العملة المحلية، مما جعلها أسوأ العملات أداءً في الأسواق الناشئة الرئيسية هذا العام، بالتوازي مع قفزات مستمرة في معدل التضخم في ظل الإصرار على اتّباع نموذج الاقتصاد غير التقليدي وغير المنطقي القائم على “خفض الفائدة” رغم ارتفاع المستوى العام للأسعار، وذلك في الوقت الذي يسعى فيه العالم لرفع معدلات الفائدة، وإنهاء برامج التيسير الكمي التي أطلقتها العديد من البنوك المركزية العام الماضي.

وفي ضوء تلك القرارات، انتعشت الليرة التركية خلال ثلاثة أيام بنحو 40% من أدنى مستوياتها المسجلة عند 18.29 ليرة مقابل الدولار في العشرين من ديسمبر الجاري لتصل إلى 11.32 ليرة مقابل الدولار بحلول الثالث والعشرين من ديسمبر.

قرارات مفاجئة

تأرجحت القرارات التركية الأخيرة ما بين تعديل الحد الأدنى للأجور والتخلي عن العملات الأجنبية في سبيل دعم قيمة العملة المحلية، فضلًا عن محاولات تعزيز ثقة المواطنين في إيداع أموالهم لدى النظام المصرفي المحلي. ولكن يجادل البعض بشأن مدى فعالية هذه القرارات في انتشال الاقتصاد التركي من أزماته الاقتصادية الراهنة، رغم الانتعاش السريع الذي شهدته الليرة عقب الإعلان عن تلك الخطوات، وهو ما نستعرضه تاليًا:

• رفع الحد الأدنى للأجور: أعلن “أردوغان” في السادس عشر من ديسمبر رفع الحد الأدنى للأجور البالغ 2826 ليرة شهريًا خلال عام 2021 إلى حوالي 4250 ليرة شهريًا (ما يعادل 275.44 دولارًا شهريًا وفقًا لسعر الصرف حينذاك) بحلول العام المقبل لنحو ستة ملايين من موظفي الدولة، مما يمثل ارتفاعًا بنحو 50% على أساس سنوي، وهي أكبر زيادة في الحد الأدنى للأجور على مدار الخمسين عامًا الماضية، وذلك لمساعدة المواطنين على تحمل ارتفاع تكاليف المعيشة.

• التدخل في سوق العملات: كشفت عدة تقارير إعلامية أن البنك المركزي التركي قام ببيع العملات الأجنبية لخمس مرات على التوالي خلال شهر ديسمبر بدافع معالجة مستويات الأسعار غير الصحية في أسعار الصرف عن طريق زيادة عرض الدولار بما سيؤدي إلى تراجع قيمته مقابل الليرة، وهو ما يتنافى مع توجه الاقتصاد “الأردوغاني” لخفض الفائدة دون الالتفات لمدى تأثير ذلك على أسعار الصرف أو معدلات التضخم، مستندًا في نظريته إلى تداعيات ذلك على دعم معدل النمو وتعزيز الصادرات، حيث خفّض البنك المركزي التركي أسعار الفائدة بمقدار 500 نقطة أساس (5%) منذ سبتمبر الماضي فقط.

• أداة مالية جديدة: قررت وزارة المالية إطلاق آلية جديدة تحت مسمى “وديعة الليرة التركية المحمية من تقلبات أسعار الصرف” سيتم تطبيقها على الودائع بالعملة المحلية ذات آجال الاستحقاق ما بين 3 إلى 12 شهرًا، بناءً على سعر الفائدة الأساسي لدى البنك المركزي، وهو ما يحمي المواطن من تذبذب أسعار الصرف عن طريق الحصول على الفائدة المعلنة مضافًا إليها الفرق في سعر الدولار بين توقيتي الإيداع والسحب، وبمعنى آخر تضمن هذه الآلية تحقيق نفس مستوى الأرباح المحتملة للمدخرات بالعملات الأجنبية عبر إبقاء الأصول بالليرة التركية. وجاء هذا القرار في الوقت الذي يتحوط فيه الشعب التركي من التضخم وانهيار قيمة الليرة من خلال الاتجاه إلى العملات الأجنبية والذهب، حيث سجلت الودائع بالعملات الأجنبية نحو 55% من إجمالي الودائع في القطاع المصرفي.

وانطلاقًا من تلك القرارات، يتبقى الإجابة على تساؤل هام: “هل تئول تلك القرارات إلى استقرار الاقتصاد التركي واستعادة الثقة به؟”.

فقدت الليرة التركية نحو 55% من قيمتها خلال عام واحد حتى مع التعافي الذي شهدته الأسبوع الجاري، فيما ارتفع تضخم مؤشر أسعار المستهلكين بنحو 35.4% خلال الفترة التي تتراوح بين يناير حتى ديسمبر 2021، مما يعني أن زيادة الحد الأدنى للأجور قد تكون غير كافية لمساندة المواطن على تحمل ارتفاع الأسعار المستمر. ومن ناحية أخرى، من شأن هذا الإجراء أن يُرسل التضخم إلى مستويات مرتفعة جديدة، حيث أشارت العديد من التحليلات إلى احتمالية مساهمة هذا القرار في رفع مؤشر أسعار المستهلكين بمقدار يتراوح بين 3.5 وعشر نقاط مئوية.

وعلاوةً على ذلك، تُهدد عمليات بيع العملات الأجنبية بوضع الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي في مأزق بسبب تذبذب مصادر النقد الأجنبي كالسياحة وهروب الاستثمارات الأجنبية إلى الخارج بسبب تراجع سعر الفائدة في الوقت الذي تعتمد فيه الدولة على الخارج لتأمين احتياجاتها من السلع الوسيطة وإمدادات الطاقة مع ارتفاع ديونها من الخارج حيث وصلت نسبة الدين الخارجي التركي للدخل القومي إلى 61% بحلول عام 2020.

أما بالنسبة لبرنامج تشجيع الادخار بالعملة المحلية أو ما يُعد “زيادة خفية لأسعار الفائدة”، فلم يتضمن القرار الحكومي أي إشارة إلى كيفية تمويل تلك الآلية لتمويل المودعين بفرق سعر الصرف بين وقت الإيداع وسحب الوديعة، وفي هذه الحالة، سيكون أمام الدولة خيارين، الأول؛ اللجوء إلى خزينة الدولة مما سيزيد من الضغوط المفروضة على الميزانية مما سينقل العبء المفروض على السياسة النقدية إلى مثيلتها المالية، الثاني؛ اللجوء للبنك المركزي لطباعة المزيد من النقود مما سيؤدي إلى رفع التضخم من جديد وإنهاء وتيرة الانتعاش التي سجلتها الليرة فور الإعلان عن تلك الخطة. بالإضافة إلى أزمة مصداقية النظام التركي مع التدخلات المستمرة لـ”أردوغان” في أدوات السياسة النقدية، مما سيقوض من ثقة الأفراد في إمكانية تطبيق هذه الآلية والقدرة على تمويلها. 

أمر آخر يتعلق بمدى فاعلية هذه السياسة بالنظر إلى أن معدلات الفائدة الحقيقية (الفرق بين معدل الفائدة الاسمي ومعدل التضخم) تسجل قيم سالبة، مما يعني خسارة المودعين لقيمة ودائعهم الحقيقية، وحتى مع تعويض فارق سعر الصرف بين وقت الإيداع والسحب، فإن قيمة الفائدة المستحقة ستكون منخفضة.

مبررات ضعيفة

يستند “أردوغان” في توجهه لإعادة هندسة الاقتصاد إلى عدد من المبررات الضعيفة من الناحية النظرية الاقتصادية من بينها السعي لتبني النموذج الصيني، ومساهمة خفض الفائدة وتراجع قيمة العملة في تعزيز عوائد الصادرات والسياحة مما يسفر عن تحفيز معدلات النمو الاقتصادي.

• محاكاة التجربة الصينية: أشار “أردوغان” في أحد خطاباته للدفاع عن سياساته الاقتصادية إلى النموذج الصيني حيث يرى أن هناك العديد من أوجه التشابه بين الاقتصاد التركي وثاني أكبر اقتصاد بالعالم، ولكن لا يُمكن اعتبار هذه الحُجة صحيحة بسبب اختلاف حجم الناتج المحلي الإجمالي وعدد السكان في كلا البلدين، حيث تمتلك الصين عدد كافٍ من العمال المهرة ومستويات متقدمة من التكنولوجيا مكنتها من الوصول لعدد ضخم من الأسواق، بالإضافة إلى تمتعها ببصمة قوية في سلاسل التوريد، كما تستطيع بكين الاستفادة من تراجع قيمة عملتها المحلية في زيادة تنافسية صادراتها بسبب اعتمادها على المواد الخام والسلع الوسيطة المحلية مما أسفر عن تحقيقها فائض مستمر في ميزانها التجاري.

تعزيز الصادرات والإيرادات السياحية: تعتمد الشركات التركية على الخارج لتلبية احتياجاتها من مستلزمات الإنتاج الخام والوسيطة والطاقة، ومن ثم فإن انخفاض قيمة الليرة يؤدي إلى ارتفاع أسعار الواردات، وزيادة تكلفة الاستيراد مما يعني ارتفاع تكاليف الإنتاج، ومن ثم ارتفاع أسعار الصادرات أي تراجع ميزتها النسبية في الأسواق الخارجية، ولهذا تعاني تركيا من عجز مستمر في ميزانها التجاري بلغت قيمته 49.91 مليار دولار بحلول نهاية عام 2020. أما بالنسبة للإيرادات السياحية، فقد راهنت تركيا على قطاعها السياحي في الوقت الذي اعلنت فيه منظمة السياحة العالمية أن جائحة كورونا ستكلف السياحة العالمية خسائر تقدير قيمتها بنحو تريليونَي دولار خلال عام 2021 بسبب تصاعد احتمالية فرض الإجراءات الاحترازية في بعض الدول من جديد.

• دعم النمو الاقتصادي: حقق الاقتصاد التركي معدل نمو قويًا خلال الربع الثاني من العام الحالي بلغ نحو 21.7% على أساس سنوي، ولكن هذا لا يعكس نموًا حقيقيًا بسبب تراجع الناتج المحلي الإجمالي خلال نفس الربع من العام السابق لمستويات غير مسبوقة مما يعني انخفاض الناتج خلال سنة الأساس أو سنة المقارنة، ويدلل على ذلك تباطؤ معدل النمو إلى 7.4% خلال الربع الثالث من 2021، ولهذا لن يستطيع الاقتصاد التركي الحفاظ على استدامة هذا النمو لا سيما في ظل تأثير ارتفاع الأسعار على تقليص الإنفاق الاستهلاكي.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة