العقوبات لا تغير السياسات

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون حزمة واسعة من العقوبات الاقتصادية على روسيا، بعد دخول قواتها العسكرية الأراضى الأوكرانية. العقوبات الاقتصادية هى إحدى القضايا الجدلية فى مجال العلاقات الدولية، وخاصة ما يتعلق بدوافعها وتأثيرها، وهل تستطيع تغيير سياسات الدول التى تُفرَض عليها. النقطة الأولى الجديرة بالنقاش هنا هى لماذا تلجأ دول مثل الولايات المتحدة إلى خيار العقوبات الاقتصادية؟! والإجابة أن العقوبات توفر بديلًا أقل فى درجة المخاطر والتكاليف (سواء البشرية أو المالية أو المعنوية) من استخدام القوة العسكرية، كما أنها تمثل فى الوقت نفسه بديلًا لاقتصار رد الفعل على مجرد إصدار تصريحات بالإدانة. وهذا بالضبط هو الموقف الأمريكى فى أزمة أوكرانيا.…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون حزمة واسعة من العقوبات الاقتصادية على روسيا، بعد دخول قواتها العسكرية الأراضى الأوكرانية. العقوبات الاقتصادية هى إحدى القضايا الجدلية فى مجال العلاقات الدولية، وخاصة ما يتعلق بدوافعها وتأثيرها، وهل تستطيع تغيير سياسات الدول التى تُفرَض عليها.

النقطة الأولى الجديرة بالنقاش هنا هى لماذا تلجأ دول مثل الولايات المتحدة إلى خيار العقوبات الاقتصادية؟! والإجابة أن العقوبات توفر بديلًا أقل فى درجة المخاطر والتكاليف (سواء البشرية أو المالية أو المعنوية) من استخدام القوة العسكرية، كما أنها تمثل فى الوقت نفسه بديلًا لاقتصار رد الفعل على مجرد إصدار تصريحات بالإدانة. وهذا بالضبط هو الموقف الأمريكى فى أزمة أوكرانيا. فالولايات المتحدة قررت منذ أسابيع أنها لن تستخدم القوة العسكرية، وذلك لعدة أسباب أهمها أن أوكرانيا ليست عضوًا فى حلف شمال الأطلنطى، وبالتالى لا يمكن تطبيق المادة الخامسة من ميثاق الحلف، المتعلقة بالدفاع المشترك إذا تعرض أحد الأعضاء للهجوم. والنقطة الثانية أن المزاج السياسى والشعبى الحالى فى الولايات المتحدة لا يتحمس لأى تورط عسكرى فى الخارج بعد فشل العديد من التجارب الحديثة، والانسحاب المتعجل من أفغانستان كان دليلًا على ذلك. وفى غياب العمل العسكرى وعدم رغبة الولايات المتحدة فى اقتصار رد فعلها على بيانات الشجب والإدانة، كان خيار الوسط وهو تبنى العقوبات الاقتصادية.

النقطة الثانية تتعلق بجدوى العقوبات الاقتصادية وإلى أى مدى يمكن أن تحقق الأهداف المرجوة منها؟ والإجابة هى أن الخبرات الدولية السابقة لفرض عقوبات توضح أنها لم تحقق هذه النتائج.

فالعقوبات لا تحقق أهدافها، خاصة لو كانت الأهداف ضخمة مثل تلك المتعلقة بسياسات الأمن القومى لدولة أخرى كما فى حالة الأزمة الأوكرانية..

.. فموقف الرئيس بوتين يرتبط برؤية كبرى للأمن القومى الروسى، ورغبته فى إعادة النظر فى ترتيبات الأمن الأوروبى ما بعد الحرب الباردة، وكذلك سعيه لترسيخ نظام دولى جديد قائم على التعددية القطبية، وكلها أهداف كبرى من الصعب التخلى عنها بسهولة نتيجة لضغط عقوبات اقتصادية.

وغالبًا ما تفشل العقوبات الاقتصادية أيضًا لأنها تؤدى إلى تنامى الإحساس القومى، وقد يترتب عليها التفاف الشعب وراء قائده نتيجة الإحساس بالحصار، وكرد فعل على العقوبات التى ينظر إليها على أنها شكل من أشكال التدخل الأجنبى، وبالتالى فإن ازدياد شدة العقوبات قد يؤدى إلى تقوية قادة هذه البلدان بدلًا من إضعافهم، ودعم إرادتهم لمقاومة الضغط الاقتصادى.

كما تراهن الدول المفروض عليها العقوبات على ما يعرف بظاهرة «ضعف العزم» أو Sanctions Fatigue بشأن العقوبات، فبمرور الوقت يظهر نوع من الإرهاق من العقوبات، ويضعف التزام الدول بتطبيقها سواء لأن الموضوع فقد درجة الحماس له، أو بسبب زيادة التكلفة المرتبطة به، أو القلق بشأن الآثار الإنسانية لفرض العقوبات، ويؤدى كل ذلك إلى ضعف العزيمة فى تطبيق العقوبات. وتراهن روسيا على هذا الأمر.

يضاف لذلك أن العقوبات عادة ما تؤثر على المواطنين العاديين وغير المسؤولين عن صنع القرار، حيث تظل النخبة الحاكمة بعيدة عن التأثر بالعقوبات. وبالرغم من أن بعض الدول أصبحت تلجأ إلى تطبيق ما يسمى العقوبات الذكية Smart Sanctions والتى تستهدف النخبة الحاكمة من خلال فرض قيود على سفرها أو تجميد أرصدتها المالية بالخارج (كما فعلت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى فى فرض عقوبات على بوتين ووزير خارجيته وجانب من النخبة الروسية)- يرى البعض الآخر أن التطبيق الفعال للعقوبات الذكية يواجه عددًا من التحديات حيث يتطلب توافر قدر كبير من المعلومات حول الجماعات والأشخاص المستهدفين، وأحيانًا لا يكون من السهل تحديد الأرصدة المالية لهم. وحتى عندما يتم تحديد هذه الأرصدة فإن غياب عاملى السرعة والسرية يمكِّن الفئات المستهدفة من تحريك هذه الأرصدة.

ويمكن الإشارة أيضًا إلى أن الدول التى تفرض عليها العقوبات لا تقف مكتوفة الأيدى، حيث تقوم الدولة المستهدفة بالحد من أثر العقوبات باللجوء إلى بدائل أخرى من المصدرين أو المستوردين، أو باستخدام استراتيجيات لمكافحة العقوبات مثل تخزين فائض من السلع، والاستعاضة عن الاستيراد بالإنتاج المحلى، والتقنين وترشيد الاستهلاك.

وهناك أيضًا الخسائر المالية المباشرة على الدول التى تفرض العقوبات، ويتضح هذا فى الأزمة الأوكرانية، حيث ابتعدت العقوبات عن قطاع النفط الروسى لأن تأثره سيصيب العديد من دول الاتحاد الأوروبى بخسائر فادحة، وسيرفع سعر النفط فى العالم لأرقام غير مسبوقة ستؤثر أيضًا على الداخل الأمريكى وعلى شعبية الرئيس بايدن، ونفس الأمر ينطبق على إخراج روسيا من منظومة المعاملات المالية الدولية المعروفة باسم «سويفت» والتى قد تصيب الدول التى تتعامل مع روسيا أيضًا بالضرر، وكل هذا يضعف من تأثير العقوبات.

وأخيرًا، يؤدى فرض عقوبات إلى قيام الدولة المستهدفة بتعزيز علاقاتها مع خصوم الدولة المبادرة بالعقوبات، وهو ما تظهر إرهاصاته فى التقارب المتزايد بين روسيا والصين.

باختصار، فرض العقوبات لا يغير السياسات، وهذا ما تعرفه الولايات المتحدة والغرب، وما راهنت عليه روسيا. ولا عزاء لأوكرانيا.

نقلا عن جريدة المصرى اليوم بتاريخ 28-02-2022 

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر