الدراسات العربية والإقليمية

مسارات محتملة: العراق بعد اعتصام أنصار الصدر داخل البرلمان

اقتحم مئات المتظاهرين الموالين للتيار الصدري مقر البرلمان العراقي، في 30 يوليو ٢٠٢٢، في محاولة لإقامة اعتصام مفتوح اعتراضًا على ترشيح قوى الإطار التنسيقي لمحمد شياع السوداني، سبقتها احتجاجات من أمام البرلمان وفي ساحة المنطقة الخضراء التي تضم مقار البعثات الدبلوماسية، نتج عنها إصابة نحو 60 فردًا وفقًا لوزارة الصحة العراقية، انسحب المتظاهرون في اليوم الأول في 27 يوليو 2022 عقب خروج مقتدى الصدر بكلمة على حسابه على تويتر قائلًا: “وصلت رسالتكم أيها الأحبة.. فقد أرعبتم الفاسدين”، بالإضافة إلى خروج العديد من الخطابات الرسمية المنددة بهذه التظاهرات، لكن عادوا مرة أخرى. وعليه، تم تعطيل جلسات البرلمان، وتصاعدت الدعوات بضرورة عقد…

رحاب الزيادي
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية

اقتحم مئات المتظاهرين الموالين للتيار الصدري مقر البرلمان العراقي، في 30 يوليو ٢٠٢٢، في محاولة لإقامة اعتصام مفتوح اعتراضًا على ترشيح قوى الإطار التنسيقي لمحمد شياع السوداني، سبقتها احتجاجات من أمام البرلمان وفي ساحة المنطقة الخضراء التي تضم مقار البعثات الدبلوماسية، نتج عنها إصابة نحو 60 فردًا وفقًا لوزارة الصحة العراقية، انسحب المتظاهرون في اليوم الأول في 27 يوليو 2022 عقب خروج مقتدى الصدر بكلمة على حسابه على تويتر قائلًا: “وصلت رسالتكم أيها الأحبة.. فقد أرعبتم الفاسدين”، بالإضافة إلى خروج العديد من الخطابات الرسمية المنددة بهذه التظاهرات، لكن عادوا مرة أخرى. وعليه، تم تعطيل جلسات البرلمان، وتصاعدت الدعوات بضرورة عقد حوار بين الأطراف السياسية المختلفة، وهو ما أثار عدة تساؤلات عن دلالات المشهد، والمسارات المحتملة التي قد تشهدها العراق الفترة القادمة.

رسائل ودلالات

• هذه الاحتجاجات ليست الأولى في تاريخ عمر الدولة العراقية، فقد سبقتها احتجاجات أكتوبر 2019، اعتراضًا على الوضع المعتاد في العراق، والطبقة السياسية المتهمة بالفساد التي تقوم على إدارة الدولة، من حيث الصيغة المعطلة القائمة على التوافق والمحاصصة في تشكيل الحكومة في العراق، وإدارة الدولة من خلال هيمنة أحزاب متنافسة على إدارة مؤسساتها، وفقًا للأولويات الحزبية المتعلقة باستمرار المصالح الخاصة، وليس الأولويات المتعلقة بصالح الدولة والشعب العراقي. 

• تأتي هذه الاحتجاجات ردًا على ترشيح قوى الإطار التنسيقي “محمد شياع السوداني” لرئاسة الوزراء في ظل انسحاب معظم قيادات الإطار التنسيقي من الترشح وعلى رأسهم: حيدر العبادي، نوري المالكي، هادي العامري، فالح الفياض، وقد تم التوصل في النهاية إلى ترشيح السوداني، ومن ثم اعترضت القوى المحتجة على شخصية المرشح باعتباره مقربًا من نوري المالكي الذي تعتبره واحدًا من أكبر رموز الفساد في العراق وفقًا لما كشفته التسريبات الأخيرة التي فجرها الصحفي العراقي الأمريكي “علي فاضل”، وما تضمنته هذه التسريبات من اتهامات مباشرة لأغلب حلفاء المالكي ولشخصه، كما أن السوداني كان قياديًا سابقًا في حزب الدعوة، وتسلم خلال السنوات الماضية إدارة عدة وزارات عن ائتلاف دولة القانون، بزعامة المالكي، مما يعني أن حكومة برئاسة السوداني ستخضع بشكل كبير للتوجهات الإيرانية.

• يعد اقتحام البرلمان رسالة ترد على اختيار قوى الإطار التنسيقي لشخصية مقربة من نوري المالكي، فقد كشفت التسريبات الأخيرة له عن شخصية تكن العداء للتيار الصدري، وأن دفع مقتدى الصدر بالمحتجين محاولة استباقية لمنع تشكيل حكومة تتبع نوري المالكي، وذلك لأن التسريبات الأخيرة كشفت عن استعداد المالكي لاستخدام القوة العسكرية ضد التيار الصدري، ومن ثم فإن أي حكومة مقربة له ستعمل على تفكيك نفوذ الصدر في مؤسسات الدولة.

• يبعث الصدر برسالة إلى خصومه مفادها أنه لا مرور نحو اختيار رئيس وزراء بدون موافقة الصدر، بل ويكون مقبولًا من جانبه. وأن الاستحقاقات القادمة لن تمر بدون موافقة الصدر أو مشاركته فيها. وأن انسحاب الكتلة الصدرية من البرلمان العراقي، لا يعنى الانسحاب من العملية السياسية.

• أيضًا تعكس الرسائل التي يبعث بها مقتدر الصدر، نواياه بعدم الانسحاب من المشهد السياسي، واحتمالية التدخل في أي وقت، وربما انتظار اللحظة الحاسمة للتدخل سواء من خلال الشعبية الجماهيرية أو التدخل السياسي (أي المشاركة في الحكومة من خلال أعضاء مقربين له، أو أنه يمثل المعارضة).

• تكشف التطورات الأخيرة باقتحام البرلمان والتسريبات الأخيرة للمالكي عن استحالة تمرير حكومة برئاسة محمد شياع السوداني، ومن ثم الضغط لترشيح شخصية أخرى من جانب قوى الإطار ويقبلها التيار الصدري نتيجة الضغط الشعبي، لا سيما بعد تراجع حظوظ المالكي في الترشح، والمطالبة بمحاسبته على خلفية التسريبات الأخيرة المنسوبة له، والتي تتضمن خططًا لارتكاب أفعال إجرامية يحاسب عليها القانون العراقي.

مسارات محتملة

في ضوء هذا المشهد المعقد والمتشابك، يمكن الإشارة إلى عدة مسارات محتملة، قد تتجه إليها الأوضاع بالعراق في الفترة القادمة: 

الأول: اختيار رئيس للوزراء مقبول لدى كل الأطراف؛ وربما تتجه الأمور في المستقبل لاختيار شخصية تحظى بتوافق لدى جميع الأطراف وتحديدًا (مقتدى الصدر)، لا سيما أن قوى الإطار التنسيقي وعلى رأسها تيار “الفتح” الذي يقوده هادي العامري وتيار “قوى الدولة” الذي يتصدره السيد عمار الحكيم وحيدر العبادي، لم توافق على شخصية محمد شياع السوداني كرئيس للوزراء، ودعت إلى استيعاب التيار الصدري عبر ترشيح رئيس وزراء مقبول له.

كما أن إيران تعلم وزن التيار الصدري في الشارع العراقي، ومن مصلحتها عدم اتجاه الأمور إلى التصعيد، وتحقيق توافق بين الأطراف الشيعية، لا سيما أن مقتدى الصدر قادر على الدفع بكل من الأطراف الكردية والسنية لمعارضة ترشيح أي شخصية غير مقبولة من جانبه، إذ يمكن للكتل الكردية والسنية معًا استخدام الثلث المعطل لمنع تمرير حكومة يترأسها السوداني، على النحو ذاته الذي استخدم فيه الإطار هذا الثلث لمنع تمرير الحكومة التي سعى إليها التحالف الثلاثي بقيادة التيار الصدري.

  وكان من بين الأسماء المطروحة لرئاسة الوزراء: هادي العامري رئيس منظمة بدر، مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء الحالي، النائب أسعد العيداني محافظ البصرة، والنائب علي يوسف شكري، حيدر العبادي. وربما الشخصية الأوفر حظًا في ظل التطورات الجديدة هو حيدر العبادي، فقد تحالف مع التيار الصدري أثناء توليه رئاسة الوزراء بين عامي 2014 و2018، كما أنه على خصومة مع المالكي ويحظى ببعض التأييد الشعبي، مما يضمن ذلك للصدر بأن رئاسة الوزراء لن تذهب لأعدائه.

قد تسعى إيران للتخفيف من الانقسام الحادث اليوم بين القوى الشيعية، واحتمالية الضغط لاختيار شخصية تحظى برضاء الجميع، ومحاولة التوصل إلى صفقة مع الأكراد والسنة، لا سيما أنه بالتزامن مع اقتحام أنصار الصدر للبرلمان، عقد قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني اجتماعًا مع قادة الإطار التنسيقي، والتقى رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالبان بهدف تقريب وجهات النظر.

الثاني: قد تتجه الأوضاع إلى اندلاع حرب أهلية، نتيجة إصرار كل طرف على موقفه وتسلح الأطراف المتصارعة، وتمسك الإطار التنسيقي بترشيح السوداني لرئاسة الحكومة، الأمر الذي يرتب إطالة الأزمة السياسية المستمرة منذ تسعة أشهر، وتعثر إنهاء المرحلة الانتقالية، واستمرار التجاذبات والاضطرابات السياسية لفترة غير محددة، لا سيما أن السوداني يحظى برفض قوى تشرين الممثلة لحراك 2019 وليس التيار الصدري فقط.

ومن الواضح أن التيار الصدري يمتلك قاعدة شعبية عريضة وقادر على تحريك الشارع في أي لحظة، وبالتالي احتمالية اتجاه الأوضاع إلى ما حدث في 2008 عندما نشب صراع مسلح بين القوات الأمنية التي كان يقودها نوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق آنذاك، وجيش المهدى الذي كان الجناح العسكري للتيار الصدري.

ويبقى الرهان على أن تتدخل أطراف وسيطة تحاول إيجاد حل سياسي، يفضي إلى إجراء انتخابات، بل من الأفضل تعديل الدستور، فهناك إشكالية فيما يتعلق بآلية اختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة، ومسألة الكتلة النيابية الأكثر عددًا فوفقا للمادة 76 من الدستور العراقي “يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددًا بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية”.

ومن ثم لم تذكر المادة 76 “الكتلة الانتخابية” ولكن ذكرت “الكتلة النيابية” أي إن الكتلة البرلمانية الأكبر لا يشترط أن تكون من القوى الفائزة في الانتخابات، وهو ما استندت عليه عمليات التشكيل الحكومي منذ عام 2006 وحتى عام 2018. وفي كل انتخابات تثار هذه الإشكالية، وربما تعارض هذه النصوص هو أحد الأسباب وراء الخلافات المستمرة بين القوى العراقية على شكل الحكومة.

كما نصت المادة 45 من قانون الانتخابات الجديد عام 2020 على “عدم أحقية أي نائب أو حزب أو كتلة مسجلة ضمن قائمة مفتوحة فائزة بالانتخابات الانتقال إلى ائتلاف أو حزب أو كتلة أو قائمة أخرى إلا بعد تشكيل الحكومة بعد الانتخابات مباشرة، دون أن يخل ذلك بحق القوائم المفتوحة أو المنفردة المسجلة قبل إجراء الانتخابات من الائتلاف مع قوائم أخرى بعد إجراء الانتخابات”.

وقد حاولت المحكمة الاتحادية إصدار قرار في 22 ديسمبر 2020 يقضى بأن “الكتلة الأكثر عددًا تعني إما الكتلة التي تكونت بعد الانتخابات من خلال قائمة انتخابية واحدة، أو الكتلة التي تكونت بعد الانتخابات من قائمتين أو أكثر من القوائم الانتخابية، ودخلت مجلس النواب، وحلف أعضاؤها اليمين الدستورية في الجلسة الأولى الأكثر عددًا من بقية الكتل”.

الثالث: فى حال استمرار تعقيد الأمور، ربما تتجه الدعوات إلى عقد انتخابات برلمانية مبكرة أو إعادة الانتخابات السابقة، في ظل فشل التوافق بين التيار الصدري من ناحية، وقوى الإطار التنسيقي من ناحية أخرى لا سيما على مدار الأشهر الماضية منذ عقد الانتخابات في أكتوبر 2021 في تشكيل الحكومة، ولم تتوصل هذه الأطراف إلى حل حتى هذه اللحظة، ليحقق تقدمًا في العملية السياسية حيث شهدت الأشهر الماضية منذ انتهاء الانتخابات حالة من الصراع بين القوى السياسية، وتفاقم الخلاف الشيعي-الشيعي، كون التيار الصدري الحاصل على أكبر عدد من الأصوات في الانتخابات التشريعية الماضية، وكان يرغب في تشكيل حكومة أغلبية من الأحزاب الفائزة فى الانتخابات، وشكل تحالف إنقاذ وطن كلًا من التيار الصدرى (73 مقعدًا)، والحزب الديمقراطى الكردستانى (31 مقعدًا)، وتحالف السيادة (عزم وتقدم) 67 مقعدًا، ليمثلوا أكثر من نصف أعضاء البرلمان بحوالى 171 مقعدًا من إجمالي 329 مقعدًا.

بينما كان تكتل الإطار التنسيقي يرغب في تشكيل حكومة توافقية (حكومة محاصصة طائفية وحزبية)، وضم تكتل الإطار كلًا من: دولة القانون برئاسة نوري المالكي، وتيار الفتح برئاسة هادي العامري، وائتلاف قوى الدولة برئاسة عمار الحكيم، وائتلاف النصر برئاسة حيدر العبادي.

 وكان الصدر يرفض التحالف مع نوري المالكي، وقد صرح بذلك عبر صفحته على توتير في 25 يناير 2022: “أبلغت العامري والفياض برفضي التحالف مع المالكي. وكانت قوى الإطار ترغب في أن تتواجد القوى الشيعية في تحالف واحد على غرار الحكومات السابقة، واعتبرت أن ما يسعى إليه الصدر من حيث تشكيل حكومة أغلبية سيؤدي إلى انقسام القوى الشيعية لأول مرة منذ انتخابات 2006 إلى قوى ممثلة في الحكومة، وأخرى في المعارضة، وهو ما يتعارض مع رغبة القوى الإقليمية الموالين لها، إذ يوفر بقاء الكتلة الشيعية موحدة تنفيذ مشروعها وأهدافها في العراق.

إضافة إلى حالة التعطيل التي مارستها القوى الموالية لإيران على مدار الأشهر الماضية، حيث تبادل الطرفان “إنقاذ وطن” و”الإطار التنسيقي” الاتهامات بشأن مسئولية كل طرف عن تعميق الأزمة السياسية باعتباره الطرف المعطل لعملية انتخاب الرئيس وتشكيل الحكومة، نتيجة لعدم اكتمال النصاب القانوني المطلوب برلمانيًا لانتخاب الرئيس (220 نائبًا من 329 نائبًا) عبر ثلاث محاولات فاشلة تخطت كافة المدد الدستورية، لعبت خلالها قوى الإطار التنسيقي دور الثلث المعطل من خلال استمالة عدد من النواب المستقلين، مما مكن الإطار من تشكيل تكتل قوامه 110 نواب. ولم ينجح تحالف إنقاذ وطن في تأمين جلسة اختيار رئيس الجمهورية ثلاث مرات متتالية، وقد تم تجاوز المدد الدستورية المحددة لذلك، وكان من المفترض اختيار رئيس للوزراء من الكتلة الأكبر بحوالي 165 نائبًا، لكن لم تنجح مبادرات التيار الصدري في ذلك، وقرر الانسحاب من البرلمان وأعلن عدم الرغبة في الاشتراك مع القوى الفاسدة في تشكيل الحكومة.
ختامًا، تبقى جميع السيناريوهات قائمة، وتظلّ الأوضاع في تفاقم ما لم تقدم الأطراف السياسية تنازلات لصالح الدولة العراقية، ومن ثم تنحية المصالح الخاصة والموالية لأطراف خارجية جانبًا، ويبقى التعويل على تعديل النص الدستوري سواء ما فيما يتعلق بالنظام السياسي أو شكل الحكومة.

رحاب الزيادي
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية