تُعد أزمة الطاقة من أعقد الأزمات التي يواجهها قطاع غزة وأكثرها تأثيرًا على حياة سكانه، فقد تحولت الكهرباء إلى إحدى أدوات حصار سكان قطاع غزة ومعاقبتهم وفرض المزيد من الضغوط عليهم سلمًا وحربًا. وعليه، من أهم أسباب أزمة الكهرباء في قطاع غزة هي محدودية مصادر الكهرباء وعجزها عن تلبية كافة احتياجات القطاع، والحاجة لمصادر أخرى، والطلب المتزايد على الكهرباء وزيادة استهلاكها.
مدخل:
يواجه قطاع غزة عجزًا شديدًا في الكهرباء، إذ لا يزيد إجمالي الطاقة المتوفرة حاليًا عن حوالي 220 ميجاوات، حسب بيانات شركة توزيع كهرباء في غزة، من مصدرين رئيسيين: محطة توليد الكهرباء الوحيدة، والخطوط الإسرائيلية. وعزز الاستهداف المستمر للبنية التحتية خلال الحرب على غزة من تهالك البنية التحتية لخطوط التيار الكهربائي، فضلًا عن تمدد السكان من 1.2 مليون نسمة في العام 2006، ليصل إلى حوالي 2.2 مليون نسمة في العام 2023. وعليه يعيش قطاع غزة انهيارًا كارثيًا في أوضاعه المعيشية والاقتصادية، ويؤثر ارتفاع أسعار الغاز والوقود على الصناعة فيه، حيث يستورد أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع الغاز بأسعار باهظة.
تكمن المشكلة في نقص وعدم كفاية إمدادات الكهرباء التي تصل إلى قطاع غزة، سواء ما تنتجه محطة توليد الكهرباء في غزة، أو الإمدادات المشتراة من الاحتلال الإسرائيلي.
إشكالية قطاع الطاقة في فلسطين
يعاني قطاع غزة البالغ مساحته حوالي 365 كم مربعًا من أزمة خانقة في ملف الكهرباء، منذ الاستهداف الإسرائيلي لمحطة التوليد الوحيدة في يونيو من عام 2006. حيث لا يزيد إجمالي عدد ساعات وصل وفصل التيار الكهرباء على 8 ساعات يوميًا في أفضل أحوال التوزيع، غير أن جذور الأزمة تمتد منذ نشأة المحطة في عام 1999، فهي لا تستطيع إنتاج أكثر من 120 ميجاوات.
وعليه يمكن القول، إن قطاع غزة عانى من نقص حاد في مصادر الطاقة، يتجلى أثر ذلك بانقطاع التيار الكهربائي أكثر من 13 ساعة يوميًا نتيجة توفر أقل من 45% فقط من احتياج المواطنين للكهرباء، كما أن معظم مناطق الضفة الغربية تحصل على الكهرباء عن طريق شرائها من شركة الكهرباء الإسرائيلية، مما يجعل المواطنين الفلسطينيين عرضة لابتزاز الشركة الإسرائيلية، حيث يبلغ متوسط استهلاك فلسطين من الطاقة الكهربائية سنويًا نحو 1.8 ألف ميجاوات، منها قرابة 600 ميجاوات لقطاع غزة. ولذلك يواجه قطاع غزة عجزًا شديدًا في الكهرباء؛ إذ لا يزيد إجمالي الطاقة المتوفرة حاليًا عن 220 ميجاوات، حسب بيانات شركة توزيع كهرباء في غزة، من مصدرين رئيسيين:
- محطة توليد الكهرباء الوحيدة.
- الخطوط الإسرائيلية.
وتعتمد فلسطين على إسرائيل حاليًا للحصول على نحو 95% من الطاقة الكهربائية، والنسبة المتبقية من الأردن ومصادر الطاقة الشمسية.
استكمالًا لما سبق، تظهر بيانات سلطة الطاقة في غزة أن متوسط احتياج القطاع خلال الأشهر العادية 450 ميجاوات، ويرتفع في فترة الذروة إلي حوالي 630 ميجاوات، في الوقت الذي يبلغ فيه متوسط القدرة المنتجة من المحطة حوالي 70 ميجاوات. أما متوسط قدرة الخطوط من جانب الاحتلال الإسرائيلي فيبلغ حوالي 117 ميجاوات، عبر 10 مغذيات، بجهد حوالي 22 كيلو فولت، حين تنتج مصادر الطاقة البديلة ما بين 15 إلي 20 ميجاوات. لذلك تعمل السلطة الفلسطينية من خلال صندوق الاستثمار الفلسطيني على تدشين الشركة الوطنية لتوليد الطاقة الكهربائية في مدينة جنين شمال الضفة الغربية، لتكون قادرة على توفير حوالي 450 ميجاوات من الكهرباء، كما هو موضح في الشكل التالي.
حاليًا، أوقفت شركة الكهرباء الإسرائيلية تزويد غزة بالكهرباء ردا على عملية طوفان الأقصى، فلم يتبق سوى حوالي 80 ميجاوات، وهو ما رفع نسبة عجز الكهرباء إلي حوالي 80%، قبل أن ينقطع التيار تمامًا. وعليه، أصبحت الكهرباء تصل إلى سكان القطاع لنحو 4 ساعات فقط حتى توقفت محطة التوليد كليًا بسبب قطع إسرائيل إمدادات الوقود، ولذلك يؤثر توقف محطة توليد الكهرباء على كثير من الخدمات الإنسانية في القطاع مثل المستشفيات ومحطات المياه.
أسباب المشكلة
تكمن المشكلة في نقص وعدم كفاية إمدادات الكهرباء، التي تصل إلى قطاع غزة، سواء ما تنتجه محطة توليد الكهرباء في غزة، أو الإمدادات المباشرة من الجانب الإسرائيلي، بالإضافة إلى أنه هناك أطراف وعوامل عدة ساهمت في استمرار الأزمة وتفاقمها طوال السنوات الماضية، والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
- أسباب اقتصادية:
- عدم القدرة على تغطية كامل نفقات تشغيل المحطة الوحيدة، خاصةً بعد ارتفاع أسعار الوقود العالمية التي نتجت بسبب الأزمة الروسية الأوكرانية، وبالإضافة إلى الحرب على غزة.
- عدم قدرة الجهات الحكومية في غزة على تحصيل كافة المبالغ المالية المتعلقة باستهلاك الكهرباء، وعدم وجود آليات واضحة في التعامل مع عملية التحصيل.
- عدم وجود تمويل مستمر ومستدام، يستهدف النهوض بالمحطة وقدرتها على الإنتاج، وتحسين أدائها.
- الخلافات الداخلية:
أدى الانقسام السياسي إلى خلق ازدواجية في المسؤولية عن المحطة وقطاع الكهرباء في قطاع غزة ككل، وذلك نظرًا إلى حالة التشابك بين الإدارات على صعيد المسؤولية تجاه توريد السولار للقطاع، بالإضافة إلى وجود أسباب فنية متعلقة بمتابعة الكشوفات المالية الخاصة بالتحصيلات من المشتركين في القطاع، وحجم الأموال المحصلة، وآليات التسديد والدفع، مرورًا بالملف الفني الخاص بالصيانة والمعدات اللازمة لتطوير الشبكة.
- الاحتلال الإسرائيلي:
يُعد الاحتلال الإسرائيلي سببًا رئيسيًا للأزمة، بدءًا باستهدافه المباشر لمحطة التوليد، ورفضه السماح بإدخال معدات المحطة، وربطه السماح بإدخال الوقود ضمن مساومات سياسية، حيث تفرض قوات الاحتلال الإسرائيلي حصارًا خانقًا على قطاع غزة، منذ العام 2007، وتتحكم في المعابر، وتمنع إدخال مئات الأصناف من البضائع، حيث يشمل ذلك الإمدادات الغذائية والطبية والخدمية والوقود والكهرباء. وهو الأمر الذي يُعد جريمة ومخالفة لقواعد القانون الدولي والإنساني، التي تلزم قوة الاحتلال بضمان تدفق الإمدادات الغذائية والدوائية.
نتج من ذلك خسائر فادحة نتيجة إقبال الفلسطينيين في القطاع على بدائل الطاقة من شموع وليدات وشواحن بدائية، كلفت حوالي 2.5 مليار دولار.
أدى تفاقم أزمة الكهرباء في قطاع غزة، إلى تقليص نسبة العمل لدى حوالي 2000 منشأة صناعية، كما أدت إلى تقلص نسبة العمال، والحصة السوقية لها بحوالي 60%، وذلك إلى جانب انخفاض أصولها الثابتة، وهامش الربح بحوالي 50%، فيما وصلت نسبة التأثير في تكلفة الإنتاج إلى حوالي 200% في بعض القطاعات الصناعية الاستراتيجية. حيث يضع الاحتلال عراقيل أمام تنفيذ مشروعات إستراتيجية متعلقة بالكهرباء، ويعمل على إبطاء كل الجهود المبذولة، وبالأخص المشروعات المتعلقة بربط محطة التوليد بالغاز الطبيعي.
- أسباب فنية:
- ضعف البنية التحتية للمحطة وللشبكات الخاصة بها، إلى جانب الكميات الكبيرة من الفاقد، وذلك بسبب تآكل البنية التحتية للشبكة.
- غياب المانحين عن تنفيذ مشاريع إستراتيجية، والاقتصار على التدخل الإسعافي، مثل: توفير منح للسولار الخاص بتشغيل محطة توليد الكهرباء.
- فشل السياسات المتبعة في إدارة أزمة الكهرباء في إيجاد حلول للازمة، أو التخفيف من حدتها ومنع تفاقمها.
منذ سنوات، يدور الحديث في قطاع غزة عن مشاريع يتم تنفيذها من أجل المساهمة في التخفيف من الأزمة، أو مشروعات ذات طابع إستراتيجي تستهدف القضاء على المشكلة من جذورها، إلا أنها لم تصل إلى مرحلة التنفيذ الحقيقي. ولكن أي خطة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار ضرورة تقليص الاعتماد على المورد الإسرائيلي لأقصى حد وصولًا إلى حالة الاستقلالية الكاملة.
بشكل عام، جاءت عملية اكتشاف الغاز الطبيعي وبكميات تجارية بالقرب من شواطئ قطاع غزة لتبشـر بميلاد مقومات جديدة للاقتصاد الفلسطيني، باعتبار أن ذلك سيكون كمصدر للطاقة الرخيصة ومورد مالي من عوائد تصديره المتوقعة. إلا أن الـتحدي المهم أمام الفلسطينيين من حيث الاستغلال الأمثل للغاز الطبيعي لا يكمن في سياسات وممارسات الاحتلال الإسرائيلي، تجاه الشعب الفلسطيني عامة والاقتصاد الفلسطيني خاصةً، وإنما في قدرة السلطة فرض الواقع الذي تعيشه القضية الفلسطينية وخوض صراع سياسي وديبلوماسي وقانوني لإثبات الحق في سيادة دولة فلسطين على مواردها كافة، بما فيها الموارد في المياه الإقليمية. حيث تدرك إسرائيل جيدًا أن استغلال الفلسطينيين للموارد الطبيعية بحرية سيدر عليهم أموالا تغنيهم عن التزود بالطاقة منها، وكذلك تغنيهم عن التمويل الخارجي بما يحقق استقلالية في الاقتصاد والقرار السياسي، وهو ما لا تريده تل أبيب وتحاربه بشدة من خلال العوائق التي تضعها أمام تنمية الاقتصاد الفلسطيني.
خطط ومشروعات يجب العمل عليها مرحليًا
يُعد حقل غزة مارين الفلسطيني من أقدم حقول الغاز المكتشفة في منطقة البحر المتوسط الغنية بذلك الوقود الأحفوري، والذي يُنظر إليه بأنه أحد الفرص الواعدة أمام دولة فلسطين التي تعاني من شح كبير في موارد الطاقة وسط معاناتها من الاحتلال الإسرائيلي. على الرغم من اكتشاف حقل غزة البحري منذ أكثر من 20 عامًا، فإن موارده ما زالت حبيسة الأرض، ولم تُستغل حتى اللحظة، نتيجة تدخلات الاحتلال الإسرائيلي، ومرور القضية الفلسطينية بتقلبات سياسية ما زالت تحول دون تطويره.
طالبت فلسطين في يونيو من العام الماضي 2023، بحصولها على الحرية الكاملة في استغلال موارد الطاقة الطبيعية التي تملكها بدءًا بتطوير حقل غاز غزة مارين قبالة سواحل البحر المتوسط، كما يوضح الشكل التالي موقع حقل غزة مارين.
غزة مارين وسيطرة إسرائيلية
يعيش قطاع غزة انهيارًا كارثيًا في أوضاعه المعيشية والاقتصادية، ويؤثر ارتفاع أسعار الغاز والوقود على الصناعة فيه، حيث يستورد أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع الغاز بأسعار باهظة، حيث يأتي ذلك في الوقت الذي تعرقل فيه إسرائيل منذ عقود أي إمكانية لاستخراج الغاز من حقلين في بحر غزة مكتشفان منذ عام 1999 من القرن الماضي.
حيث يُعد حقل غزة مارين الفلسطيني من أقدم حقول الغاز المكتشفة في منطقة البحر المتوسط، وينظر إليه على أنه من الفرص الواعدة أمام فلسطين التي تعاني من شح موارد الطاقة وسط معاناتها من الاحتلال الإسرائيلي. في نهاية عام 1999، وعلى بعد حوالي 30 كم من شواطئ قطاع غزة، اكتشفت فلسطين أكثر من حوالي 1.1 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي في المياه الإقليمية التابعة لها (احتياطيات مؤكدة)، حيث منحت السلطة الفلسطينية عمليات البحث والتنقيب في تلك المنطقة الواقعة بالقرب من غزة إلى تحالف من الشركات الأجنبية (شركة بي جي التابعة في ذلك الوقت إلى بريتيش غاز البريطانية)، وذلك قبل استحواذ شركة شل العالمية عليها، بالإضافة إلى صندوق الاستثمار الفلسطيني وشركة اتحاد المقاولين، وذلك من خلال عقد استكشاف واستغلال مدته 25 عامًا.
وفى بداية عام 2000، وعلى عمق حوالي 600 متر تحت سطح البحر، حيث توصل التحالف إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي موزعة على حقلين أكبرهما حقل غزة مارين، والآخر يدعى بوردر فيلد، وتشير التقديرات الأولية إلى أن حقل غزة مارين يحوي أكثر من تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، مع إمكانية إنتاج غاز طبيعي بمعدلات تصل إلي حوالي 1.5 مليار متر مكعب سنويًا من حقلي الغاز معًا، كما هو موضح في الشكل التالي.
غزة مارين بين تحديات الإنتاج والتعنت الإسرائيلي
أكثر من 20 عامًا من اكتشاف حقل غزة مارين للغاز الطبيعي وحتى الآن، حالت بعض الأمور من قيام فلسطين باستخراج وإنتاج هذه الكميات الكبيرة من المنطقة والاستفادة من موارده ومنها:
- بعض الأمور التقنية والتكلفة العالية.
- السياسات والتدخلات الإسرائيلية، وهو ما يشير إلى سعي الاحتلال نحو تبعية فلسطين لها في مجال الطاقة وعدم استقلالها.
- الفشل في جذب الاستثمارات في ظل غياب الضمانات الإسرائيلية بعدم عرقلة عمليات تطوير الحقل.
- خروج شل العالمية من عمليات المنطقة.
- انعدام الأفق السياسي.
استكمالًا لما سبق، الافتقار للبنية التحتية يجعل استغلال حقل غزة البحري صعبًا من ناحية التكاليف المالية، ولذلك يجب القيام بالكثير من الاستثمارات من أجل جعل مشروع الغاز حقيقة. من جهة أخرى حالت السياسات والتدخلات الإسرائيلية، من قيام فلسطين باستخراج وإنتاج الغاز من المنطقة والاستفادة من موارده، وهو الأمر الذي ما يشير إلى سعي الاحتلال نحو تبعية فلسطين لها في مجال الطاقة وعدم استقلالها، حيث إنه وبعد اكتشاف حقل غزة مارين مباشرة، بدأت المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وشركة بي جي البريطانية طرفًا، والحكومة الإسرائيلية طرفًا آخر، للتنسيق بينهما في إطار اتفاقية أوسلو والتي تعطي الحق للفلسطينيين في استخراج الثروات من الأراضي التابعة لها (اتفاقية أوسلو عبارة عن اتفاق سلام موقّع عام 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، أُبرمت في عهد الرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون)، ولكنها في الوقت نفسه تمنح الاحتلال الإسرائيلي الحق في منع حركة الملاحة لأي أسباب أمنية.
تضمنت المفاوضات تأمين المشترين للغاز الفلسطيني، الذي سينتج من حقل غزة مارين، إسرائيل في ذاك الوقت كانت ما تزال مستوردًا للطاقة ولم تتوصل إلى أي اكتشافات في الأراضي المحتلة، كانت هي المرشح الأول للحصول على الغاز المكتشف، وهي الرغبة التي أبدتها شركة إنتاج وتوزيع الكهرباء الإسرائيلية.
ورغم ذلك، ظل الاحتلال الإسرائيلي عائقًا أمام تطوير حقل غزة مارين تحت مبدأ الدواعي أمنية، فمع تصاعد انتفاضة الأقصى عام 2000، رفض أرئيل شارون رئيس وزراء إسرائيل في ذلك الوقت شراء غاز حقل غزة مارين، ثم تدخلت الولايات الأمريكية، ولكنها في نهاية الأمر محاولات باءت بالفشل بحجة إسرائيلية، مفادها منع تمويل الإرهاب.
وفي عام 2006، ومع تولي حكومة إسرائيلية جديدة برئاسة إيهود أولمرت، استؤنفت المفاوضات مرة أخرى بين الحكومة الإسرائيلية وشركة بي جي البريطانية (مكتشفة الحقل)، لكن تل أبيب وضعت شرطًا بخصوص مرور خط أنابيب نقل غاز الحقل إليها مما يجعلها تتحكم في إمدادات الغاز لقطاع غزة، وهو ما رفض من قبل الشركة البريطانية. ومنذ ذلك الوقت، توقفت أي مفاوضات جدية بين فلسطين وإسرائيل بشأن حقل غزة البحري، وما زاد الأمر تعقيدًا، سيطرة حركة حماس في 2007 على قطاع غزة، بالإضافة إلي اكتشاف إسرائيل حقلي الغاز تمار وليفياثان باحتياطيات ضخمة وذلك في عامي 2009و2010، وهو ما زاد تعنتها بشأن مفاوضات الحقل، خصوصًا مع تحولها من دولة مستوردة للغاز الطبيعي إلى مصدرة له.
تعقد الأمر بشكل أكبر عام 2015، عندما استحوذت شركة شل العالمية على شركة بي جي ذراع التنقيب لشركة بريتيش غاز، في صفقة وصفت وقتها بأنها الأكبر في تاريخ صناعة النفط والغاز الطبيعي، وبذلك أصبحت شل هي صاحبة حق تطوير حقل غزة مارين للغاز بحصة تبلغ حوالي 55%، ولكنها اختارت الخروج منه، وذلك بسبب صعوبة تطوير الحقل والاستفادة من موارده، وبالفعل في أبريل عام 2018 توصل صندوق الاستثمار الفلسطيني إلى اتفاق مع شركة شل العالمية يقضي بخروجها من تطوير الحقل غزة البحري.
وبعد خروج شل من المنطقة، قامت السلطة الفلسطينية بتكوين تحالف جديد، وبحصص جديدة يتكون من:
- صندوق الاستثمار الفلسطيني وشركة اتحاد المقاولين بنسبة 27.5% لكل منهما.
- تخصيص 45% لشركة تطوير أخرى.
حيث ظلت بعدها حالة من عدم الوضوح بشأن تطوير حقل غزة مارين، حتى عاد الحديث عنه من جديد بعد تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط للغاز في نهاية عام 2019 وانضمام فلسطين.
الاستراتيجية الإسرائيلية بشأن الغاز الفلسطيني
وفقًا لما سبق، ترتكز الاستراتيجية الإسرائيلية بشأن الغاز الطبيعي الفلسطيني على ثلاثة أسس وهي:
- العمل على استبعاد الجانب الفلسطيني ممثلًا في صندوق الاستثمار، الذي يشرف على إدارة استثمارات السلطة من المفاوضات.
- حصول الفلسطينيون على نصيبهم من صفقة غاز مارين علي شكل سلع وخدمات، حتى لا تستفيد منها السلطة الفلسطينية بالعائدات المالية المنتظرة.
- فرض مبدأ التبعية.
ويمكن استخلاص أسباب تردد أو منع إسرائيل لفلسطين من استغلال حقول قطاع عزة في النقاط التالية:
- في البداية، منعت إسرائيل تطوير حقول الغاز الطبيعي، لأنها سعت إلى شروط تجارية مواتية للغاز المنتج، كما أنها أرادت في مرحلة لاحقة أن تؤمن احتياجاتها من الغاز الطبيعي في حال انقطعت الإمدادات التي كانت تحصل عليها عن طريق الاستيراد الخارجي وبعد أن اكتشفت مواردها الخاصة، بدأت تتحدث عن مخاوف أمنية ازدادت مع سيطرة حماس على قطاع غزة.
- تنال حقول الغاز في شرق المتوسط جل اهتمام إسرائيل خلال الفترة الراهنة والتي تهرول فيها لعقد اتفاقيات وإيجاد سبل لوصول غازها إلى أوروبا بأسرع وقت، فيما تحاذر في الوقت نفسه إغضاب موسكو وإشعارها بأن الغاز الإسرائيلي يقوض ورقة قوتهم في وجه العقوبات الأمريكية الأوروبية بعد الأزمة الروسية الأوكرانية.
- تسعى إسرائيل إلى بقاء التبعية الفلسطينية لها في مجال الطاقة، من أجل إبقاء قبضتها الخانقة على الاقتصاد الفلسطيني، لأن استقلالها في مجال الطاقة يعني دفعة قوية باتجاه تحقيق المصير. كذلك تستفيد إسرائيل من الاعتماد الكامل عليها في ملف الطاقة لتحقيق سلام اقتصادي، إذ أن احتمالات عدم الاستقرار تتضاءل عندما يتم تعزيز هذا الاعتماد.
إشكالية الغاز الفلسطيني
يحظى الغاز الطبيعي باهتمام متزايد في أسواق الطاقة العالمية، ووفقًا لتوقعات وكالة الطاقة الدولية، فإن الطلب العالمي على هذا المصدر سيستمر بالارتفاع خلال العقد القادم، وبصفة خاصة يحتوي حقل غزة مارين على أكثر من ترليون قدم مكعب، وبحجم إنتاج متوقع يقدر بحوالي 1.6 مليار متر مكعب سنويًا (حوالي 57 مليار قدم مكعب)، بالإضافة إلي جودة الغاز والذي وُصف بأنه نقي، مما يسهل بيعه، وقريب من الشاطئ، مما يسهل عملية استخراجه، وبالتالي فإن عملية استخراجه مجدية من الناحية التجارية.
ويكتسب هذا الغاز أهميةً خاصة بالنسبة إلى الفلسطينيين نظرًا للاعتبارات الآتية:
أولًا: حل مشكلة الطاقة
يعاني قطاع غزة من نقص حاد في مصادر الطاقة، يتجلى أثر ذلك بانقطاع التيار الكهربائي أكثر من 13 ساعة يوميًا في قطاع غزة، نتيجة توفر أقل من حوالي 45% فقط من احتياج المواطنين للكهرباء، كما أن معظم مناطق الضفة الغربية تحصل على الكهرباء عن طريق شرائها من شركة الكهرباء الإسرائيلية، مما يجعل المواطنين الفلسطينيين عرضة لابتزاز الشركة الإسرائيلية حيث:
- يبلغ متوسط استهلاك فلسطين من الطاقة الكهربائية سنويًا، نحو حوالي 1.8 ألف ميجاوات، منها قرابة 600 ميجاوات لقطاع غزة.
- تعتمد فلسطين على إسرائيل حاليًا، للحصول على قرابة حوالي أكثر من 95% من الطاقة الكهربائية، والنسبة المتبقية من الأردن ومصادر الطاقة الشمسية.
- تعمل السلطة الفلسطينية من خلال صندوق الاستثمار الفلسطيني، على تدشين الشركة الوطنية لتوليد الطاقة الكهربائية في مدينة جنين شمال الضفة الغربية، لتكون قادرة على توفير 450 ميجاوات من الكهرباء.
وفي حال تم استغلال الغاز الطبيعي في حقل غاز مارين، فستُحل أزمة الطاقة في القطاع وتلبية الطلب الداخلي في كل من الضفة والقطاع.
ثانيًا: بند الموازنة العامة
يشير التقرير السنوي لصندوق الاستثمار الفلسطيني إلي فوائد واسعة النطاق في العديد من المجالات الرئيسة من تسييل ناجح لمشروع غاز غزة، وتقدر الوفورات بأكثر من حوالي 560 مليون دولار سنويًا في فاتورة الطاقة للسلطة الفلسطينية، وعائدات مباشرة تقارب 2 مليار دولار على مدى عمر المشروع الذي يصل إلى أكثر من 20 عامًا للحقل، إلى جانب توقع فرص استثمار ضخمة في قطاع الطاقة لشركات توليد الطاقة المستقلة. حيث تتضاعف أهمية هذين البندين نظرًا لدورهما في تعزيز المساعي الرامية إلى الانفكاك الاقتصادي عن الاحتلال الإسرائيلي.
الفرص الفلسطينية لاستغلال غاز غزة مارين
يُمثل منع إسرائيل الفلسطينيين من استغلال الموارد الطبيعية الموجودة ضمن إقليمها، مخالفة واضحة وصريحة لحق مكفول في عدد من الاتفاقيات الدولية منها اتفاقية لاهاي، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي تعد كل من فلسطين وإسرائيل أطرافًا فيه. في هذا الإطار وطبقًا للمؤشرات السابقة، توجد العديد من الفرص تُسهم في تعزيز قدرة الفلسطينيين على تحرير الغاز الطبيعي الموجود في مياه قطاع غزة ومنها:
أولًا ضرورة استثمار واستغلال عضوية فلسطين في منتدى غاز شرق المتوسط:
يُشكل المنتدى أهمية للدول لا تقتصر على مسألة الغاز وتنمية الموارد فحسب، بل تتعدى إلى إمكانية حدوث اتفاقيات أخرى بين الدول التي بدورها تعزز الاتصال والحوار بينها، فالمنتدى يُشكل تحالفات مرنة وفعالة تتمثل في وجود المصالح المشتركة، والاستعداد للتعاون في مواجهة التحديات الأمنية وتأثير الاختلافات وزيادة التقارب بين الدول والشعوب.
ثانيًا اعتبار دولة من دول منتدى شرق المتوسط كشركة أجنبية وإجراء مفاوضات تجارية حول موضوع الغاز:
ينص هذا البند على بدء التفاوض مع الدولة بصفتها شركة أجنبية، فينطبق عليها ما ينطبق على الشركات الأجنبية التي تعاقدت معها السلطة الفلسطينية كشركة بي جي وغيرها، بغرض التوصل إلى اتفاق تجاري يقضي باستخراج الدولة للغاز من حقل غزة مارين، وذلك وفق حصص متفق عليها لكلا الطرفين (على أن يكون الجانب الفلسطيني هو المالك للحقل)، ويُعد هذا الحل من الحلول الصعب تحقيقها في ظل وجود دعوات تعنت واضح من إسرائيل من فرض شروط تُحد من استغلال الغاز الفلسطيني.
إنشاء محطات الطاقة الشمسية لتغطية أحمال المرافق الرئيسية
تبرر سلطة الطاقة في غزة عدم التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية بشكل واسع إلى محدودية الشبكة الكهربائية، وصعوبة التمدد في الربط، ما يجعلها محصورة في أنظمة التركيب الحالية المرتبطة المستخدمة للاستخدامات المنزلية، أو المدارس، أو العيادات الحكومية، أو تلك التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين.
وفي أحسن أحوالها، تنتج الطاقة الشمسية حوالي 20 ميجاوات، لكن مع ذلك، فإن الشبكة غير قادرة على جلب ضخ هذه الكميات، بحسب شركة توزيع الكهرباء، مع الإشارة إلى وجود مشروعي طاقة يضخان حوالي 7 ميجاوات بالقطاع، ويزيد الأمر تعقيدًا عدم وجود قدرة على التخلص من نفايات البطاريات.
مجمل القول، تُشكل الطاقة أحد أهم المقومات الأساسية لممارسة النشاط الاقتصادي وغيره من الأنشطة الضرورية للبشرية، كما أنها تُعد بعدًا استراتيجيًا في تحقيق الأمن الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للدولة الفلسطينية، حيث يؤثر غياب أو قصور في معادلة الطاقة أو عدم وصولها لكل المناطق والفئات على اتجاهات بعض المؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعليه فقد أضحى ملف الطاقة قضية محورية وتحقيق أمن الطاقة في فلسطين يٌشكل أمرًا حيويًا لحماية الأمن القومي لها، وفي وقت تعيش فيه الدولة تحديين رئيسين، الأول، الارتفاع المتزايد في الطلب على الطاقة، والثاني هو تزايد عدد السكان بشكل كبير.
وفي الأخير، من الضروري رسم إستراتيجية وطنية عاجلة، عبر هيئة تضم الأطراف المختلفة من الجهات الرسمية والوطنية والفصائلية، تعمل على التواصل مع الأطراف الوسيطة والمعنية لدعم الجانب الفلسطيني في إيجاد حلول عاجلة لأزمة الطاقة.
دكتور مهندس متخصص في شؤون النفط والطاقة