لا شك أن القراءة المتأنية والواقعية للوضع الراهن في منطقة الشرق الأوسط تقودني إلى نتيجة محددة مفادها أننا أمام وضع هش لا يزال قابلًا للانفجار في أي وقت رغم كل ما تمّ التوصل إليه من مذكرات أو تفاهمات أو اتفاقات إطارية بين الأطراف المتنازعة سواء بين الولايات المتحدة وإيران أو بين إسرائيل ولبنان؛ حيث إن هذه الاتفاقات لم تتطرق إلى معالجة جوهر المشكلات المثارة بين الأطراف، ولكنها حرصت على أن تعبر هذه المرحلة المتوترة وتؤجل القضايا المعقدة إلى مرحلة أخرى وتمنحها وقتًا أطول على أمل أن يتم حلها خلال العملية التفاوضية.
تقييم موقف مختلف الأطراف
- الموقف الإسرائيلي
تعاملت إسرائيل مع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران بالشكل الذي يتماشى مع مصالحها في المقام الأول حتى لو لم تكن مرضية لها؛ حيث حرصت على إبداء عدم الترحيب بالمذكرة، ولا سيما من خلال عديد من تصريحات بعض الوزراء المتطرفين في الائتلاف الحاكم ولكن دون أن يصل الأمر إلى حدوث أزمة في العلاقات الثنائية بين الدولتين خاصة وأن تل أبيب تعلم أن الرئيس الأمريكي تبنى هذه المذكرة بنفسه واعتبرها انتصارًا ليس فقط للولايات المتحدة ولكن له شخصيًا، هذا بالإضافة إلى القناعة الإسرائيلية بأنها لم تكن تملك فعليًا القدرة على إلغاء أو وقف إعلان المذكرة التي خرجت إلى النور رغمًا عنها وحظيت بتأييد إقليمي ودولي واسع.
وفي الوقت نفسه كان هناك توجه إسرائيلي واضح بل وإصرار على ضرورة الفصل بين مذكرة التفاهم (وتحديدًا بما تضمنته الفقرة الأولى التي تشير إلى وقف الحرب على جميع الجبهات بما في ذلك لبنان) وبين الموقف الإسرائيلي تجاه لبنان وذلك من منطلق الرؤية الإسرائيلية التي تقول إنه إذا كانت واشنطن سوف تتولى بمعرفتها معالجة الأزمة الإيرانية فإن إسرائيل من جانبها لا بد أن تكون هي المسئولة عن معالجة الأزمة اللبنانية وخاصة فيما يتعلق بوضعية حزب الله؛ نظرًا لأن هذه الأزمة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن الإسرائيلي المباشر وتحديدًا فيما يتعلق بأمن سكان المنطقة الشمالية.
وقد وافقت إسرائيل على أن تشارك في مسار المفاوضات مع الدولة اللبنانية برعاية أمريكية قناعة منها أنها الطرف الأقوى في هذه المفاوضات بما تمتلكه من أوراق بالإضافة إلى أن هذا المسار سوف يفوت الفرصة على إيران في أن تتحكم في الملف اللبناني، وفي هذا المجال نشير إلى أن هذه المفاوضات أسفرت عن التوصل إلى اتفاق إطاري تم توقيعه في مقر وزارة الخارجية الأمريكية بين الجانبين الإسرائيلي واللبناني يوم 26 يونيو، وهذا الاتفاق عبارة عن مجموعة من المبادئ التي تم التوافق عليها والتي من المفترض أن تؤدي في حالة تنفيذها كاملة إلى تسوية الأزمة اللبنانية كليًا.
وبالرغم من أي اتفاقات موقعة أو متوافق عليها فإن هناك مجموعة من الخطوط الحمراء التي لا يمكن لإسرائيل أن تتنازل عنها خاصة في ضوء اقتراب موعد انتخابات الكنيست ووضوح حرص نتنياهو على أن يشكل الحكومة المقبلة، ويمكن القول إن جوهر هذه الخطوط الحمراء يتمثل في رفض أي مواقف أو مطالب تتعارض مع محددات الأمن الإسرائيلي سواء في جنوب لبنان أو قطاع غزة أو سوريا كما أن إسرائيل لن تتورع عن المبادرة بمواجهة أي مخاطر أو تهديدات يمكن أن تتعرض لها أي وقت، أما فيما يتعلق بإيران فإن إسرائيل سوف تترقب نتائج المفاوضات الأمريكية الإيرانية إزاء الملفين النووي والصاروخي ثم سوف تتحرك –بالتنسيق مع واشنطن -في ضوء نتائج هذه المفاوضات التي تراهن على فشلها.
- الموقف الأمريكي
ترى الولايات المتحدة أن مذكرة التفاهم التي تم توقيعها مع إيران قد حققت الأهداف الأمريكية عقب انتهاء الحرب ومن ثَمّ فإنها لا تزال حريصة على استمرار العملية التفاوضية لتنفيذ البنود الواردة في هذه المذكرة، وفي الوقت نفسه تستخدم واشنطن بعض مظاهر القوة ضد إيران من فترة لأخرى حتى تحجم من تحركاتها، ومحاولتها تحقيق أكبر قدر من المكاسب وخاصة فيما يتعلق بوضعية مضيق هرمز .
أبدت الولايات المتحدة استياءها من مواقف نتنياهو باعتبار أنها تؤثر سلبًا على التحركات الأمريكية وخاصة إزاء تهدئة الوضع في لبنان ولكن دون أن تصعد واشنطن من خلافاتها مع إسرائيل، وفي التقدير أن واشنطن حرصت على إرضاء إسرائيل فيما يتعلق بالاتفاق الإطاري الذي تم توقيعه مع لبنان حيث إن جوهر بنود هذا الاتفاق يمنح الأمن الإسرائيلي أولوية على أي قضايا أخرى رغم أنه من المفترض أن يؤدي في النهاية إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية.
- الموقف الإيراني
حققت إيران بعض المكاسب الواضحة في مذكرة التفاهم التي وقعتها مع الولايات المتحدة من بينها محاول التحكم في الملف اللبناني وكذا الربط بين بحث ملف البرنامج النووي وتنفيذ بعض مطالبها ولا سيما فيما يتعلق بإنهاء العقوبات المالية وتصدير النفط، كما لا تزال إيران من ناحية أخرى تسعى إلى التحكم أيضًا في ملف مضيق هرمز في ضوء قناعتها بأن كلًا من الملفين اللبناني وهرمز يمثلان أهم عناصر القوة التي تتمتع بها في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل وأن التخلي عنهما سيؤدي سوف يضعف موقفها بشكل كبير ولذا تحاول من فترة لأخرى استخدام القوة العسكرية ضد دول الخليج تحت مبرر مهاجمة القواعد الأمريكية وذلك حتى تضمن وجودها المؤثر داخل المعادلة الحالية.
تتحرك إيران في مسار تنفيذ مذكرة التفاهم وهي تتشكك تمامًا في نوايا الولايات المتحدة؛ ولذا فإنها سوف تتشدد في ملفي لبنان ومضيق هرمز بهدف أن تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن موقفها سيكون أكثر صعوبة خلال بحث الملف النووي ورفضها تفكيك برنامجها النووي طبقًا للمطالب الأمريكية وكذا رفض بحث برنامجها الصاروخي (الذي لم تشر إليه مذكرة التفاهم) وفي التقدير أن إيران بدأت في بلورة آليات تنفيذ سياساتها خلال المرحلة المقبلة على أساس أن مذكرة التفاهم سوف يتم انتهاكها من جانب واشنطن وتل أبيب ومن ثم إمكانية عدم تنفيذها.
- الموقف العربي
لا يزال الموقف العربي يتبنى المبادئ العامة المعروفة نفسها من بينها المطالبة بضرورة تغليب الحلول السياسية على الحلول العسكرية وكذا مركزية القضية الفلسطينية بالإضافة إلى الحفاظ على وحدة وسيادة وسلامة الدول العربية وأهمية توحيد الموقف العربي، ومن ثم فإن هذه المواقف تعد مواقف روتينية لا تتلاءم مع طبيعة المخاطر التي تتعرض لها المنطقة؛ الأمر الذي يؤكد أن دور الجامعة لا يزال في حاجة إلى تفعيل ونقلة نوعية، ولكن حتى أكون منصفًا فإن هذا التفعيل لا بد أن تبدأ بتوحيد أهم الدول العربية المؤثرة لمواقفها ثم يتم منح الجامعة مساحة الدور المنوط بها حتى تكون هي المعبرة بصدق عن المواقف العربية على الأقل في القضايا المهمة.
- الموقف الخليجي
تتحرك دول الخليج العربي بالصورة التي تحقق مصالحها في ضوء التجربة القاسية التي مرت بها خلال الحرب وهو أمر طبيعي ومتوقع؛ حيث بدأت توسيع مجالات تحالفاتها وتحركاتها السياسية والاقتصادية والأمنية مع عديد من الأطراف على المستويين الإقليمي والدولي بما في ذلك التواصل مع إيران حتى يتم احتواء التوتر الذي شهدته العلاقات الخليجية الإيرانية خلال الفترة السابقة، وفي التقدير أن مناخ عدم الثقة سوف يستمر يسيطر على هذه العلاقات حتى تقوم إيران بإدخال تعديلات حقيقية على سياساتها تجاه المنطقة بصفة عامة ودول الخليج بصفة خاصة.
- الموقف اللبناني
تنتهج الدولة اللبنانية كافة المسارات التي من شأنها أن تحقق المصالح العليا للدولة وتحقيق انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في منطقة الجنوب والتي تبلغ حوالي 10% من مساحة الدولة، ولذا اتجهت القيادة اللبنانية إلى مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل برعاية أمريكية؛ حيث تم التوصل إلى اتفاق إطاري بين الجانبين بما يؤدي في النهاية إلى تحقيق مصالح الطرفين، وأعتقد أن تنفيذ هذا الاتفاق يمثل التحدي الأكبر أمام الدولة اللبنانية خاصة فيما يتعلق بأهم المسائل الشائكة وهي نزع سلاح حزب الله؛ الأمر الذي يمكن القول معه إن المرحلة المقبلة ستمثل المرحلة الحاسمة في تنفيذ هذا الاتفاق الإطاري من عدمه خاصة مع المعارضة الواضحة التي أبداها حزب الله تجاه هذا الاتفاق.
الخلاصة
لا شك أن التوصل إلى مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران بوساطة باكستانية وقطرية وبدء عملية التفاوض في سويسرا، ثم التوصل لاتفاق إطاري بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية يعد من أهم التطورات التي شهدتها المنطقة عقب انتهاء الحرب على إيران، وبالرغم من ذلك فإن مظاهر التوتر وعدم الثقة لا تزال تخيم على المناخ العام في المنطقة وأصبح الوضع مهيًا للانفجار مرة أخرى ما لم تكن هناك إرادة سياسية حقيقية من جانب كافة الأطراف بتنفيذ ما تم التوافق عليه؛ وهو الأمر الذي أعتقد أنه لا يزال يحمل عديدًا من التساؤلات والشكوك.
ولا شك أن الموقف الإسرائيلي يعد من أكثر المواقف التي يمكن أن تقوم بتفجير الوضع العام خاصة في ظل اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية التي ستضفي تأثيراتها مزيدًا من التشدد في مواقف كافة الأحزاب الكبيرة المتنافسة التي ستحرص كلها على المزايدة فيما يتعلق بأمن إسرائيل سواء في غزة أو تجاه حزب الله أو إيران، وفي الجانب المقابل فإن حزب الله وبدعم من إيران لن يوافق على نزع سلاحه بالسهولة المنصوص عليها في الاتفاق الإطاري وهي المعادلة الأصعب، وفي النهاية يستمر طرح التساؤل المهم الخاص بطبيعة موقف الحوثيين وكيف سيتعاملون مع الوضع في المنطقة خلال المرحلة القادمة التي أرى أنها تسير في طريق التوتر أكثر من طريق التهدئة.
نائب المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية


