تعتبر العلاقة بين التعليم والاقتصاد علاقة عضوية نظرًا لارتباطها بتحقيق طموحات التنمية الصناعية وزيادة الإنتاج والصادرات والاستفادة المثلى من الموارد البشرية والحد من البطالة، بالتالي تحقيق معدلات التنمية الاقتصادية المستهدفة بما ينعكس على تعزيز التنمية الاجتماعية. وتبرز النماذج التنموية الناجحة في العالم ( مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة على سبيل المثال) كيف كانت السياسات التعليمية الناجحة والمتوائمة مع النموذج التنموي عاملًا حاسمًا في تحقيق نموهما الاقتصادي لتصبحا لاعبين فاعلين في قطاعي الصناعة والخدمات على خريطة الاقتصاد العالمي.
وبالرغم من ذلك فلا يزال عديد من الاقتصاديات الناشئة تعاني من فجوات بين ما تنتجه سياساتها التعليمية وبين احتياجات اقتصادياتها أو بين إمكانات اقتصادياتها ومخرجاتها التعليمية؛ مما ينشأ معه فجوات تعرقل مسيرة التنمية الاقتصادية بها، ويمكن التعرض لصور من أهم هذه الفجوات حيث تمثل الفجوة الأولى والثانية تحديات تقليدية يمكن التعرض لهما اختصارًا بينما يتم التعرض بقدر من التفصيل للفجوة الثالثة كما يلي:
فجوة التسرب: وهي ظاهرة ترتبط بالانقطاع عن استكمال المراحل الدراسية الأساسية لأسباب قد تكون اقتصادية أو اجتماعية، والذي يهمنا في هذا المجال هو وجود شريحة في أحد أهم مكونات النسيج الاقتصادي وهو (العمالة) تفتقر إلى الحد الأدنى للتعليم اللازم لاكتساب المهارات الضرورية لتكون قيمة مضافة في المكون الاقتصادي، فضلًا عن كونها المرشح الأقوى لزيادة معدلات البطالة، ولا يقتصر الأثر الاقتصادي على ذلك فقط، بل يمتد لتصبح قطاعًا معطلًا في منظومة الطلب الاستهلاكي عن القطاعات ذات المكون التكنولوجي والتي تتطلب حدًا أدنى من التعليم للتعامل معها واقتنائها لتتحول هذه الشريحة إلى عبء اقتصادي واجتماعي يتطلب جهدًا مضاعفًا للدمج في عجلة الاقتصاد الوطني.
فجوة احتياجات سوق العمل: وتمثل النموذج التقليدي؛ حيث إن المهارات المكتسبة من مخرجات التعليم لا تتواءم مع الاحتياجات الفعلية المطلوبة لسوق العمل والذي يعتبر في هذه الحالة هدرًا للموارد الاقتصادية التي تم استثمارها وإنفاقها خلال مسيرتهم التعليمية؛ مما يؤدي إلى لجوء هذه الشريحة من الخريجين إلى خيارات تتأرجح بين الانضمام إلى قائمة البطالة أو التوجه إلى أعمال لا علاقة لها بتأهيلهم الأكاديمي أو محاولة الهجرة للخارج بحثًا عن فرصة عمل ودخل مادي.
وقد تنبهت الحكومة المصرية وكذا قطاع الأعمال المصري لهذه الفجوة ويتم بالفعل بذل جهود من زوايا عدة، منها: الدفع بتخصصات أكاديمية مستحدثة في منظومة التعليم تتسق واحتياجات سوق العمل وتنشيط دور المجلس الأعلى للتعليم التكنولوجي وكذا قيام القطاع الخاص الوطني بإنشاء مدارس فنية وأكاديميات تتبع أسلوب التعليم والتدريب المزدوج في الوقت ذاته مسترشدًا في ذلك بالتجارب الدولية الثرية في هذا المجال وعلى رأسها التجربة الألمانية.
فجوة نزيف الكفاءات: إذا كانت الفجوة السابقة تمثل عدم توافق مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل فإن فجوة نزيف الكفاءات تمثل العكس تمامًا حين لا تتوافق الصناعات الوطنية بالقدر الكافي مع مخرجات التعليم من كفاءات في تخصصات دقيقة وحديثة ترتبط بالابتكار وإنتاج المعرفة، ويمثل ذلك مفارقة في ملف الموارد البشرية داخل منظومة الاقتصاد؛ فبينما تسعى الاستراتيجية الوطنية للتعليم العالي والبحث العلمي ( في مصر على سبيل المثال) إلى المساهمة في دعم الاقتصاد من خلال توفير مناخ محفز لتوطين وإنتاج المعرفة وربط مخرجات المعرفة والابتكار بالأولويات الوطنية، وتنجح الجامعات في تخريج كفاءات شابة مؤهلة في تخصصات الثورة الصناعية الرابعة، يغيب “الوعاء الصناعي الوطني” القادر على استيعاب نتاج الاستثمار الحكومي الضخم على التعليم وبناء القدرات المرتبطة بالقدرة على الابتكار وإنتاج المعرفة وتطوير المنتجات في ضوء التركيز على توطين التكنولوجيا (وهو مطلوب) دون إنتاجها وتطويرها وكذا المشروعات كثيفة العمالة (وهي مطلوبة أيضًا) تفضيلًا لكثافة العمالة مقابل كثافة العقول.
ويترتب على فجوة غياب وعاء وطني لإنتاج المعرفة والتكنولوجيا وتطوير منتجات تستوعب نتاج تعليم أفرز كفاءات مبدعة أن تلجأ هذه الكفاءات إلى بدائل منها:
- الهجرة إلى الخارج للعمل في الشركات التي تتسق ومهاراتهم أو تأسيس لشركات خاصة في أسواق توفر الطلب على ابتكاراتهم.
- الهجرة في الداخل (إلى الخارج ) إما من خلال العمل في شركات دولية داخل الاقتصاديات الناشئة (حيث تتحول القيمة المضافة والأرباح للشركة الأم بالخارج وتستفيد من ابتكارات هذه العقول شركات خارج الاقتصاد الوطني) أو العمل من الداخل عن بعد في شركات لاقتصاديات منافسة خارج الوطن.
ولا شك أن إهدار هذه الموارد التعليمية يكون له أثر على جهود انتقال الاقتصاد الوطني من مرحلة الاقتصار على استهلاك المعرفة وتوطين التكنولوجيا إلى مرحلة إنتاج المعرفة والابتكار والتي تمثل مرحلة الانطلاق لأي اقتصاد ليكون قادرًا على الوجود والمنافسة دوليًا وبالتالي اكتساب عنصري الصلابة والمرونة أمام التحديات الاقتصادية المتكررة.
أما في حالة اتباع سياسات اقتصادية للاستفادة من هذه الكفاءات المعرفية فسيؤدي ذلك إلى استفادة الاقتصاد الوطني من أوجه عدة منها: تعظيم العائد على رأس المال البشري لصالح الاقتصاد الوطني، تجاوز الفجوة التكنولوجية، تحسين مؤشر التعقيد الاقتصادي للاقتصاد الوطني (الذي يُعد أداة محورية لقياس درجة تنوع وتطور القاعدة المعرفية والإنتاجية للدول)، الإسهام في جذب استثمارات قائمة على المعرفة تعزز التوجه نحو الصناعات الوطنية القائمة على التنوع والابتكار دون الاقتصار على استثمارات التكنولوجيا المستوردة، ترقية الصناعة الوطنية والتحول من نموذج “التصنيع للغير” إلى “ابتكار المنتج الوطني”، معالجة جمود الصادرات وارتباطها العضوي بقطاعات إنتاجية شبه ثابتة تدور في فلكها صعودًا وهبوطًا، التنويع الجغرافي للأسواق بمنتجات ذات المحتوى التكنولوجي الأكثر نفاذًا لأسواق جديدة وحيوية يصعب اختراقها بالهيكل التصديري التقليدي؛ مما يقلل من مخاطر التركز الجغرافى للصادرات،فضلًا عن تعزيز الهوية الاقتصادية من خلال بناء سمعة عالمية للجودة والابتكار والانتقال إلى مصاف الدول الأعلى دخلًا ليصبح الاقتصاد الوطني على خريطة القوى الصناعية الفاعلة في النظام الاقتصادي العالمي.
و تشكل التغيرات الحالية في السياق الاقتصادي العالمي عاملًا محفزًا للاستفادة من نتاج السياسات التعليمية في مجال الابتكار وإنتاج المعرفة وتطوير المنتجات وإعادة تموضع الاقتصاديات المؤهلة كمركز تصنيعي بديل في ضوء إعادة هندسة التجارة العالمية والاضطراب الحالي في سلاسل الإمداد العالمية.
وبناءً على ما تقدم فيتعين أن تكون هناك معالجات على مستوى السياسات لهذه الفجوات الثلاثة سواءً على مستوى التعليم والتدريب والتعلم بالنسبة للفجوة الأولى والثانية أو على المستوى الاقتصادي بالنسبة للفجوة الثالثة لتصب هذه السياسات في صالح الاقتصاد الوطني، ويمكن في هذا الإطار أن يؤخذ في الاعتبار عدة نقاط من أهمها:
- دراسة ومعالجة الأسباب الهيكلية لظاهرة التسرب من التعليم والتي تؤثر حتمًا على قدرة الاقتصاد الوطني إنتاجًا واستهلاكًا.
- الاستمرار والتوسع في جهود التدريب والتعلم وكذا مراجعة التخصصات الأكاديمية والأساليب التعليمية بهدف المزج بين التعليم والتدريب مما يحقق مواكبة التطورات المتسارعة في سوق العمل المحلي والدولي.
- الاستفادة من مخرجات التعليم في مجال إنتاج المعرفة والابتكار لتصبح هذه المجالات ضمن المعايير الحاكمة لاختيار القطاعات ذات الأولوية في الاقتصاد الوطني، وقد تطرقت الاستراتيجية الوطنية للصناعة في مصر (2026-2030) إلى هذا المعيار تحت عنوان (التعقيد والتنويع: مستوى التكنولوجيا المستخدمة وتعقيد المنتجات) ضمن معايير أخرى.
وأخيرًا، تتعين الإشارة إلى أن هذه الفجوات تنعكس على موقف المعرفة في هذه الاقتصاديات، ففى حالة فجوة التسرب من التعليم يكون هناك ظاهرة انعدام المعرفة، وفي حالة فجوة عدم توافق التعليم مع متطلبات سوق العمل يكون هناك ركود المعرفة، وفي حالة الاقتصار على الاعتماد على مخرجات التعليم من الخارج تكون هناك ظاهرة استيراد واستهلاك المعرفة، وفي حالة التحول إلى الابتكار من الداخل تكون هناك ظاهرة إنتاج المعرفة من الداخل والتي تحتاج كما ذكرنا إلى وعاء اقتصادي ليستفيد منه الاقتصاد الوطني وإلا تحول الاستثمار في التعليم إلى ظاهرة تصدير المعرفة (بلا مقابل) لصالح اقتصاديات أخرى.
مدير برنامج الدراسات الاقتصادية