في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الثلاثاء الماضي، وقف الرئيس الأمريكي أمام نحو 130 من قادة العالم، ليعلن أنه بصدد “قرار كبير” بشأن إيران: إما التوصل إلى اتفاق يتيح لها “إعادة البناء وأن تصبح دولة أعظم بكثير مما كانت عليه”، أو أن يُقدم على “إبادة الجمهورية الإسلامية” وسوقها “إلى الجحيم دون أي فرصة للبقاء” على حد تعبيره.
وبعدها بسويعات، توقع ترمب إبرام “صفقة تاريخية” وشيكة مع إيران بعد انتخابات الثالث من نوفمبر المقبلة، قائلًا إن الإيرانيين “ينتظرون ليروا كيف سيكون أدائي في الانتخابات النصفية”؛ هذا التأرجح بين إنذارات الفناء الكامل وتبشيرات الصفقة الوشيكة، لم يكن إلا امتدادًا لنمط متكرر طبع سياسة ترمب منذ شن الحرب الأمريكية على إيران نهاية فبراير الماضي، والذي رصدته الصحافة الغربية في ثماني مناسبات كبرى على الأقل خلال سبعة أشهر (بدايةً من 15 مارس حين طالب ترمب حلف الناتو والصين بالمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز، ثم زعم في 23 مارس أن إيران توسلت إليه لعقد صفقة، وهو ما نفته طهران رسميًا، وفي اليوم التالي مباشرة، عاد ليزعم أن الولايات المتحدة وإسرائيل “انتصرتا” في الحرب رغم استمرار الصواريخ الإيرانية، قبل أن ينقلب مجددًا أواخر مارس إلى التهديد المباشر بتدمير البنية التحتية الإيرانية إن لم تُبرم صفقة).
واقع الأمر أن السؤال الأكثر أهمية في المواجهة بين إيران والولايات المتحدة لم يعد : متى يمكن أن تقع الضربة التالية، وما إذا كانت ستأتي قبل الانتخابات الإسرائيلية أو الأمريكية أم بعدها؟ فهذا السؤال، على أهميته، يظل أسيرًا لمنطق الحدث العسكري وتوقيته، بينما تكشف التطورات المتلاحقة أن جوهر الصراع انتقل إلى مستوى أكثر تعقيدًا: الصراع على شروط ما بعد الحرب، وحدود الإكراه، وقواعد الحركة في الخليج، ومستقبل مضيق هرمز، وكيفية إدارة التوقعات المتعارضة بحيث لا يتحول التفوق العسكري إلى مأزق سياسي يصعب الخروج منه.
فالحرب في هذا السياق لا تُقاس فقط بما تستطيع إسرائيل أو الولايات المتحدة تدميره، ولا بما تستطيع إيران احتماله أو الرد عليه، وإنما بما يستطيع كل طرف تحويله من ضغط عسكري إلى مكسب سياسي قابل للحياة. وقد يصبح إطلاق النار أحيانًا أسهل من تحديد اللحظة التي ينبغي عندها التوقف، لأن المشكلة لا تكمن في القدرة على توجيه الضربة بقدر ما تكمن في القدرة على ضبط مسارها، ومنعها من إنتاج سلسلة من ردود الفعل التي تتجاوز الأهداف الأصلية للصراع. ولذلك فإن الخطر الحقيقي لا يرتبط فقط باحتمال اتخاذ قرار بالحرب، بل باحتمال فقدان السيطرة على عتبة التصعيد؛ فقد تبدأ المواجهة بقرار محسوب، ثم تتسع بفعل حادث كبير، أو إصابة سفينة أمريكية، أو سقوط أعداد كبيرة من القوات، أو إغلاق فعلي لمضيق هرمز، أو ضربة إسرائيلية واسعة تدفع واشنطن إلى التدخل بدرجة لم تكن تخطط لها.
ومن هذه الزاوية، يصبح مضيق هرمز أكثر من مجرد نقطة اختناق جغرافية أو ورقة إيرانية للضغط على أسواق الطاقة؛ فهو يتحول إلى اختبار للنظام الأمني الذي يمكن أن يتشكل بعد المواجهة. إيران تحاول أن تحول قدرتها على تعطيل الملاحة إلى نفوذ سياسي يفرض حضورها في أي ترتيبات جديدة، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى تحويل قدرتها العسكرية على حماية الملاحة وإزالة الألغام وتأمين حركة السفن إلى واقع أمني مستدام، في حين لا تستطيع دول الخليج أن تظل مجرد متلقٍ لترتيبات يقررها الآخرون، لأنها في النهاية الطرف الذي سيتحمل جزءًا كبيرًا من نتائج أي نظام جديد للأمن والطاقة والملاحة في المنطقة.
وعليه، فإن القضية ليست فقط من يملك القدرة على توجيه الضربة الأقوى، وإنما من يملك القدرة على تحديد قواعد ما بعدها؛ فالنصر العسكري الذي لا ينتج تغييرًا مستدامًا في سلوك الخصم قد يتحول إلى عبء، والضغط الذي لا يترك للخصم مخرجًا سياسيًا قد يدفعه إلى تصعيد لا يريده أصلًا، والهدوء الذي لا يعالج أسباب المواجهة قد لا يكون سوى هدنة مؤقتة بين جولتين. وبين هذه الاحتمالات تتحرك إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، بينما تتداخل حسابات دول الخليج، وأمن البحر الأحمر وباب المندب، وأسواق الطاقة، والممرات البحرية، والقوى الدولية التي لا تريد حربًا شاملة لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى تغيير قواعد السلوك الإيراني.
ومن ثم، فإن قراءة المرحلة الراهنة تتطلب تجاوز البحث عن «موعد الضربة» إلى تحليل منظومة الإكراه والتفاوض وإدارة المخاطر التي تسبقها وتليها؛ أي فهم الكيفية التي يستخدم بها كل طرف القوة والتهديد والتفاوض في وقت واحد، وكيف تتحول الإشارات العسكرية والسياسية إلى أدوات لإدارة التوقعات، وكيف يمكن أن تصبح الرغبة في تحقيق «انتصار» قبل الاستحقاقات السياسية المختلفة سببًا في إطالة الحرب بدل إنهائها. وفي هذا الإطار تحديدًا، لا تصبح المسألة مجرد مواجهة بين واشنطن وطهران، بل صراعًا على شكل النظام الإقليمي الذي سيولد من هذه المواجهة، وعلى من يملك حق وضع قواعده وحدود الحركة داخله.
أولا- من الردع إلى الإكراه: أين تكمن القوة الحقيقية؟:
يبدو السؤال الأكثر تداولًا في قراءة المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية هو: هل تتجه الولايات المتحدة وإسرائيل إلى ضربة جديدة، ومتى يمكن أن تقع؟ غير أن هذا السؤال، رغم أهميته، أصبح أضيق من أن يفسر طبيعة المرحلة الراهنة؛ فالمواجهة تجاوزت منذ فترة منطق الضربة والرد عليها، وأصبحت أقرب إلى صراع على إعادة تشكيل حسابات الخصم قبل الوصول إلى أي تسوية، ولذلك فإن القضية الأساسية ليست من يستطيع إلحاق الضرر بالطرف الآخر، وإنما من يستطيع جعل الطرف الآخر يقتنع بأن الاستمرار في موقفه الحالي أصبح أكثر كلفة من تغييره.
وهنا تصبح أفكار “توماس شيلينج” حول الإكراه والتفاوض تحت التهديد مفيدة في فهم المشهد؛ فالقوة لا تتحول تلقائيًا إلى نفوذ سياسي؛ النفوذ ينشأ عندما يستطيع الطرف الأقوى أن يقنع خصمه بأن عدم الاستجابة ستكون له عواقب لا يرغب في اختبارها، ولذلك فإن التهديد الأكثر فاعلية ليس بالضرورة التهديد الذي ينفذ بالكامل، وإنما الذي يجعل الخصم يعيد حساباته قبل أن تصل الأمور إلى نقطة اللاعودة. هذه هي المفارقة التي تواجه واشنطن: كلما أرادت أن تجعل تهديدها العسكري أكثر تصديقًا، احتاجت إلى الاستعداد لاستخدامه، لكن كلما اقتربت من الاستخدام الكامل للقوة ارتفعت احتمالات أن يتحول الإكراه إلى حرب لا تستطيع التحكم في نهايتها.
ومن هذه الزاوية يمكن تفسير التداخل الحالي بين الضغط والتفاوض؛ فوجود قناة تفاوضية لا يعني أن واشنطن تراجعت عن استخدام القوة، كما أن استمرار التهديد العسكري لا يعني أن قرار الحرب قد حُسم. الاثنان يعملان في الوقت نفسه كوسيلتين للتأثير في توقعات الطرف الآخر، وقد أصبح هذا واضحًا في التطورات الراهنة؛ فالولايات المتحدة أبقت باب اللقاء مفتوحًا في نيويورك، بينما تشير تقارير إلى أن إيران أرسلت مقترحًا لإنهاء الأعمال العدائية عبر وسطاء، وتقول طهران الآن إنها مستعدة لإعادة فتح هرمز إذا تراجع الضغط العسكري والحصار على موانئها.
لكن هناك فارقًا بين الردع والإكراه ينبغي عدم إغفاله؛ الردع يعني منع الخصم من القيام بفعل معين؛ أما الإكراه فيعني دفعه إلى القيام بفعل لم يكن يريد القيام به؛ الولايات المتحدة تستطيع ردع إيران عن بعض الأفعال، لكنها تواجه السؤال الأصعب: هل تستطيع إجبارها على إعادة تعريف موقعها الإقليمي، أو التخلي عن بعض أدوات قوتها، أو قبول ترتيبات جديدة في الخليج وهرمز؟ هنا تصبح المهمة أكثر تعقيدًا، لأن إيران لن تقيس الطلب الأمريكي على أساس الكلفة العسكرية وحدها، وإنما على أساس أثره في بقاء النظام ومكانته الإقليمية وقدرته على الردع مستقبلًا.
وهذا هو سبب صعوبة الوصول إلى «ضربة حاسمة» ذات قيمة سياسية تستطيع القوة العسكرية أن تدمر منشأة أو تعطل قدرة، لكنها لا تستطيع بمفردها أن تنتج القناعة السياسية التي تجعل الخصم يقبل قواعد جديدة، وقد تكون هذه الفجوة هي أهم ما ينبغي مراقبته في المرحلة المقبلة: الفارق بين القدرة على الضرب والقدرة على تحويل الضرب إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار.
ثانيا- هرمز: من ورقة عسكرية إلى عقدة تفاوضية:
إذا كان هناك ملف تختصر فيه طبيعة الصراع كله، فهو مضيق هرمز؛ فقد تحول المضيق تدريجيًا من مجرد نقطة اختناق جغرافية إلى اختبار لمن يملك حق تعريف الأمن الإقليمي، الولايات المتحدة تريد تثبيت مبدأ حرية الملاحة وعدم السماح لإيران بتحويل قدرتها على تعطيل المرور إلى حق سياسي في تنظيمه، بينما تحاول طهران تحويل قدرتها على التأثير في حركة الملاحة إلى ورقة تفاوض تمنحها مكانًا في أي ترتيب أمني جديد.
هذه النقلة بالغة الأهمية؛ فإيران لم تعد تتعامل مع هرمز باعتباره مجرد وسيلة للرد على الضغط العسكري، وإنما يمكنها استخدامه كورقة لإعادة صياغة العلاقة بين العقوبات والأمن والملاحة. وفي المقابل، لا تستطيع واشنطن التعامل مع إعادة فتح المضيق باعتبارها مجرد مسألة فنية، لأن قبولها بشروط إيرانية قد يُفهم على أنه اعتراف ضمني بأن طهران أصبحت طرفًا لا يمكن تجاوز نفوذه في تحديد قواعد الحركة.
وتظهر التطورات الحالية أن هرمز بدأ بالفعل يتحول إلى ملف تفاوضي قائم بذاته. فقد أعلنت إيران استعدادها لإعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام إذا خففت واشنطن الضغط العسكري ورفعت الحصار عن الموانئ الإيرانية، بينما ظل عدد السفن التجارية العابرة منخفضًا بصورة حادة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، وفي الوقت نفسه، انخفضت أسعار النفط مع تزايد الآمال بزيادة الإمدادات الخليجية، وهو ما يوضح أن مجرد الإشارة إلى احتمال فتح المضيق تؤثر فورًا في الحسابات الاقتصادية الدولية.
وهنا يمكن الاستفادة من تصور “روبرت جيرفيس” لمعضلة الأمن؛ فالإجراءات التي يتخذها طرف لتعزيز أمنه قد تبدو للطرف الآخر دليلًا على نية هجومية، الولايات المتحدة ترى وجودها البحري وحماية الملاحة وسيلة لمنع إيران من ابتزاز النظام التجاري الدولي؛ لكن إيران قد ترى في هذا الوجود محاولة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها وإقصائها من الخليج. وبالمقابل، ترى طهران أن قدرتها على التأثير في هرمز وسيلة دفاعية وضمانة ضد خنقها اقتصاديًا، بينما تراها واشنطن تهديدًا للملاحة الدولية.
وهكذا تنشأ دائرة يصعب كسرها؛ كل طرف يبرر توسيع أدواته باعتبارها استجابة دفاعية، فيما يقرأ الطرف الآخر التوسع نفسه باعتباره دليلًا على أن نواياه الأصلية كانت هجومية؛ لكن التطور الأخطر يتمثل في دخول عامل ثالث إلى المعادلة: دول الخليج؛ فهذه الدول لا تريد أن تتحول إلى طرف في حرب مفتوحة مع إيران، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع قبول وضع تصبح فيه الملاحة رهينة لقدرة طهران على التحكم بها، وفي المقابل، لا تستطيع ضمان أمنها الاقتصادي على المدى الطويل إذا أصبح وجود القوة الأمريكية هو الحل الوحيد لكل أزمة، ولذلك فإن دول الخليج قد تصبح، أكثر من واشنطن وطهران، صاحبة المصلحة في صياغة ترتيب أمني لا يقوم على انتصار طرف وإقصاء الآخر، وإنما على منع أي طرف من احتكار مفاتيح أمن الممرات.
وهذا أمر يفتح الباب أمام احتمال أن تصبح التسوية المقبلة أوسع من مجرد اتفاق على وقف القتال؛ فقد تكون القضية الحقيقية هي بناء نظام جديد لإدارة هرمز: من يحميه؟ من يراقب الملاحة؟ كيف تُدار الأزمات؟ ما علاقة حرية المرور بالعقوبات؟ وما الذي تحصل عليه إيران مقابل عدم استخدام المضيق كأداة ضغط؟ عند هذه النقطة يصبح هرمز ليس فقط ممرًا للطاقة، بل مؤسسة سياسية غير معلنة لإدارة التوازن الخليجي.

ثالثا- المعضلة الأمريكية: الانتصار الذي لا يتحول إلى عبء:
تواجه واشنطن معضلة لا تحلها زيادة القوة العسكرية وحدها؛ فهي تستطيع رفع مستوى الضغط، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى الحفاظ على إمكانية إنهاء المواجهة، وهنا تظهر إحدى أفكار لورنس فريدمان الأساسية في فهم الاستراتيجية: الحرب لا تُقاس فقط بما يحدث أثناء استخدام القوة، بل بما إذا كانت الوسائل المستخدمة قادرة على تحقيق الغاية السياسية التي من أجلها استخدمت.
إذا كانت الغاية الأمريكية هي منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية، وضمان أمن الملاحة، وتقليص قدرتها على استخدام أدواتها الإقليمية، فإن تدمير مزيد من الأهداف العسكرية لا يضمن وحده تحقيق هذه الغايات. فقد تستطيع الضربات إضعاف القدرات الإيرانية، لكنها قد تؤدي أيضًا إلى زيادة اعتماد طهران على الرد غير المباشر، أو دفعها إلى إعادة بناء قدراتها بصورة أكثر انتشارًا، أو جعلها أكثر استعدادًا لاستخدام هرمز كورقة ضغط.
ومن هنا فإن السؤال الأمريكي ليس: هل تستطيع الولايات المتحدة ضرب إيران؟ وإنما: هل تستطيع ضرب إيران من دون أن تنتج حربًا تجعل أهدافها الأصلية أكثر صعوبة؟
هذه هي نقطة التوازن الدقيقة؛ فالحرب الواسعة قد تمنح الإدارة الأمريكية إنجازًا عسكريًا يمكن عرضه داخليًا، لكنها قد تحمل معها ارتفاعًا في أسعار الطاقة، واضطرابًا في الأسواق، وتهديدًا للقواعد والمصالح الأمريكية، وضغطًا من الحلفاء الخليجيين الذين يريدون الأمن ولكن لا يريدون أن يصبحوا ساحات مفتوحة للرد الإيراني. وتظهر الأسواق بالفعل حساسية شديدة لأي تحول في مسار الأزمة؛ فقد تراجعت أسعار النفط في 22 سبتمبر مع مؤشرات على احتمال زيادة الإمدادات وتحسن وضع الملاحة، فيما أعيد تشغيل خط الأنابيب السعودي شرق ـ غرب جزئيًا، بما خفف بعض الضغوط على الأسواق.
وبالتالي فإن «النصر» الأمريكي الأكثر قابلية للاستمرار قد لا يكون تدمير أكبر قدر من القدرات الإيرانية، وإنما إجبار طهران على قبول مجموعة من القيود من دون أن تدفع واشنطن ثمنًا استراتيجيًا يفوق قيمة ما حصلت عليه؛ وهذا يعيدنا إلى شيلينج مرة أخرى: جوهر الإكراه ليس تدمير الخصم، وإنما إقناعه بأن تعديل سلوكه هو الخيار الأقل كلفة.
لكن هذه المعادلة تواجه خطرًا آخر: إسرائيل؛ فإذا قررت إسرائيل توجيه ضربة واسعة وفق حساباتها الخاصة، فقد يصبح السؤال الأمريكي مختلفًا تمامًا. لن تعود واشنطن تبحث فقط عن أفضل وسيلة لفرض شروطها، وإنما عن كيفية إدارة نتائج قرار لم تتخذ كل عناصره بنفسها، وعندها قد ينتقل الصراع من استراتيجية «الضغط المحسوب» إلى استراتيجية احتواء تداعيات التصعيد.
لذلك لا ينبغي قراءة الفترة الانتخابية باعتبارها موعدًا آليًا للحرب أو للتهدئة؛ الأهم هو ما إذا كانت الإدارة تستطيع الحصول على نتيجة سياسية قابلة للتقديم باعتبارها نجاحًا من دون الدخول في حرب مفتوحة، وهذه النتيجة قد تكون اتفاقًا محدودًا، أو إعادة فتح هرمز، أو ترتيبات جديدة للملاحة، أو تنازلات إيرانية في ملف محدد، أو مزيجًا من ذلك كله.
رابعا- المعضلة الإيرانية: كيف تتراجع خطوة من دون أن تخسر الحرب السياسية؟
المعادلة الإيرانية أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه؛ فطهران تحتاج إلى تخفيف الحصار والضغط الاقتصادي، لكنها لا تستطيع قبول صيغة تجعل إعادة فتح هرمز تبدو استجابة مباشرة لإملاءات أمريكية. ولذلك فإن أي تنازل إيراني يحتاج إلى أن يكون جزءًا من تبادل لا من استسلام.
وهنا تكمن القيمة الاستراتيجية للإشارة الإيرانية الأخيرة إلى إمكانية إعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام مقابل تخفيف الضغط العسكري ورفع الحصار عن الموانئ؛ فالصياغة تحمل في ذاتها منطقًا تفاوضيًا: إيران لا تقول إنها ستعيد فتح هرمز مجانًا، والولايات المتحدة لا تقول إنها ستخفف الضغط من دون مقابل، الطرفان يحاولان تحويل الورقة التي يملكها إلى مقابل في الورقة التي يملكها الطرف الآخر.
لكن المشكلة أن طهران لا تفاوض على هرمز وحده. فالمضيق بالنسبة إليها مرتبط بقضية أوسع: هل ستظل إيران قوة إقليمية ذات قدرة على التأثير في البيئة الأمنية للخليج، أم ستتحول بعد الحرب إلى دولة محاصرة تملك قدرات عسكرية لكنها فقدت القدرة على ترجمتها إلى نفوذ سياسي؟ وهنا يظهر مفهوم آخر من مدرسة جيرفيس؛ أهمية الصورة التي يحملها كل طرف عن نفسه وعن خصمه؛ فإذا اعتقدت القيادة الإيرانية أن الولايات المتحدة تريد في النهاية إسقاط النظام أو تفكيك قدراته الإقليمية بالكامل، فقد تصبح أكثر استعدادًا لتحمل كلفة الحرب؛ وإذا اعتقدت واشنطن أن أي تنازل محدود من طهران هو مجرد مناورة لكسب الوقت، فقد ترفض التسوية حتى عندما تكون قادرة على تحقيق جزء مهم من أهدافها عبر التفاوض.
وتزداد المشكلة تعقيدًا بسبب الفجوة بين الخطاب الداخلي الإيراني والمواقف الخارجية؛ فالمعطيات الواردة من النقاشات الدولية الحالية تشير إلى اتساع الانتقادات لسلوك إيران، مع استمرار الخلاف بين الدول حول طريقة التعامل معها؛ فهناك من يركز على وقف التهديد المباشر، ومن يعطي الأولوية لأمن الطاقة والملاحة، ومن يفضل احتواء إيران بدل دفعها إلى الانهيار، بينما تميل واشنطن إلى الجمع بين الضغط العسكري والتفاوض، هذه الفجوة لا تعني وجود إجماع دولي على إسقاط النظام الإيراني، وإنما تعني اتساع دائرة الأطراف التي تريد تغيير سلوكه.
وهذا التفريق مهم للغاية؛ فإيران قد تستطيع تحمل مواجهة مع الولايات المتحدة، لكنها ستجد صعوبة أكبر إذا تحولت المواجهة إلى عزلة سياسية واسعة تجعل كل تنازل تقدمه يبدو استجابة لضغط جماعي لا تفاوضًا مع قوة واحدة؛ وفي المقابل، فإن الولايات المتحدة إذا أرادت بناء نظام إقليمي مستقر بعد الحرب ستحتاج إلى إدراك أن إضعاف إيران عسكريًا لا يساوي بالضرورة حل المشكلة الإيرانية.
لهذا قد تكون المرحلة القادمة أقل ارتباطًا بمن «يفوز» وأكثر ارتباطًا بمن يستطيع صياغة مخرج لا يفسره الطرف الآخر باعتباره هزيمة وجودية؛ هذه ليست مسألة أخلاقية أو دبلوماسية بقدر ما هي مسألة استراتيجية؛ فالتسوية التي تُهين طرفًا أو تجرده من كل أوراق القوة قد تكون مجرد استراحة قبل الجولة التالية.
الخلاصة:
- حين تُقرأ كلمات ترمب الأخيرة في نيويورك، بتناقضها بين “الإبادة” و”الصفقة التاريخية القريبة”، إلى جانب سجل طويل من تصريحاته المتضاربة الممتد من يونيو 2025 حتى سبتمبر 2026، تتجلّى ملامح صورة أزمة أمريكية أعمق؛ فالمؤسسة الجمهورية التقليدية، التي طالما تبنّت سياسة خارجية تقوم على الردع المنضبط والتحالفات المستقرة، تجد نفسها اليوم أمام رئيس يفضّل “التصعيد الإعلامي” على التخطيط الاستراتيجي، ويستخدم ملفات حساسة مثل مضيق هرمز والوجود العسكري في المنطقة كأوراق ضغط داخلية أكثر من كونها جزءًا من رؤية متماسكة. والأخطر، أن هذا الانقسام المتزامن مع تراجع شعبية الرئيس والحزب في استطلاعات ما قبل الانتخابات النصفية، يعكس – بحسب عديد المراقبين – “أزمة قيادة” أكثر مما يعكس خلاف على سياسة، ويكشف أن الانقسام داخل الحزب الجمهوري لم يعد مجرد اختلاف في التكتيك، بل أصبح خلافًا حول تعريف الدور الأمريكي نفسه، في مفترق طرق دولي.
- لذا فان التحول الأهم في المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية أن القوة انتقلت من كونها وسيلة لإلحاق الضرر إلى وسيلة لإعادة تشكيل شروط التفاوض، ومن ثم فإن مركز الثقل الحقيقي للصراع ليس في عدد الضربات، وإنما في قدرة كل طرف على تحويل أدوات الضغط التي يمتلكها إلى قواعد سياسية تستمر بعد توقف القتال، ويجسد هرمز هذه المعادلة بأوضح صورها: إيران تملك قدرة التعطيل، والولايات المتحدة تملك قدرة الحماية، ودول الخليج تملك جزءًا حاسمًا من شرعية أي ترتيب قابل للاستمرار.
- كما أن المسار الأكثر عقلانية لا يقتضي البحث عن تسوية شاملة دفعة واحدة، وإنما بناء سلم تفاوضي متدرج يبدأ بإدارة المخاطر الأكثر إلحاحًا: الملاحة والطاقة والهجمات المتبادلة، ثم ينتقل إلى العقوبات والبرنامج النووي، ثم إلى ترتيبات الأمن الإقليمي. والأهم أن يكون الخليج طرفًا في صناعة هذا الترتيب لا مجرد متلقٍ له؛ لأن أي نظام أمني جديد لا يستند إلى مصالح دول المنطقة سيظل هشًا مهما بلغت القوة العسكرية التي تحميه، وقد أصبح هذا أكثر إلحاحًا مع عودة الحديث عن اتصالات أمريكية ـ إيرانية محتملة بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
- وفى الختام فالنتيجة الأعمق التي يمكن استخلاصها من مسار المواجهة أن المعضلة ليست في كيفية إنهاء الحرب، وإنما في كيفية منع نهاية الحرب من أن تصبح سببًا لحرب أخرى؛ فإذا استطاعت واشنطن وطهران تحويل أدوات القوة إلى ضمانات متبادلة وقواعد واضحة، يمكن أن تتحول المواجهة الحالية إلى إعادة تفاوض على النظام الإقليمي، أما إذا حاول أحد الطرفين تحويل التفوق المؤقت إلى احتكار دائم لقواعد اللعبة، فسوف تتحول أي تهدئة إلى هدنة مؤقتة، ويصبح الصراع المقبل أقل قابلية للضبط من الصراع الحالي.
رئيس وحدة الدراسات العربية






























