وحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

دلالات مقتل زعيم تنظيم داعش الصحراء الكبرى

أعلن الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” مساء الأربعاء مقتل “عدنان أبو وليد الصحراوي” (زعيم داعش في الصحراء الكبرى) على يد القوات الفرنسية، وقال في تغريدة على موقع توتير إنه “تمّ تحييد عدنان أبو وليد الصحراوي زعيم تنظيم داعش في الصحراء الكبرى من قبل القوات الفرنسية. هذا نجاح كبير آخر في معركتنا ضد التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل”. ومن ثّم تُثير عملية مقتل “عدنان أبو الوليد الصحراوي” تساؤلاتٍ مُهمة حول ماهيته، وكذا دلالات وتداعيات مقتله. من هو “أبو الوليد الصحراوي”؟ هو “لحبيب ولد علي ولد سعيد”، وُلد في مدينة “العيون” (مدينةٌ تقع في المنطقة المتنازع عليها في الصحراء الغربية)، وفر مع عائلته…

تقى النجار
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

أعلن الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” مساء الأربعاء مقتل “عدنان أبو وليد الصحراوي” (زعيم داعش في الصحراء الكبرى) على يد القوات الفرنسية، وقال في تغريدة على موقع توتير إنه “تمّ تحييد عدنان أبو وليد الصحراوي زعيم تنظيم داعش في الصحراء الكبرى من قبل القوات الفرنسية. هذا نجاح كبير آخر في معركتنا ضد التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل”. ومن ثّم تُثير عملية مقتل “عدنان أبو الوليد الصحراوي” تساؤلاتٍ مُهمة حول ماهيته، وكذا دلالات وتداعيات مقتله.

من هو “أبو الوليد الصحراوي”؟

هو “لحبيب ولد علي ولد سعيد”، وُلد في مدينة “العيون” (مدينةٌ تقع في المنطقة المتنازع عليها في الصحراء الغربية)، وفر مع عائلته إلى مخيمات اللاجئين في الجزائر. انضم إلى جبهة البوليساريو (حركة تحررية تسعى لتحرير الصحراء الغربية مما تراه استعمارًا مغربيًا)، وتلقى تدريبات عسكرية داخل صفوفها، ثم تخرج في جامعة منتوري قسنطينة بالجزائر عام 1997، وفي أواخر عام 2010 انتقل من الجزائر إلى شمال مالي، حيث انخرط في “كتيبة طارق بن زيد” التابعة لتنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”.

في أكتوبر 2011، أصبح جزءًا من المجموعة التي أسست حركة “التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا”، إلى جانب كل من “سلطان ولد بادي”، و”أحمد التلمسي”، و”حمادة ولد الخير”. وفي عام 2013، اندمج جزء كبير من “حركة التوحيد والجهاد غرب إفريقيا” مع جماعة “الملثمون” (بقيادة “مختار بلمختار”) وشكّلا معًا جماعة جديدة جاءت تحت اسم “المرابطون” وبايعت “أيمن الظواهري”.

بدأت جماعة “المرابطون” خلال عام 2015 في الانقسام، إذ أعلن “عدنان أبو الوليد الصحراوي” (القيادي في تنظيم “المرابطون”) بيعته لـ”أبو بكر البغدادي” (زعيم تنظيم “داعش”) آنذاك. وقد أثارت هذه البيعة غضب “مختار بلمختار” (القيادي البارز في جماعة “المرابطون”) الذي أكد أن بيعة الأول لتنظيم “داعش” جاءت كقرار فردي، ما أسفر عن انشقاق فصيل مؤيد لتنظيم “القاعدة” بقيادة “بلمختار”، وفصيل آخر مؤيد لتنظيم “داعش” بقيادة “الصحراوي”، ثم انفصل الأخير بمجوعته معلنًا عن تنظيم “داعش في الصحراء الكبرى”.

ويمكن القول إنه مع إعلان “الصحراوي” مبايعته لتنظيم “داعش”، أصبح للتنظيم أول وجود فعلي في منطقة الساحل، حيث نشط في المنطقة المسماة “الحدود الثلاثة” التي تجمع بين مالي وبوركينافاسو والنيجر، واستهدفت عملياته القوات العسكرية وقوات الشرطة في البلدان التي ينشط فيها، وكذلك القوات الفرنسية والأمريكية والأممية في المنطقة. ويُعد “الصحراوي” من أكثر الإرهابيين المطلوبين لفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، حيث أعلنت الأخيرة في 4 أكتوبر 2019 عن مكافأة قيمتها 5 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن موقعه.

ملاحظات مهمة

تُثير عملية مقتل “عدنان أبو الوليد الصحراوي” عددًا من الملاحظات والاستنتاجات المهمة، نوردها فيما يلي:

الملاحظة الأولى: تُشير إلى انعكاس مقتل “عدنان أبو الوليد الصحراوي” على تنظيم “داعش الصحراء الكبرى”، إذ يجادل البعض بأنها تعد ضربة قاصمة للتنظيم؛ إلا أنه بدراسة تاريخ تنظيم “داعش” وفروعه المختلفة يتسنى لنا التأكيد على أنه يتمتع بالمرونة والديناميكية والقدرة على التكيف، حيث يتعامل مع خسائره من قناعة مفادها “إنها معركة وليست الحرب”، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، نجد أن المشكلة الحقيقية داخل البلدان الإفريقية الأكثر تأثرًا بالظاهرة الإرهابية تكمن في توافر بيئة حاضنة لنشاط التنظيمات الإرهابية، ولا سيما في ضوء انتشار السرديات المتطرفة، بجانب تصاعد حدة الاضطرابات المرتبطة بالصراعات السياسية والدينية والعرقية، فضلًا عن هشاشة الحدود وزيادة الثغرات الأمنية نتيجة لتواضع القدرات في المجال الأمني والعسكري. ومن ثم توفر تلك المعطيات سياقات حاضنة لنشاط التنظيمات الإرهابية، سواء على صعيد تجاوز الهزائم، أو على صعيد التوسع الجغرافي، أو على صعيد التجنيد.

الملاحظة الثانية: تتعلق بطبيعة العلاقة بين تنظيمي “القاعدة” و”داعش” في منطقة الساحل، ففي مرحلة من قبل عام 2020 تميزت العلاقة بينهما بحالة من الاستثنائية، حيث التعايش المشترك، والتمدد بلا صراع، وذلك نتيجة للأهداف المشتركة، والتاريخ المشترك، والعلاقات الشخصية، والروابط العرقية.

إلا أنه مع مطلع عام 2020، شهدت منطقة الساحل اشتباكات بين الطرفين، تطورت إلى قتال، ثم تحولت إلى حرب شاملة، وذلك في ضوء سعي تنظيم “داعش” إلى نقل مركز ثقله في إفريقيا بهدف إعادة التموضع في ساحات بديلة، مقابل قيام تنظيم “القاعدة” بالحفاظ على نفوذه ووجوده في معاقله الرئيسية، ومن ثمّ يمكن إرجاع مشهد تصفية القيادات الإرهابية التي تجمعها علاقات وروابط تاريخية إلى تصاعد حدة الخلاف بينهما، الأمر الذي ستنصرف تداعياته إلى الوضع الأمني المضطرب في منطقة الساحل عبر زيادة مستويات العنف.

الملاحظة الثالثة: تنصرف إلى المتغيرات التي يشهدها النظام الجهادي السلفي في منطقة الساحل؛ ويتعلق أولها بتكثيف النشاط الإرهابي من قبل كل من تنظيمي “القاعدة” و”داعش”. وينصرف ثانيها إلى زيادة حدة المنافسة بينهما، سواء على النفوذ أو العناصر المقاتلة. ويتصل ثالثها بحالة الانشقاقات والتصدعات الداخلية التي تشهدها المجموعات المرتبطة بكلٍّ منهما. ويدور رابعها حول تصفية عدد من القيادات الإرهابية في المنطقة، وعلى رأسها “أبو الوليد الصحراوي”، و”عبدالمالك دروكدال”، بجانب مقتل “أبو بكر شكاو”.

ومن ثَمّ تلقي كل تلك المستجدات بظلالها على خريطة النظام الجهادي السلفي في منطقة الساحل، مما يُوحي بحالة من التشرذم والتشظي بين التنظيمات في مناطق، في مقابل حالة من التكيف والتماهي بينها في مناطق أخرى.

الملاحظة الرابعة: تتعلق بالاستراتيجية الفرنسية في منطقة الساحل. فعلى الرغم مما تحمله عملية مقتل “الصحراوي” من قيمة دعائية لفرنسا لنجاحها في تصفية قيادة من أخطر القيادات الإرهابية في المنطقة؛ إلا أن ذلك لا ينفي تخبط الاستراتيجية الفرنسية؛ حيث أطلقت فرنسا عملية “سرفال” في 2013 بهدف وقف تمدد الجماعات الراديكالية في شمال مالي، ثم شكلت عملية “برخان” في عام 2014 والتي نجحت في تنفيذ ضربات قوية للتنظيمات الإرهابية في المنطقة، غير أن الأخيرة استطاعت امتصاص تلك الضربات وعملت على توسيع نطاق تهديدها.

ونتيجة لتعقّد المشهد في منطقة الساحل، بجانب الرؤية الفرنسية لعدم قيام الحكومة المالية بالوفاء بالتزاماتها المتعلقة بمكافحة الإرهاب؛ أعلن الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” مؤخرًا عن تغيير في السياسة الفرنسية بالمنطقة، وهذا التغيير مرتبط بانتهاء عملية “برخان”، وخفض عدد القوات الفرنسية هناك على مدى عدة سنوات، الأمر الذي ينعكس على سياسات المكافحة.

ويمكن القول إن هناك غيابًا لاستراتيجية أوروبية فاعلة في منطقة الساحل، فعلى الرغم من تعدد مبادرات التدخل الأوروبي؛ إلا أنها لم تكن واضحة في أهدافها وآليات العمل الخاصة بها، مما أدى إلى تباطؤ تقدمها على الأرض، ناهيك عن أن الاهتمام بالجانب الأمني مع إغفال الجانب التنموي شكل تحديًا لعودة الاستقرار في المنطقة.

مجمل القول، يمثل مقتل “عدنان أبو الوليد الصحراوي” نجاحًا سياسيًا يحسب للقوات الفرنسية، غير أن الطرح المرتبط باحتمالية تقويض الظاهرة الإرهابية باتباع “استراتيجية قطع الرؤوس” أثبت عدم صحته في أمثلة كثيرة سابقة؛ فشبكة “القاعدة” لا تزال قائمة بعدما يقرب من عقدين من بدء ما يسمى بـ”الحرب العالمية على الإرهاب”، كما استطاع تنظيم “داعش” التموضع مرة أخرى بعد استهداف أبرز قيادته. وعليه، فإن السبيل الأمثل لمكافحة الإرهاب هو معالجة المحفزات والدوافع لانضمام الأفراد للتنظيمات الإرهابية، وبالتالي فقدان الأخيرة قدرتها على التجنيد.

تقى النجار
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة