ملامح العالم فى ٢٠٢٢

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

بدأت العديد من مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام فى دول العالم فى رصد توقعاتها للعام الجديد، وهذه التوقعات ليست من باب التنجيم، لكنها تستند لوجهات نظر خبراء ومتخصصين فى المجالات المختلفة، وأحد أهدافها تنوير صناع القرار بشأن طبيعة التحولات فى العام الجديد، وتأثيرها على المصالح الوطنية لكل دولة، وبالتالى الاستعداد للتعامل معها. فى هذا الإطار يمكن رصد أن التنافس الأمريكى الصينى سوف يزداد فى ٢٠٢٢، وسوف يأخذ أبعادًا جديدة، منها دخول موضوع الديمقراطية حلبة الصراع بين البلدين بجانب القضايا الأخرى مثل التجارة، والتكنولوجيا، والتنافس الجيو سياسى. وقد ظهرت مؤشرات هذا الصراع الجديد فى أواخر عام ٢٠٢١ بانعقاد ما عرف بقمة الديمقراطية…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

بدأت العديد من مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام فى دول العالم فى رصد توقعاتها للعام الجديد، وهذه التوقعات ليست من باب التنجيم، لكنها تستند لوجهات نظر خبراء ومتخصصين فى المجالات المختلفة، وأحد أهدافها تنوير صناع القرار بشأن طبيعة التحولات فى العام الجديد، وتأثيرها على المصالح الوطنية لكل دولة، وبالتالى الاستعداد للتعامل معها.

فى هذا الإطار يمكن رصد أن التنافس الأمريكى الصينى سوف يزداد فى ٢٠٢٢، وسوف يأخذ أبعادًا جديدة، منها دخول موضوع الديمقراطية حلبة الصراع بين البلدين بجانب القضايا الأخرى مثل التجارة، والتكنولوجيا، والتنافس الجيو سياسى.

وقد ظهرت مؤشرات هذا الصراع الجديد فى أواخر عام ٢٠٢١ بانعقاد ما عرف بقمة الديمقراطية التى نظمتها الولايات المتحدة (٩- ١٠ ديسمبر)، وإصدار الصين تقريرا بعنوان «الصين: ديمقراطية فاعلة». وبالتالى أصبح لدينا مفهومان للديمقراطية، المفهوم الغربى الذى يركز على الحريات، والمفهوم الصينى الذى يركز على الفاعلية والإنجاز فى إشباع الحقوق الأساسية للمواطن، ومن الواضح أن المعركة الفكرية والأيديولوجية القادمة ستكون حول هذين المفهومين، سوف يمتد صداها وتأثيرها للعالم أجمع فى عام ٢٠٢٢.

الجديد فى التنافس الأمريكى الصينى أيضا هو اقترابه من العالم العربى، فالمنطقة ظلت بمنأى عن هذا التنافس بشكل واضح، والذى ركز على آسيا ومنطقة المحيطين الهادئ والهندى. ولكن شهد أواخر عام ٢٠٢١ بعض الأحداث التى أكدت امتداد هذا التنافس للمنطقة العربية، ومن المتوقع أن يزداد هذا التوجه فى ٢٠٢٢، حيث كشفت صحيفة وول ستريت جورنال فى نوفمبر ٢٠٢١ أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية أعربت عن تخوفها من أن الصين تقوم ببناء منشأة عسكرية تحت غطاء تشغيل محطة تجارية للحاويات فى ميناء بدولة الإمارات العربية، ووفقا للصحيفة فقد أثار هذا الاكتشاف توترا فى العلاقات بين الإمارات والولايات المتحدة، وأدت سلسلة من الاجتماعات رفيعة المستوى وتبادل المعلومات الاستخبارية بين البلدين إلى إغلاق المنشأة الصينية فى ديسمبر ٢٠٢١، كما أعلن ذلك أنور قرقاش، مستشار رئيس الدولة فى الإمارات، لكنه ذكر أن بلاده لم تعتقد أن المنشأة كانت مخصصة للاستخدامات العسكرية أو الأمنية، وأشار إلى أنه كان من المهم الاستماع إلى مخاوف إدارة بايدن، ومن الحماقة عدم أخذها فى الحسبان، كما أشارت الصحيفة الأمريكية.

وقال السيد قرقاش إن دولة الإمارات العربية المتحدة تشعر بقلق بالغ بشأن الوقوع فى وسط التنافس بين الصين والولايات المتحدة فى الشرق الأوسط، وإن هناك «خطا رفيعا» بين المنافسة من جهة والحرب الباردة الجديدة من جهة أخرى، مضيفًا أن الإمارات لا تريد أن ينزلق التنافس إلى حرب باردة ثانية.

لكن من الواضح أن هذه الحرب الباردة الجديدة، أو على الأقل التنافس الأمريكى الصينى، قد دخل بقوة للمنطقة العربية، وسيكون علينا التعامل معه فى العام الجديد.

من أهم ملامح العام الجديد، والتى ستؤثر علينا أيضا الحكومة الألمانية الجديدة، فبعد ١٦ عامًا من الحكم، تنحت أنجيلا ميركل عن منصب المستشارة الألمانية، وفى ٨ ديسمبر ٢٠٢١ تولى «أولاف شولز» منصب المستشار الجديد لألمانيا، وتتألف حكومته من ثلاثة أحزاب، أحدها حزب الخضر، والذى تأتى منه وزيرة الخارجية الجديدة «أنالينا بيربروك»، ويتبنى الحزب عددا من التوجهات سوف تنعكس على السياسة الخارجية الألمانية، ومنها موقف أكثر صرامة تجاه روسيا والصين، ووعدت وزيرة الخارجية الجديدة بالاهتمام بشكل أكبر بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبشكل يختلف عما كان عليه الوضع فى ظل حكومة ميركل، حيث سادت المصالح الاقتصادية والتجارية، وسوف يكون لهذه التوجهات تأثير على العلاقات السياسية والأمنية بين ألمانيا والعالم العربى فى العام الجديد.

من التطورات الدولية الجديدة أيضا تبلور تحالف جديد بين فرنسا وإيطاليا، حيث وقعت البلدان اتفاقا فى نوفمبر ٢٠٢١، وتشير التحليلات إلى أنه يستهدف تغيير ميزان القوى فى الاتحاد الأوروبى، وبحيث يضاهى نفوذ ألمانيا من خلال تعميق التعاون بين البلدين، خاصة أن فرنسا ستترأس مجلس الاتحاد الأوروبى اعتبارًا من الأول من يناير ٢٠٢٢، لكن تهدف الاتفاقية الفرنسية الإيطالية أيضا إلى تعزيز التعاون فى مجالات مثل السياسة الخارجية والدفاع. وأشار الرئيس ماكرون إلى أن الاتفاقية «ستساعدنا فى مواجهة أزمة ليبيا وتسهم فى تعزيز الدفاع الأوروبى المشترك»، وبالتالى فإن إحدى نتائج هذه المعاهدة بالنسبة للعالم العربى نهاية حدة التوتر والتباين فى المواقف بين فرنسا وإيطاليا بشأن ليبيا، سواء فى بعدها السياسى أو الاقتصادى، وسيشهد العام الجديد مزيدا من التنسيق بينهما فى هذا الملف.

باختصار العام الجديد سيشهد العديد من التحولات على الساحة الدولية التى قد تؤثر علينا، وقد عرضنا بعضها فى هذا المقال، ولكن غيرها الكثير. ونتمنى لمصر ووطننا العربى السلامة والتقدم فى ٢٠٢٢.

نقلا عن جريدة المصري اليوم  الإثنين 20-12-2021

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر