التداعيات الاقتصادية للحرب فى أوكرانيا

عضو الهيئة الاستشارية

على إيقاع الحرب فى أوكرانيا وتداعياتها، يعيش الاقتصاد العالمى، الذى لم يتعاف بعد من تداعيات كوفيد-19، واحدة من أسوأ أزماته متمثلة فى ارتفاع أسعار السلع الأساسية والطاقة، وتفاقم ازمة سلاسل التوريد، وتهديد الأمن الغذائى وارتفاع كبير فى معدلات التضخم، إلى جانب مخاطر الآثار الجانبية للعقوبات الغربية المفروضة على روسيا. تمثل روسيا وأوكرانيا 30% من صادرات القمح العالمية. الحرب بين الدولتين أدت الى الارتفاع المفاجئ فى أسعار الحبوب. وتعتبر روسيا وبيلاروسيا من اهم منتجى الأمونيا والبوتاس، وهى مكونات الأسمدة. ومع الحرب ارتفعت أسعار الأسمدة، مما يؤثر على المزارعين فى آسيا وافريقيا والولايات المتحدة. حذرت الأمم المتحدة من إعصار المجاعات، وقال صندوق…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

على إيقاع الحرب فى أوكرانيا وتداعياتها، يعيش الاقتصاد العالمى، الذى لم يتعاف بعد من تداعيات كوفيد-19، واحدة من أسوأ أزماته متمثلة فى ارتفاع أسعار السلع الأساسية والطاقة، وتفاقم ازمة سلاسل التوريد، وتهديد الأمن الغذائى وارتفاع كبير فى معدلات التضخم، إلى جانب مخاطر الآثار الجانبية للعقوبات الغربية المفروضة على روسيا.

تمثل روسيا وأوكرانيا 30% من صادرات القمح العالمية. الحرب بين الدولتين أدت الى الارتفاع المفاجئ فى أسعار الحبوب. وتعتبر روسيا وبيلاروسيا من اهم منتجى الأمونيا والبوتاس، وهى مكونات الأسمدة. ومع الحرب ارتفعت أسعار الأسمدة، مما يؤثر على المزارعين فى آسيا وافريقيا والولايات المتحدة. حذرت الأمم المتحدة من إعصار المجاعات، وقال صندوق النقد الدولى إن الحرب فى أوكرانيا تعنى الجوع فى إفريقيا، وقالت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إنها تخشى أن يعانى ما بين 8 و13 مليون شخص إضافى نقص التغذية فى العالم إذا استمرت الحرب.

تداعيات الحرب لن تكون على الامن الغذائى، ولكن أيضا الامن البيئي. مع ضغوطات الغاز وارتفاع أسعار النفط، مقابل ضعف سعر الفحم نسبيا، فإن كل الجهود المبذولة للاستغناء عن استخدام هذا الوقود الملوث للغاية قد تتضاءل بما يحيد بالعالم عن الهدف العالمى 1٫5 درجة المطلوب عدم تجاوزه حتى يمكن مواجهة تحديات ظاهرة تغير المناخ وتأثيراتها السلبية على البشرية.

بسبب الحرب أيضا، تمر أوروبا من واحدة من أصعب الأوقات فى تاريخها، وربما ستشكل هذه الحرب نقطة تحول، كما هو الحال فى عام 1989، تاريخ نهاية الحرب الباردة وسقوط حائط برلين، والفترة التى تلت هجمات 11 سبتمبر 2001. على المستوى الإنسانى، خلفت الحرب فى أوكرانيا العديد من الخسائر البشرية والمادية والاجتماعية. من المتوقع ان تصل حالات اللجوء والنزوح إلى أكثر من 10 ملايين فرد. هذه الأرقام يصعب إدارتها من قبل البلدان الأوروبية المضيفة، حتى بالنسبة لتلك التى تشهد معدلات بطالة ضعيفة.

بالنسبة لأوكرانيا، تقول الحكومة الأوكرانية إن الخسائر وصلت إلى 100 مليار دولار. هذا الرقم يعكس تكلفة البنية التحتية والمبانى المدمرة، وهو ما يعادل ثلثى الناتج المحلى الإجمالى. هذا يدل على أن التكلفة الاقتصادية لإعادة اعمار أوكرانيا ستكون كبيرة، حتى لو كان من السابق لأوانه إعطاء أرقام. (قدر صندوق النقد الدولى أن الناتج المحلى الإجمالى لأوكرانيا سينكمش بنحو 10% كحد أدنى فى عام 2022). وفاتورة الحرب النهائية مرتبطة بمدة الصراع ومسار المفاوضات القائمة.

فى روسيا، شلت العقوبات الغربية جزءا كبيرا من النظام المصرفى والمالى وتسببت فى انخفاض الروبل إلى 177 روبل مقابل الدولار فى 7 مارس (مقابل نحو 75 روبل للدولار فى أوائل فبراير). تم تجميد جزء كبير من الاحتياطيات الروسية الموجودة فى الخارج تقدر بنحو 300 مليار دولار. طرح اعلان الشركات الغربية الكبيرة بطريقة غير منظمة انسحابها أو تجميد أنشطتها فى روسيا عمدا أو قسرا او بسبب الخوف من العقوبات أو الضغط السياسى أو الرأى العام، تحديات لوجستية ومالية تتنوع حسب القطاعات ومستوى الاستثمار الرأسمالي.

على الرغم من هذه الإجراءات والعقوبات لم ينهر، حتى الآن، الاقتصاد الروسى، الذى عملت الحكومة على تنميته خلال العقد الماضي. سارعت موسكو بمواجهة قرار الشركات الغربية بالتهديد بالتأميم. ولمواجهة العقوبات المالية، قرر بوتين تحصيل قيمة الغاز الطبيعى المصدر إلى الدول غير الصديقة بالروبل الروسى، مما أدى إلى ارتفاع قيمة الروبل وارتفاع أسعار الغاز الطبيعى فى العالم بشكل كبير. رئيس الوزراء الإيطالى والمستشار الألمانى أعربا عن رفضهما القرار الروسى باعتباره مخالفا لبنود التعاقدات المبرمة فى هذا الشأن، وهو نفس القرار الذى اتخذته مجموعة الـ7.

أثارت العقوبات المفروضة على موسكو مخاوف من تخلف روسيا عن السداد، لأول مرة منذ عام 1998، لكن انحسر الخوف من التخلف عن السداد إلى حد ما بعدما تمكنت موسكو من سداد دفعة أولية قدرها 117 مليون دولار مرتبطة بسندين، لكن هناك مواعيد نهائية أخرى تلوح فى الأفق، ولا احد يعلم مدى استعداد موسكو لتسديدها. من جانبها، يتوقع الخبراء ألا تقدم الصين على التدخل بشكل سريع لإنقاذ الاقتصاد الروسى، ولكنها فى الوقت ذاته من المرجح ألا تسمح بانهياره فى ظل تقديرها لأهمية الرئيس بوتين. من ثم فمن المتوقع ان تنتظر الصين عامين أو ثلاثة حتى تظهر الآثار الكاملة للعقوبات على الاقتصاد الروسى ثم تنظر البنوك والشركات الصينية فى شراء الاستثمارات الروسية بأسعار مناسبة وان تزيد من حصصها فى شركات روسية أخرى مثل شركة الغاز «جازبروم».

نقلا عن جريدة الاهرام الخميس 31 مارس 2022

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب