حرب الخبز العالمية

عضو الهيئة الاستشارية

بعد مرور مائة يوم على بدء الحرب الأوكرانية، تجاوزت تبعات هذه الحرب الحدود الأوكرانية، وبلغت العالم بأسره الذى تأثر بارتفاع كلفة المنتجات الزراعية، وبات مهددا بأزمة غذاء عالمية. إذا كانت أوكرانيا تعد من أهم سلاسل الغذاء فى العالم، بحيث تنتج نحو نصف الاستهلاك العالمى من زيت نوار الشمس، وقرابة 15% من الذرة، و10% من صادرات القمح على مستوى العالم، فقد أدت الحرب فيها إلى توقف صادراتها من الحبوب، خاصة مع حصار روسيا للموانئ الأوكرانية المطلة على البحر الأسود. أدى حصار روسيا لما يقدر بـ20 مليون طن من الحبوب فى موانئ أوكرانيا، الى خلق حالة من القلق العالمى حول توافر بعض…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

بعد مرور مائة يوم على بدء الحرب الأوكرانية، تجاوزت تبعات هذه الحرب الحدود الأوكرانية، وبلغت العالم بأسره الذى تأثر بارتفاع كلفة المنتجات الزراعية، وبات مهددا بأزمة غذاء عالمية. إذا كانت أوكرانيا تعد من أهم سلاسل الغذاء فى العالم، بحيث تنتج نحو نصف الاستهلاك العالمى من زيت نوار الشمس، وقرابة 15% من الذرة، و10% من صادرات القمح على مستوى العالم، فقد أدت الحرب فيها إلى توقف صادراتها من الحبوب، خاصة مع حصار روسيا للموانئ الأوكرانية المطلة على البحر الأسود.

أدى حصار روسيا لما يقدر بـ20 مليون طن من الحبوب فى موانئ أوكرانيا، الى خلق حالة من القلق العالمى حول توافر بعض المحاصيل، ولاسيما فى دول بإفريقيا والشرق الأوسط،التى تعتمد فى وارداتها من القمح على محاصيل البلدين، وبات الوضع أكثر إلحاحا مع اقتراب موسم الحصاد.عدم فتح الموانئ الأوكرانية سيؤدي، وفق خبراء، إلى مجاعة واضطرابات وهجرة جماعية حول العالم. بينما حذر برنامج الغذاء العالمى من أن 41 مليون شخص فى غرب ووسط إفريقيا قد يتأثرون بأزمة الغذاء هذا العام.

تأثير استمرار الحرب على الأمن الغذائى العالمى يعود لعدة أسباب منها: أولا، أهمية حجم الصادرات الأوكرانية والروسية فى التبادلات العالمية الزراعية والغذائية. تشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن روسيا وأوكرانيا صدرتا قرابة 30%من القمح اللين و13%من الذرة فى العالم فى عام 2021. ثانيا، إغلاق القوات البحرية الروسية للموانئ الأوكرانية أدى إلى انخفاض القدرة التصديرية الأوكرانية بنسبة 90%. ثالثا، تأثير الحرب فى الإنتاج الأوكرانى إما بطريقة مباشرة بفعل تدمير المعدات والبنى التحتية المخصصة للتخزين والنقل، او بطريقة غير مباشرة من خلال الافتقار إلى الوقود والأسمدة ومنتجات الصحة النباتية والبذور كذلك، فضلا عن نقص فى الأيدى العاملة.

“حرب الخبز العالمية”، كما أطلق عليها وزير الخارجية الإيطالي، وتداعياتها على الامن الغذائى العالمى وزعزعة الاستقرار فى الدول الإفريقية، تحديدا، باتت مادة لتبادل الاتهامات بين الغرب وروسيا. فبينما يتهم الغرب موسكو باختلاق حرب غذائية من خلال حصار الموانئ الأوكرانية، أعلنت موسكو جاهزيتها لتصدير الحبوب شريطة رفع العقوبات، محملة الغرب مسئولية إيجاد مجاعة فى إفريقيا. واعتبر الرئيس الروسي، فى مقابلته قبل أيام رئيس الاتحاد الإفريقي، الرئيس السنغالى ماكى سال، أن العقوبات على بلاده فاقمت أزمة الغذاء وأنه لا منافذ لديها للحبوب والأسمدة. وأعلن وزير الخارجية الروسي، فى مؤتمر صحفى بالمنامة، أن بلاده يمكنها ضمان عبور السفن المحملة بالحبوب من الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود، شريطة إزالة أوكرانيا الألغام البحرية بالمنطقة. وذكرت وزارة الدفاع البريطانية، فى بيان، إن أوكرانيا نشرت ألغاما بحرية فقط بسبب استمرار التهديدات الروسية بشن هجمات من البحر الأسود.

يبدو من خلال الحرب الدائرة رحاها فى أوكرانيا ان لا أحد سيخرج منها منتصرا وسوف يدفع العالم أجمع تكلفتها العالية والتى يشكل الأمن الغذائى جزءا منها فقط. الحرب عطلت سلسلة الإمدادات العالمية فى بلدان العالم كافة، ومن المتوقع ان تتضرر جراءها تضررا بالغ الحدة بلدان فى افريقيا والشرق الأوسط.هذا الوضع يستدعى اللجوء لبعض الحلول سواء على المدى القريب او البعيد، ومنها تنويع مصادر استيراد القمح، مع الاستفادة من تباين مواعيد حصاد محصول القمح فى مختلف تلك المصادر لضمان تأمين الاحتياجات الوطنية بصورة منتظمة وبما يتوافق مع حجم المخزون الاستراتيجى المراد تأمينه على مدار العام. من المهم، أيضا، زيادة الاعتماد على المصادر الوطنية لتأمين الاحتياجات الوطنية من القمح، من خلال تقديم محفزات مختلفة للمزارعين لتشجيعهم على زراعته. كما يتعين العمل على تعديل انماط استهلاك القمح وتقليل الفاقد فى زراعته ونقله وتخزينه، واستهلاكه بشكل مثالي، سواء كمكون غذائى أو كأعلاف، مع إمكانية النظر فى استخدام مدخلات أخرى مثل الذرة والشعير فى عملية إنتاج الخبز لتخفيف درجة الاعتماد على القمح.

إفريقيا، يمكن ان تشكل فكرة التعاون الإقليمى لزيادة كميات إنتاج القمح خطوة مهمة، بحيث يتم التعاقد بين الدول الأكثر تضررا ودول إفريقية لها أراض زراعية واسعة وغير مستغلة، مثل السودان، لزراعة القمح وتوفير الغذاء لمختلف دول القارة، من خلال إبرام عقود لاستئجار الأراضى على نحو يحقق مكاسب لجميع الأطراف ويتم توزيع العائد بشكل عادل ومنصف بعيدا عن مفهوم حيازة الأراضى والاستيلاء عليها.

نقلا عن جريدة الاهرام بتاريخ 9 يونيو 2022

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب