يحتدم الصراع الدولى بين تكتلات دولية، غربية وشرقية. يزداد التحالف الغربى تماسكا، فيما تتعزز الروابط بين الصين وروسيا ودول أخرى متفرقة. بينما تثور الشكوك ويصيب الضعف العلاقات بين بعض الدول (العلاقة بين الولايات المتحدة وبعض دول الشرق الأوسط نموذجا)، تزداد علاقات الصين ببعض الدول الأخرى قوة. فيما تزداد جاذبية بعض الدول للتحالفات والشراكات الدولية، تفقد دول أخرى قدرتها على جذب الحلفاء. كيف نفهم التغيرات الجارية فى دنيا التكتلات الدولية، وكيف تختار الدول السياسات المناسبة لها.
تتفاوت التكلات الدولية فى قوتها وتماسكها، لكنها تشترك فى تجنب استخدام مصطلحات حلف أو تحالف ومشتقاتها فى وصف نفسها. لا الاسم الرسمى لحلف ناتو ولا المعاهدة الدولية المنشئة له تتضمن كلمة حلف ولو مرة واحدة. معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المتبادلة هى الاسم الرسمى لحلف وارسو الذى تزعمه الاتحاد السوفيتى زمن الحرب الباردة. مع هذا فإن الدارسين والمحللين لا يترددون فى استخدام مصطلح الحلف بسبب دقته فى وصف نمط معين من العلاقات بين الدول، وإن كانوا يقتصدون جدا فى استخدامه، مفضلين استخدام مصطلحات أخرى لوصف أنماط أخرى من علاقات التعاون بين الدول.
الأحلاف فى العلاقات الدولية هى مصطلح سيئ السمعة بسبب تاريخ هذه الظاهرة. علم العلاقات الدولية غربى المنشأ، ومن التاريخ الأوروبى، وبعد ذلك التاريخ الأمريكى، استمد هذا العلم مادته الرئيسية. مقارنة بعالم الحضارات الكبرى فى آسيا والشرق الأوسط، اتسمت القارة الأوروبية بوجود عدد قليل من القوى الكبرى وسط عدد كبير من القوى الصغيرة. أنهى صلح ويستفاليا 1648 الحرب الدينية الدامية فى القارة الأوروبية، وأسس لإنشاء النظام الدولى الحديث. شارك فى مؤتمر ويستفاليا 156 مملكة وإمارة أوروبية، وهو عدد كبير جدا من الكيانات السياسية بالنسبة لمساحة أوروبا الصغيرة. لقد اختفى أغلب هذه الدول الآن، وانخفض عدد الدول الأوروبية إلى 51 دولة، بما فى ذلك دول لم تكن مشمولة بصلح ويستفاليا، ولا حتى محسوبة ضمن الدول الأوروبية فى ذلك الوقت، ومن ذلك دول البلقان والدول السلافية والأرثوذكسية فى شرق القارة، والدول الجزر فى البحر المتوسط. أما كيف حدث هذا التحول، فعبر سلسلة طويلة من الحروب، التى خاضتها أحلاف من الدول الأوروبية، وفى نهاية كل حرب اقتسم المنتصرون أملاك المهزومين، فتكونت دول كبيرة، واختفت الدول الصغيرة. الأحلاف فى التاريخ الأوروبى هى مرادف للحروب، وصراعات الكبار واتفاقاتهم على اقتسام أملاك الصغار، وهى أيضا مرادف لعلاقات الهيمنة تفرضها دولة كبيرة على حلفاء صغار.
تغير العالم، ولم يعد هذا المنطق يحكم العلاقات بين الدول، واكتسب الحلف معنى محددا. الحلف فى المعنى المعاصر هو علاقة تعاون دفاعى بين الدول، يتعهد فيها أعضاء الحلف بالوقوف عسكريا إلى جانب أعضاء الحلف الآخرين حال تعرضهم لعدوان. لا يتصرف عضو الحلف بهذه الطريقة بسبب طيبة أخلاقه، ولكن لأن شدة الارتباط بالحلفاء تجعل الإضرار بأمنهم إضرارا بأمنه الخاص. يبادر عضو الحلف للوقوف عسكريا إلى جانب حلفائه إذا احتاجوا إلى ذلك، لأنه واثق من أن أعضاء الحلف الآخرين سيتصرفون حياله بنفس الطريقة إذا تعرض لعدوان. بين أعضاء الحلف اتفاق على تعريف التهديدات التى تواجههم، ولديهم ثقة عالية فى بعضهم البعض، وفى أن أعضاء الحلف الآخرين لن يترددوا فى تقديم المساعدة لهم إذا احتاجوها.
فى علاقات التعاون المختلفة القائمة بين الدول فى عالم اليوم، لا ينطبق تعريف الحلف إلا على حلف ناتو، الذراع العسكرية للتكتل الغربى الذى يضم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى وعددا آخر قليلا من الدول فى آسيا. الولايات المتحدة هى المحور ومركز الجذب لحلف ناتو، وإن كانت جاذبيتها للحلفاء من خارج التكتل الغربى آخذة فى التراجع.
بين أعضاء التكتل الغربى مصالح أمنية واقتصادية مشتركة، وتجمعهم أيضا عقيدة سياسية ليبرالية وتنظيم سياسى ديمقراطى، توفر أساسا أيديولوجيا وهوية للحلف. هل لاحظت موقع تركيا القلق فى حلف ناتو والتكتل الغربى؟ أظن أن لهذا علاقة بفجوة الأيديولوجيا والهوية التى تفصل تركيا عن أعضاء الحلف الآخرين.
التحالف هو مستوى أدنى من الحلف.للحلف مؤسسة وإطار تنظيمى، تعكس الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة طويلة الأمد بين أعضائه. غياب المؤسسية عن علاقات التحالف يعكس الطبيعة الظرفية والثقة المحدودة التى يضعها المتحالفون فى بعضهم البعض. للتحالف مكون أمنى ودفاعى قوى، فالحليف يرى فى أمن وسلامة الحلفاء مصلحة له، لكنه غير مستعد لإلزام نفسه بالدفاع عنهم حال تعرضهم لعدوان. ليس لدى الحلفاء تعريف مشترك للمصلحة العليا أو التهديدات، وإن اتفقوا على بعض الأهداف. لا تايوان تمثل مصلحة لروسيا، ولا أوكرانيا تمثل مصلحة للصين، وإن كانت هناك مصلحة فى مساعدة الحليف لتجنب الخسارة.
الشراكة الاستراتيجية هى مستوى أدنى من العلاقة بين الدول. الشركاء الاستراتيجيون غير متكافئين، فبعضهم عادة أقوى أو أغنى أو أكثر تقدما من الآخر. تنطوى الشراكة الاستراتيجية على تعاون من أجل تعزيز مصالح حيوية، أمنية أو اقتصادية، لكنها لا تنطوى على التزامات دفاعية. للشركاء الاستراتيجيين مصلحة مشتركة فى صياغة بعض جوانب البيئة الأمنية والاستراتيجية. الشراكة الاستراتيجية أكثر من صفقة لتبادل المنافع، لكنها أقل كثيرا من تحالف.
الدول معدومة الحلفاء والشركاء تجد نفسها فى وضع بائس. كلما زاد حلفاء الدولة وشركائها كانت فى وضع أفضل. كلما زاد الطلب على التحالف والشراكة مع الدولة كان هذا دليلا على أهميتها ومركزية وضعها.
نقلا عن جريدة الاهرام
رئيس برنامج السياسات العامة السابق

