تشهد التجارة الدولية منذ السنوات الأخيرة تحولات متسارعة تعكس تغيرًا أعمق في طبيعة النظام الاقتصادي العالمي، حيث لم تعد التجارة تُدار فقط وفق اعتبارات الكفاءة الاقتصادية وتحرير الأسواق، بل أصبحت ترتبط بصورة متزايدة بالأمن القومي، وتأمين سلاسل الإمداد، والتنافس الجيوسياسي. وفي هذا السياق، برزت السياسة التجارية الأمريكية، خاصة خلال عام 2025 واستمرت خلال 2026، كنموذج واضح لهذا التحول، من خلال التوسع في استخدام التعريفات الجمركية، وربط التجارة بالاعتبارات الاستراتيجية، والسعي نحو إعادة توطين الصناعات الحيوية داخل الولايات المتحدة.
ولا تقتصر أهمية هذه التحولات على كونها مرتبطة بإصدار المحكمة العليا الأمريكية في 20 فبراير 2026 حكمًا تاريخيًا يحد من صلاحيات الرئيس الأمريكي في فرض الرسوم الجمركية، بل تعكس اتجاهًا أوسع نحو إعادة تشكيل بنية النظام التجاري العالمي نفسه. فالتقرير لا يتناول فقط تداعيات القرار القضائي أو السياسات الحمائية الأمريكية، وإنما يسعى إلى تحليل الكيفية التي أدى بها اتساع استخدام أدوات الحماية التجارية وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد إلى دفع الدول نحو تسريع الاتفاقات التجارية وإعادة تموضع علاقاتها الاقتصادية، بما يعكس تحولًا في طبيعة التجارة الدولية من التركيز على الكفاءة الاقتصادية فقط إلى التركيز على المرونة والأمن الاقتصادي وإدارة المخاطر.
وقد تزامن ذلك مع حالة متزايدة من عدم اليقين بشأن استقرار النظام التجاري العالمي، خاصة عقب التطورات القضائية المرتبطة بالرسوم الجمركية الأمريكية، وما تبعها من تحركات سريعة لإعادة توظيف أدوات قانونية وتجارية بديلة. وفي المقابل، اتجهت العديد من الدول إلى تسريع وتيرة الاتفاقات التجارية الثنائية والإقليمية، ليس فقط بهدف توسيع التبادل التجاري، بل أيضًا لتأمين سلاسل الإمداد، وتنويع الشركاء، وتقليل التعرض للمخاطر الجيوسياسية والاقتصادية.
وفي ظل هذه التحولات، تبرز أهمية دراسة انعكاسات إعادة تشكيل النظام التجاري العالمي على الاقتصادات الناشئة، وعلى رأسها مصر، سواء من حيث تأثير الاتفاقات التجارية الجديدة على قدرتها التنافسية، أو من حيث طبيعة التحديات التجارية والتنظيمية في العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة. ومن ثم، يسعى هذا التقرير إلى تحليل التحولات في السياسة التجارية الأمريكية، وقراءة التحركات الدولية المصاحبة لها، وتقييم ما تفرضه هذه التطورات من تحديات وفرص أمام الاقتصاد المصري.
أولًا: السياسة التجارية الأمريكية لعام 2026
تشير أجندة السياسة التجارية الأمريكية لعام 2026 الصادرة عن مكتب الممثل التجاري الأمريكي، إلى تحول واضح في فلسفة إدارة التجارة الدولية، حيث لم تعد الولايات المتحدة تتعامل مع التجارة كأداة لتعظيم الكفاءة الاقتصادية فقط، بل كوسيلة مباشرة لإعادة بناء القاعدة الإنتاجية وتعزيز الأمن القومي. فتبني شعار “أمريكا أولًا” لم يعد مجرد توجه سياسي، بل أصبح إطارًا حاكمًا يعيد ترتيب أولويات السياسة التجارية حول الإنتاج المحلي، وتقليل العجز التجاري، وربط التجارة بالاعتبارات الاستراتيجية.
ينطلق هذا التحول من تشخيص تعتبره الإدارة جذريًا لأزمة ممتدة، تتمثل في العجز التجاري المزمن وتآكل القاعدة الصناعية نتيجة عقود من الاعتماد على الاستهلاك المدفوع بالديون والانفتاح غير المتكافئ مع الشركاء التجاريين. وبناءً على ذلك، تسعى السياسة الجديدة إلى إعادة التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، من خلال دفع الاقتصاد الأمريكي نحو إنتاج ما يستهلكه، بدلًا من تمويل الواردات عبر التوسع في الاقتراض.
وفي هذا الإطار، تركز أجندة السياسة التجارية الأمريكية لعام 2026 على مجموعة من المحاور المتكاملة، تشمل توسيع اتفاقيات التجارة المتبادلة، وتشديد إنفاذ القوانين التجارية، وتأمين سلاسل الإمداد في القطاعات الحيوية مثل الأدوية والمعادن والطاقة، إلى جانب إعادة تقييم الاتفاقيات القائمة مثل USMCA، وإدارة العلاقات التجارية مع الصين على أساس “المعاملة بالمثل”. كما تعكس هذه الأجندة توجهًا نحو إعادة صياغة قواعد النظام التجاري الدولي نفسه، بما يسمح بمرونة أكبر في التمييز بين الشركاء وفقًا للاعتبارات الاستراتيجية.
ضمن هذا السياق، لم تعد أدوات السياسة التجارية وعلى رأسها التعريفات الجمركية مجرد وسائل تقليدية للحماية، بل أصبحت جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة توجيه سلاسل الإمداد العالمية وتعزيز التصنيع المحلي. وهو ما يفسر تحركات الإدارة الأمريكية بعد الحكم القضائي، وسرعة لجوئها إلى بدائل قانونية للحفاظ على نهجها الحمائي.
في المقابل، ساهمت هذه التحولات، إلى جانب حالة عدم اليقين التي تحيط باستقرار السياسات التجارية حتى داخل أكبر اقتصاد في العالم، في دفع العديد من الدول إلى تسريع وتيرة إبرام الاتفاقات التجارية أو تطويرها. ولم يعد الهدف من هذه الاتفاقات يقتصر على خفض الرسوم الجمركية، بل امتد ليشمل تأمين سلاسل الإمداد، وتنويع الشركاء، وإدارة المخاطر في بيئة دولية تتسم بالتقلب.
وبالتالي، يمكن فهم التطورات الحالية في التجارة الدولية من خلال محورين متوازيين: الأول تقوده الولايات المتحدة عبر استخدام أدوات حمائية مرنة لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي بما يخدم مصالحها، والثاني تقوده بقية الدول عبر بناء شبكات من الاتفاقات التجارية لتعزيز المرونة وتقليل التعرض للمخاطر.
ثانيًا: التحركات الأمريكية عقب حكم المحكمة العليا
تعكس التحركات الأمريكية عقب إصدار المحكمة العليا الأمريكية في 20 فبراير 2026 حكمًا تاريخيًا يحد من صلاحيات الرئيس الأمريكي في فرض الرسوم الجمركية أن إدارة دونالد ترامب لم تتجه إلى التراجع، بل إلى إعادة التموضع السريع باستخدام أدوات قانونية بديلة. فالإسراع في تفعيل “المادة 122” وفرض رسوم مؤقتة يوضح أن القرار لم يكن مفاجئًا بالكامل، بل كان هناك استعداد مسبق للتعامل معه عبر “خطة بديلة” تضمن استمرار النهج الحمائي. هذه الخطوة لم تكن هدفًا في حد ذاتها، بل أداة انتقالية لكسب الوقت، إلى حين تفعيل مسارات قانونية أكثر رسوخًا مثل المادة 232 المرتبطة بالأمن القومي، أو المادة 301 الخاصة بالممارسات التجارية غير العادلة.
لكن التطور الأهم لا يرتبط فقط بالأداة القانونية، بل بطبيعة السياسة التجارية نفسها، التي انتقلت من فرض رسوم تقليدية إلى ما يمكن وصفه بـ”نظام جمركي متدرج”. ويتضح ذلك في قرارات أبريل 2026 الخاصة بالمعادن الاستراتيجية، حيث لم تكتفِ الإدارة الامريكية برفع الرسوم إلى 50% على الصلب والألومنيوم والنحاس، بل غيّرت أيضًا طريقة احتسابها لتُفرض على القيمة الكاملة للمنتج، وليس فقط على جزء منه، وهو ما يقلل من فرص التهرب أو التحايل.
كما أن هيكل الرسوم لم يعد موحدًا، بل أصبح متدرجًا وفق اعتبارات اقتصادية وسياسية. فهناك مستوى مرتفع للحماية على المنتجات الأساسية، ومستوى أقل للمنتجات المشتقة، ورسوم مخفضة على السلع التي تعتمد على مدخلات أمريكية، بل وإعفاءات جزئية أو كاملة في بعض الحالات. هذا التدرج يعكس هدفًا واضحًا، وهو إعادة توجيه سلاسل الإمداد العالمية بحيث تعتمد بشكل أكبر على الإنتاج داخل الولايات المتحدة أو على الأقل على مدخلات أمريكية.
ويظهر هذا التوجه بشكل أكثر وضوحًا في قطاع الأدوية، حيث تم تصميم نظام جمركي شديد المرونة والتعقيد في الوقت نفسه. فقد فُرضت رسوم تصل إلى 100% على الأدوية الحاصلة على براءات اختراع، لكن في المقابل تم تقديم حوافز كبيرة للشركات التي توافق على نقل إنتاجها إلى داخل الولايات المتحدة، مثل خفض الرسوم إلى 20% أو حتى إعفاء كامل (0%) في حال الالتزام باتفاقيات توطين الإنتاج والتسعير. كما مُنحت بعض الدول الحليفة مثل الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية رسومًا أقل، في حين حصلت المملكة المتحدة على معاملة أكثر تفضيلًا. كذلك تم استثناء بعض الفئات الحساسة مثل أدوية الأمراض النادرة.
هذا التدرج الواسع في الرسوم من الإعفاء الكامل إلى 100% يوضح أن التعريفة لم تعد مجرد أداة مالية، بل أصبحت وسيلة لإدارة سلوك الشركات والدول. فهي تُستخدم كحافز لمن يلتزم بالتوجهات الأمريكية، وكأداة ضغط على من يرفضها، خاصة فيما يتعلق بتوطين الصناعة.
وفي السياق نفسه، يأتي التهديد برفع الرسوم على السيارات الأوروبية إلى 25%، مع ربط الإعفاء بالإنتاج داخل الولايات المتحدة، ليؤكد أن الهدف الأساسي للسياسة التجارية لم يعد فقط تقليل الواردات أو زيادة الإيرادات، بل إعادة توزيع مواقع الإنتاج عالميًا. بمعنى آخر، يتم استخدام الرسوم لدفع الشركات الأجنبية إلى نقل مصانعها إلى الداخل الأمريكي.
تُعد هذه السياسات تحول واضح في الدور الذي تلعبه التعريفات الجمركية. فلم تعد مجرد أداة حمائية تقليدية، بل أصبحت أداة مرنة تُستخدم بشكل مستمر لإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وتحفيز الاستثمار داخل الولايات المتحدة، وتعزيز القطاعات المرتبطة بالأمن القومي. كما أن تنوع الأسس القانونية المستخدمة يمنح الإدارة قدرة أكبر على المناورة، ويجعل من الصعب الطعن على هذه السياسات بنفس الطريقة التي عطلت القرارات السابقة.
ثالثًا: تحركات الدول عقب حكم المحكمة العليا الأمريكية
على الجانب الآخر من التحولات في السياسة التجارية الأمريكية، تكشف خريطة الاتفاقات التجارية الدولية بعد قرار المحكمة العليا عن اتجاه موازٍ لا يقل أهمية، يتمثل في تسارع الدول نحو إبرام اتفاقات جديدة أو تطوير اتفاقات قائمة، ليس فقط بهدف تعزيز التجارة، بل كاستجابة مباشرة لبيئة دولية تتسم بارتفاع عدم اليقين. فحتى مع القيود التي فرضها القضاء الأمريكي على بعض أدوات التعريفة الجمركية، لم يتراجع الشعور العام بعدم الاستقرار، بل على العكس، عزز من إدراك الدول أن النظام التجاري العالمي أصبح أكثر عرضة للتقلبات السياسية والقانونية، بما يدفعها إلى البحث عن بدائل أكثر استقرارًا ومرونة. ويمكن رصد ذلك من خلال الاتفاقات والتحركات التالية:
1 – اتفاق التجارة الحرة بين نيوزيلندا والهند:
حيث سيتم إعفاء جانب كبير من الصادرات النيوزيلندية الحالية من الرسوم الجمركية والخضوع لرسوم مخفضة؛ إذ سيتم إلغاء الرسوم كليًا وفور دخول الاتفاقية حيز التنفيذ لأكثر من نصف هذه الصادرات، لتتوسع هذه المظلة وتشمل أكثر من 80% منها بمجرد التطبيق الكامل لاتفاقية التجارة الحرة. ويعكس هذا الاتفاق في جوهره محاولة لإعادة توزيع العلاقات التجارية جغرافيًا. فالتوجه نحو سوق بحجم الهند لا يرتبط فقط بالفرص الاقتصادية، بل أيضًا برغبة في تقليل الاعتماد على شركاء تقليديين، خاصة في ظل تزايد المنافسة الدولية على النفاذ إلى الأسواق الكبرى. ومن ثم، يصبح تحرير التجارة هنا أداة ضمن استراتيجية أوسع لتنويع المخاطر، وليس هدفًا في حد ذاته.
2- اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والميركوسور:
أما على مستوى التكتلات الكبرى، فيبرز بدء التطبيق المؤقت لاتفاق الاتحاد الأوروبي مع ميركوسور كخطوة استراتيجية لإعادة تشكيل خريطة التجارة العالمية. فرغم الطابع التقليدي للاتفاق من حيث خفض الحواجز الجمركية، إلا أن أهميته الحقيقية تكمن في كونه أداة لتنويع الشركاء وتأمين الوصول إلى الموارد الطبيعية، في ظل سعي أوروبا لتقليل اعتمادها على مصادر محددة. كما أن إدماج قضايا مثل المناخ وحقوق العمال يعكس توسع نطاق الاتفاقات التجارية لتشمل أبعادًا تنظيمية واستراتيجية أوسع، تتجاوز مجرد تبادل السلع.
3- اتفاق AOTES بين نيوزيلندا وسنغافورة:
في هذا السياق، يمثل اتفاق AOTES (اتفاقية التجارة في الإمدادات الأساسية) بين نيوزيلندا وسنغافورة نموذجًا متقدمًا لهذا التحول، حيث يتجاوز منطق “تحرير التجارة” التقليدي إلى منطق “تأمين التجارة” في أوقات الأزمات. فالاتفاق لا يركز على خفض الرسوم الجمركية بقدر ما يضع التزامًا قانونيًا بعدم فرض قيود على تصدير السلع الأساسية مثل الغذاء والوقود والمستلزمات الطبية، حتى في حالات الطوارئ. وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تعكس تحولًا في أولويات الدول، من السعي إلى تعظيم المكاسب التجارية في الظروف الطبيعية، إلى ضمان استمرارية تدفق السلع الحيوية في الظروف الاستثنائية. وبالتالي، يمكن اعتبار هذا الاتفاق جزءًا من اتجاه أوسع نحو بناء اتفاقات “وقائية” تهدف إلى تحييد سلاسل الإمداد عن الصدمات المستقبلية.
4- الاتفاقات الموقّعة بين أستراليا واليابان:
وبالتوازي مع ذلك، تتجه بعض الاتفاقات إلى دمج البعد الأمني بشكل مباشر في صلب التعاون الاقتصادي، كما هو الحال في الاتفاقات الموقعة بين أستراليا واليابان. فهذه الاتفاقات لا تقتصر على التجارة أو الاستثمار، بل تمتد لتشمل مجالات الطاقة والمعادن الحرجة والدفاع، ويعكس ذلك تحولًا واضحًا في وظيفة الاتفاقات التجارية، حيث لم تعد مجرد أدوات اقتصادية، بل أصبحت جزءًا من منظومة “الأمن الاقتصادي” التي تسعى الدول من خلالها إلى تقليل اعتمادها على موردين غير موثوقين، خاصة في القطاعات الحيوية مثل المعادن النادرة.
5- اتفاق الاتحاد الأوروبي مع أستراليا:
ويعزز هذا التوجه أيضًا اتفاق الاتحاد الأوروبي مع أستراليا، الذي يجمع بين تحرير التجارة وتأمين سلاسل الإمداد للمواد الخام الحيوية مثل الليثيوم والمعادن المرتبطة بالتحول الأخضر. وهنا يظهر بوضوح أن الاتفاقات التجارية أصبحت وسيلة لتحقيق “الأمن الصناعي”، وليس فقط زيادة حجم التبادل التجاري. كما يعكس هذا الاتفاق توجهًا أوروبيًا نحو تعزيز الحضور في منطقة الإندو-باسيفيك، بما يدعم استراتيجية تنويع الشركاء وتقليل المخاطر الجغرافية.
6- الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الهند وكندا (CEPA):
وفي سياق مشابه، يمثل استئناف مفاوضات الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الهند وكندا (CEPA) مثالًا على استخدام الاتفاقات التجارية كأداة لإعادة بناء العلاقات السياسية والاقتصادية في آن واحد. فالاتفاق لا يركز فقط على تحرير التجارة، بل يتضمن إنشاء أطر مؤسسية لضمان استمرارية التعاون، إلى جانب التركيز على قطاعات مستقبلية مثل التكنولوجيا والطاقة النظيفة والمعادن الحرجة. وهو ما يعكس توجهًا متزايدًا نحو ربط التجارة بالاستقرار السياسي والأمني، وليس فصلها عنه.
ومن زاوية أوسع، يمكن فهم التوسع الكبير في المفاوضات التجارية التي تقودها الهند مع عدد من الدول كجزء من استراتيجية “تنويع المسارات التجارية”. فبدلًا من الاعتماد على عدد محدود من الشركاء، تسعى الهند إلى بناء شبكة واسعة من الاتفاقات التي تتيح لها مرونة أكبر في مواجهة الصدمات. ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن الاعتماد على نظام تجاري عالمي موحد لم يعد كافيًا، وأن الدول بحاجة إلى بناء شبكات متعددة لضمان استقرار تجارتها.
7- الاتفاق التجاري بين الصين وسويسرا:
وفي الاتجاه نفسه، يعكس توجه الصين نحو تحديث اتفاقها التجاري مع سويسرا تحولًا في طبيعة الاتفاقات من التركيز على السلع إلى التركيز على الخدمات والتكنولوجيا والتجارة الرقمية. ويشير ذلك إلى أن المنافسة في النظام التجاري العالمي لم تعد تقتصر على تدفقات السلع، بل أصبحت مرتبطة بشكل متزايد بالاقتصاد الرقمي وسلاسل القيمة المعرفية، وهو ما يدفع الدول إلى تطوير اتفاقاتها بما يتماشى مع هذه التحولات.
وإجمالًا، تعكس الاتفاقات السابقة تحركات أهم اللاعبين في النظام التجاري الدولي في مواجهة تحركات السياسة التجارية الأمريكية والتي تعكس نمطًا واضحًا يتمثل في أن الاتفاقات التجارية لم تعد مجرد أدوات لتحرير التجارة، بل أصبحت آليات لإدارة المخاطر في بيئة دولية غير مستقرة. فمع تزايد التقلبات السياسية والقانونية داخل الاقتصادات الكبرى أصبحت الدول أكثر ميلًا لتأمين مصالحها من خلال اتفاقات ثنائية أو إقليمية مرنة، تضمن استمرارية تدفق السلع، وتدعم تنويع الشركاء، وتعزز القدرة على مواجهة الصدمات. وبالتالي، فإن تسارع وتيرة هذه الاتفاقات لا يعكس فقط رغبة في توسيع التجارة، بل يعبر بالأساس عن محاولة لإعادة بناء قدر من اليقين داخل نظام عالمي يتجه نحو مزيد من التعقيد وعدم الاستقرار.
جدول (1) ملخص الاتفاقيات والدلالات الاستراتيجية
| الاتفاقية | المحور الرئيسي | الدلالة الاستراتيجية |
| اتفاق التجارة الحرة بين نيوزيلندا والهند | خفض الرسوم + النفاذ للأسواق | تقليل الاعتماد على شركاء تقليديين |
| اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والميركوسور | تجارة + موارد طبيعية | أداة لتنويع الشركاء وتأمين الوصول إلى الموارد الطبيعية |
| اتفاق AOTES بين نيوزيلندا وسنغافورة | أمن الإمداد في الأزمات | يتجاوز الاتفاق منطق “تحرير التجارة” التقليدي إلى منطق “تأمين التجارة” |
| الاتفاقات الموقعة بين أستراليا واليابان | طاقة ومعادن ودفاع | تحولًا واضحًا في وظيفة الاتفاقات التجارية، حيث لم تعد مجرد أدوات اقتصادية، بل أصبحت جزءًا من منظومة “الأمن الاقتصادي” وتقليل الاعتماد على موردين غير موثوقين |
| اتفاق الاتحاد الأوروبي مع أستراليا | الليثيوم والمعادن الحرجة | الاتفاقات التجارية أصبحت وسيلة لتحقيق “الأمن الصناعي” |
| الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الهند وكندا (CEPA) | تكنولوجيا وطاقة نظيفة ومعادن | ربط التجارة بالاستقرار السياسي والأمني، وليس فصلها عنه وبناء شبكات متعددة لضمان استقرار تجارتها |
| الاتفاق التجاري بين الصين وسويسرا | خدمات وتكنولوجيا وتجارة رقمية | المنافسة في النظام التجاري العالمي لم تعد تقتصر على تدفقات السلع، بل أصبحت مرتبطة بشكل متزايد بالاقتصاد الرقمي وسلاسل القيمة المعرفية |
رابعًا: الانعكاسات على مصر
- تأثيرات اتفاقيات التجارة الحرة المبرمة بين الدول على التجارة والاستثمار في مصر:
لا تقتصر تداعيات موجة الاتفاقات التجارية الجديدة على إعادة توزيع التدفقات التجارية عالميًا، بل تمتد لتؤثر بصورة مباشرة على المكانة التنافسية للدول المختلفة في النظام التجاري الدولي من بينها مصر. فعلي سبيل المثال فقد يمثل توسع الاتحاد الأوروبي (الذي يعد الشريك التجاري الأول لمصر) في منح مزايا تفضيلية لقوى إنتاجية كبرى مثل الميركوسور، تأثيرا على الميزة النسبية التي تستفيد منها الصادرات المصرية منذ عقود من خلال ميزة النفاذ الحر للسوق الأوروبي خاصة في قطاعات رئيسية في هيكل الصادرات المصرية. وفي هذا السياق، لا تبدو التحديات المصرية مرتبطة فقط بالمنافسة السعرية، بل أيضًا بتحول طبيعة التجارة العالمية نفسها نحو مفاهيم الأمن الاقتصادي، وسلاسل الإمداد المرنة، والامتثال البيئي والتكنولوجي.
كما تمتد هذه التحولات إلى قطاع النقل والخدمات اللوجستية، خاصة مع تصاعد الحديث عن الممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–الأوروبي كبديل استراتيجي لمسارات التجارة التقليدية. ورغم تعثر المشروع بسبب التوترات الإقليمية، فإن تنامي التجارة بين الهند وأوروبا في ضوء اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند (يناير 2026) يمنحه أهمية اقتصادية متزايدة، بما قد يمثل تحديًا جزئيًا للمسارات التقليدية وإن كان على المدى الطويل. ومع ذلك، قد تستفيد مصر في المقابل من زيادة حجم التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا، من خلال ممر قناة السويس وإن كان التحدي الحقيقي يتمثل في القدرة على التحول من مجرد ممر عبور إلى شريك رئيسي في سلاسل الإمداد والتصنيع والخدمات اللوجستية المرتبطة بالنظام التجاري الجديد.
كما تعكس الاتفاقات الجديدة توجهًا عالميًا نحو ربط التجارة بالطاقة وسلاسل الإمداد والاعتبارات البيئية. وفي هذا السياق، تراهن مصر على التحول إلى مركز إقليمي للهيدروجين الأخضر مستفيدة من موقعها الجغرافي وقربها من أوروبا، إلا أن المنافسة تتصاعد مع دول مثل الهند التي تمتلك قاعدة صناعية وقدرات إنتاجية ضخمة مدعومة بشراكات أوروبية.
- السياسة التجارية بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية:
أولًا: التبادل التجاري بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية
جدول (2) التبادل التجاري بين مصر والولايات المتحدة الامريكية
| البند | السلع (2025) | السلع (2024) |
| الصادرات الأمريكية إلى مصر | ||
| القيمة | 9.5 مليار دولار | 6.1 مليار دولار |
| التغيّر | ▲ 55.5% (+3.2 مليار) | |
| الواردات الأمريكية من مصر | ||
| القيمة | 2.9 مليار دولار | 2.7 مليار دولار |
| التغيّر | ▲ 7.4% (+0.2 مليار) | |
| الميزان التجاري | ||
| الفائض الأمريكي | 6.6 مليار دولار | 3.4 مليار دولار |
| نسبة التغيّر | ▲ 94% | |
| إجمالي التجارة | 12.4 مليار دولار | |
| ترتيب مصر كسوق للصادرات الأمريكية | المركز 37 | المركز 37 |
Source: Trade Map
هناك تحوّل لافت في التجارة بين الولايات المتحدة ومصر من جانب موازين العلاقة الاقتصادية بين البلدين خلال عام 2025، إذ تتسع الفجوة لصالح الجانب الأمريكي بوتيرة متسارعة. فعلى صعيد السلع، قفز الفائض التجاري الأمريكي إلى 6.6 مليار دولار، بارتفاع يبلغ 94% مقارنةً بعام 2024، وهو رقم يعكس في جوهره معادلة غير متكافئة: بصادرات أمريكية إلى مصر بلغت 9.5 مليار دولار، أي بزيادة تقارب النصف في عام واحد، في مقابل واردات أمريكية من مصر لم تتجاوز 2.9 مليار دولار، لم تنمُ سوى بـ 7.4%.
كما بلغ إجمالي حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 12.4 مليار دولار وتعتبر مصر في المرتبة 37 كسوق للصادرات الأمريكية السلعية، إلا أن الأرقام تشير إلى علاقة تجارية تميل بوضوح نحو الاستيراد من أمريكا أكثر من التصدير إليها.
شكل (1): أهم المجموعات السلعية التي صدرتها مصر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عامي (2024 و2025) (مليون دولار)

Source: Trade Map
تكشف خريطة الصادرات المصرية إلى الولايات المتحدة خلال عام 2025 عن استمرار التركّز النسبي للصادرات المصرية في عدد محدود من القطاعات، وعلى رأسها قطاع الملابس الجاهزة، الذي حافظ على موقعه كأكبر بند تصديري لمصر إلى السوق الأمريكية. فقد ارتفعت صادرات الملابس والملابس التريكو أو الكروشيه من 784.1 مليون دولار عام 2024 إلى 919.9 مليون دولار عام 2025، بنسبة نمو بلغت نحو 17.3%، بما يعكس استمرار استفادة هذا القطاع من بروتوكول الكويز والميزة التنافسية للمنتجات المصرية في السوق الأمريكية. كما ارتفعت صادرات الحديد والصلب من 169.8 مليون دولار إلى 190.2 مليون دولار بنسبة 12%، إلى جانب زيادة صادرات محضرات الخضر والفاكهة والمكسرات بنسبة 18.9% لتصل إلى 136.1 مليون دولار، وهو ما يشير إلى تحسن نسبي في بعض الصادرات الصناعية والغذائية المصرية.
وفي المقابل، شهدت بعض البنود الأخرى تراجعًا، إذ انخفضت صادرات الملابس غير المحبوكة أو الكروشيه من 456.4 مليون دولار إلى 440.6 مليون دولار بنسبة تراجع بلغت 3.5%، بينما سجّلت الملح والكبريت والأحجار ومواد التشييد أعلى معدل نمو بين المجموعات الرئيسية، إذ قفزت من 103.4 مليون دولار إلى 176.3 مليون دولار، بنسبة نمو بلغت نحو 70.5%، وهو ما يعكس تنامي الطلب الأمريكي على بعض الخامات والمواد الأولية المصرية.
شكل (2): أهم المجموعات السلعية التي استوردتها مصر من الولايات المتحدة الأمريكية عامي (2024 و2025) (مليار دولار)

Source: Trade Map
على جانب الواردات المصرية من الولايات المتحدة، فتُظهر البيانات توسعًا واضحًا في الاعتماد على السلع الأمريكية، خاصة في قطاع الطاقة. فقد ارتفعت واردات الوقود المعدني والزيوت المعدنية ومنتجات التقطير من 1.7 مليار دولار عام 2024 إلى 4.4 مليار دولار عام 2025، بنسبة زيادة ضخمة بلغت نحو 158.8%، وهو ما يفسر جانبًا كبيرًا من القفزة في الصادرات الأمريكية إلى مصر واتساع الفائض التجاري الأمريكي. كما ارتفعت واردات البذور الزيتية والثمار الزيتية والحبوب المتنوعة من مليار دولار إلى 1.7 مليار دولار بنسبة 70%.
في المقابل، تراجعت واردات المركبات العضوية من الولايات المتحدة من 640 مليون دولار إلى 550 مليون دولار بنسبة انخفاض بلغت 14.1%، بينما استقرت واردات الآلات والأجهزة الميكانيكية عند مستوى 440 مليون دولار تقريبًا دون تغير يُذكر. كذلك ارتفعت واردات المنتجات الصيدلانية بشكل طفيف من 280 مليون دولار إلى 290 مليون دولار بنسبة 3.6%.
ثانيًا: مصر في تقارير الإدارة الأمريكية 2026
تعكس التقارير التي أصدرتها الولايات المتحدة الأمريكية رؤيتها لمصر حيث ركزت الإدارة الأمريكية في تقرير SPECIAL 301 الخاص بموقف حماية حقوق الملكية الفكرية على ابقاء مصر على “قائمة المراقبة” في التقرير رغم الإشارة إلى عدد من الخطوات الإيجابية التي اتخذتها مصر في مجال حماية حقوق الملكية الفكرية. مع الإشارة إلى أن سلطات الجمارك المصرية لا تزال تفتقر إلى صلاحيات التحرك التلقائي لتعليق الإفراج عن البضائع المشتبه في مخالفتها لحقوق الملكية الفكرية واستمرار بطء إجراءات التقاضي وضعف التدابير الرادعة. أما في تقرير العوائق التجارية Foreign Trade Barriers 2026 فقد كان أهم ماتم الإشارة إليه أن مصر لا تزال تتبنى هيكلًا جمركيًا مرتفعًا نسبيًا، خاصة في القطاع الزراعي، ولا تزال واشنطن تعتبر بعض الرسوم الجمركية المصرية مرتفعة بصورة تعيق النفاذ للسوق.
كيف يمكن أن تمثل هذه التقارير تحديًا أمام السياسة التجارية المصرية؟
تتمثل أهم التحديات فيما يمكن أن تبثه هذه التقارير مثل تقرير Special 301 Report من رسائل سلبية للمستثمرين والشركات الأجنبية بشأن مستوى حماية وإنفاذ حقوق الملكية الفكرية داخل السوق المصرية، خاصة في القطاعات المعتمدة على التكنولوجيا والدواء والصناعات الإبداعية. وقد ينعكس ذلك على قرارات الاستثمار الأجنبي واتجاهات الشركات العالمية تجاه السوق المصرية مقارنة بأسواق منافسة أخرى. أما فيما يتعلق بتقرير العوائق التجارية فإنه يمثل أداة شاملة لرصد كل ما تعتبره واشنطن “عوائق” أمام التجارة، وعادة ما تعتبر عناصره أجندة الجانب الأمريكي للتفاوض مع الجانب المصري في إطار الاجتماعات الدورية لمجلس التجارة والاستثمار TIFA.
خامسًا: دلالات استراتيجية من السياسة التجارية الأمريكية والتحركات الدولية
بالنسبة للنظام التجاري الدولي:
- يتضح أن التحولات الجارية في السياسة التجارية الدولية لا تعكس مجرد تغيرات مؤقتة في مستويات الرسوم الجمركية أو أنماط الاتفاقات التجارية، بل تشير إلى تحول هيكلي أوسع في طبيعة النظام التجاري العالمي نفسه.
- أن التجارة الدولية لم تعد تقتصر فقط على اعتبارات القدرة على النفاذ، وإنما أصبحت ترتبط باعتبارات مثل الأمن الاقتصادي، وتأمين سلاسل الإمداد، وإعادة توزيع مراكز الإنتاج، ليتراجع النموذج التقليدي القائم على العولمة المفتوحة لصالح نموذج أكثر انتقائية ومرونة.
- أن حكم المحكمة العليا الامريكية المتعلق بالرسوم الجمركية لم يكن سببًا مباشرًا في نشأة موجة الاتفاقات التجارية الجديدة، بقدر ما كان عاملًا مسرّعًا لاتجاهات قائمة بالفعل، عززت من إدراك الدول لضرورة تنويع الشركاء وتقليل الاعتماد على مراكز اقتصادية محددة.
- أظهرت التحركات الأمريكية أن أدوات السياسة التجارية أصبحت أكثر تعقيدًا وارتباطًا بالأهداف الصناعية والاستراتيجية، بما يتجاوز المفهوم التقليدي للحماية التجارية.
- ان الاقتصادات الناشئة يقع عليها عبء إيجاد موطئ قدم في النظام التجاري الدولي الجديد سواء للحفاظ على موقعها أو تلافي تداعياته عليها في ضوء ما تم وما يتم إبرامه من ترتيبات بين اللاعبين الكبار في منظومة التجارة الدولية وهو ما سينعكس على موقع الاقتصاديات الناشئة في سلاسل الأمداد ومسارات التجارة ومقاصد الاستثمار.
بالنسبة لمصر:
- هذه التحولات قد تفرض تحديات متزايدة تتعلق بتآكل بعض المزايا التفضيلية التقليدية، وتصاعد المنافسة في الأسواق الرئيسية للصادرات المصرية، فضلًا عن تزايد الضغوط المرتبطة بالمعايير البيئية والتنظيمية والرقمية.
- وفي المقابل، تفتح هذه التحولات أيضًا فرصًا محتملة أمام مصر لتعزيز موقعها داخل سلاسل الإمداد الإقليمية والدولية، خاصة في مجالات الطاقة والخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بالتحول الأخضر.
- أن هذه التحولات تتيح فرصًا لا تتوقف فقط على موقع مصر الجغرافي أو اتفاقاتها التجارية القائمة، بل تعتمد بصورة أساسية على مدى القدرة على تطوير قاعدة إنتاجية أكثر تنافسية، وتعميق الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، وبناء سياسة تجارية وصناعية أكثر مرونة واستجابة للتحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي.
- كما تتيح هذه التحولات أيضًا فرصًا لمصر لتأكيد موقعها المتميز في مسارات التجارة الدولية ومقاصد الاستثمار بما يعزز موقع مصر في خريطة التجارة والاستثمار العالمية.
في الختام، يمكن القول إن السياسة التجارية الأمريكية قد عززت من قناعة الدول بأن النظام التجاري العالمي أصبح أكثر تقلبًا وأقل قابلية للتنبؤ، الأمر الذي دفعها إلى تسريع مسارات تنويع التجارة، وتأمين سلاسل الإمداد، وتعميق التكامل الإقليمي، فما نشهده ليس رد فعل مباشرًا، بل هو تعبير عن مرحلة انتقالية في بنية النظام التجاري الدولي تفرض تحديات أمام الاقتصاديات الناشئة، وتتسم بصعود أنماط أكثر تعددية ومرونة في العلاقات الاقتصادية الدولية.
الدراسات الاقتصادية وقضايا الطاقة
