تتعدد تعريفات السياسة التجارية ودورها في دعم الاقتصاد الوطني وإن كانت كلها تتمحور حول كونها الإجراءات والوسائل التي تستخدم في مجال التجارة الخارجية للتأثير على تدفق السلع والخدمات عبر حدودها، وتختلف من دولة إلى أخرى حسب إمكاناتها واحتياجاتها وطبيعة نظامها الاقتصادي ودرجة تطورها، وكذا الهدف الذي تريد تحقيقه من اتباع سياسة تجارية معينة؛ حيث تتنوع هذه الأهداف لتشمل على سبيل المثال حماية الصناعات المحلية، تعزيز الصادرات، وتحقيق التوازن في الميزان التجاري، وتعزيز العلاقات الدولية.
وقد مرت السياسات التجارية بمراحل عدة خلال العقود الماضية، حيث ركزت على حماية الصناعات الوطنية الناشئة والحد من الواردات غير الضرورية لتجنب ارتفاع العجز في الميزان التجاري، ثم تطورت لتعزيز القدرة على النفاذ إلى الأسواق الإقليمية والدولية (Market Access) خاصة بعد بزوغ دور النظام التجاري الدولي القائم على القواعد متمثلًا في منظمة التجارة العالمية. وقد أتاح ذلك للسياسة التجارية التوسع في إقامة تكتلات إقليمية وإبرام اتفاقات تجارة حرة قائمة أساسًا على إزالة الرسوم الجمركية والحد من العوائق غير الجمركية.
وفي مرحلة تالية تحولت السياسة التجارية لتركز على جوانب إضافية لاقت اهتمامًا لأثرها المباشر على الاقتصاد العالمي مثل المتطلبات البيئية والعمالة وحقوق الملكية الفكرية وملف الاستثمار كمحددات للمنافسة العادلة، وكل ذلك في إطار نظام تجاري دولي تحكمه قواعد التجارة الدولية المستقرة منذ عقود.
وقد شكل العامين الماضيين نقطة تحول بارزة في تحركات السياسة التجارية لمختلف الاقتصاديات في ضوء حالة إعادة التشكيل التي يمر بها الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية على وجه التحديد بسبب متغيرين رئيسيين؛ يتمثل أولهما: في حالة الاضطراب الحالي على الساحة الاقتصادبة العالمية (بسبب الحرب الاقتصادية التي شنتها الولايات المتحدة على شركائها التجاريين) وثانيهما: تعدد الصدمات الجيوسياسية المؤثرة على التجارة الدولية وآخرها الحرب الأمريكية / الإسرائيلية على إيران، وقد فرض هذان المتغيران على السياسة التجارية ضرورة تغيير أهدافها ووسائلها لتأخذ في اعتبارها عوامل أصبحت حاكمة في توجيه تحركات السياسة التجارية، ومن أبرزها على سبيل المثال وليس الحصر ما يلي:
- الانقطاعات في سلاسل التوريد (تنويع المخاطر): حيث أدت الانقطاعات في سلاسل التوريد والتي أثرت بشكل واضح على الاحتياجات الاستراتيجية (المرتبطة بالغذاء وإمدادات الطاقة والمعادن الحرجة ومستلزمات الإنتاج وكذا السلع النهائية ..إلخ) إلى سعي الاقتصادات المختلفة إلى تنويع المخاطر من خلال تنويع أسواقها التصديرية التي قد تخرج من المنافسة بها إما بسبب حرب الرسوم الجمركية أو انقطاع مسارات التجارة، وكذا العمل على تأمين مستلزمات الإنتاج والإحتياجات الاستراتيجية وتبني فكرة السياسات التجارية الوقائية التي تضمن تدفق هذه الإمدادات حتى في حالات الطوارئ والتوترات الجيوسياسية.
- مسارات النقل والتجارة (ضمان المرونة والموثوقية): كان لتعثر عديد من مسارات التجارة التقليدية بصورة متكررة خلال فترات متقاربة سبب كاف للتوجه نحو تبني سياسات تجارية تأخذ في الاعتبار التعاون مع أسواق يتوفر لديها مسارات تجارة مرنة وأكثر موثوقية تحقق الحد المطلوب من تدفق التجارة الخارجية تصديرًا واستيرادًا لتكون هذه الأسواق بديلًا قائمًا حال تكرار الأزمات.
- الاستثمار (تحديث الخطاب الترويجي): في ضوء تحركات إعادة تموضع مناطق التصنيع في مقاصد استثمارية تتمتع بالقدرة على النفاذ إلى الأسواق التي زادت تكلفة الوصول إليها إما بسبب الحرب التجارية أو بسبب الاختلالات في مسارات النقل، فإن ذلك يستلزم قيام السياسة التجارية بمنح تفضيلات تعزز الخطاب الترويجي الهادف إلى إدراج المقصد الاستثماري ضمن البدائل أمام الاستثمارات العالمية.
- الرسوم الجمركية (من أداة حماية إلى أداة توجيه): في ضوء تحلل بعض الاقتصاديات المهمة من ضوابط التزاماتها في منظمة التجارة العالمية، لم تعد الرسوم الجمركية وسيلة لحماية ودعم الإنتاج المحلي فقط بل أصبحت وسيلة لتوجيه الاستثمارات وإدارة توجهاتها إلى المقاصد المختلفة وإعادة توزيع مواقع الإنتاج (الرسوم الأمريكية على الأدوية والسيارات مثالًا).
- المكونات التكنولوجية والرقمية ( دعم وحماية الإبتكار): الذي يعد عنصرًا لا يمكن إغفاله في التطور الاقتصادي ولا يمكن بدونه إيجاد موطئ قدم في النظام الاقتصادي العالمي، بل وينعكس على القدرات الإنتاجية والتنافسية للاقتصاديات الفاعلة في التجارة العالمية، ويمكن رصد ذلك من خلال صادرات حزم تقنيات الذكاء الاصطناعي وتدابير أمنها السيبراني، وتطبيقات عديدة (مثل هندسة البرمجيات، والتعليم، والرعاية الصحية، والزراعة، والنقل)، فضلًا عن القدرة على جذب مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي واستثمارات البنية التحتية التكنولوجية، وهو ما يستلزم تدخل السياسة التجارية لدعم هذا التوجه وحماية حقوق الملكية الفكرية الخاصة به.
- إدارة المخاطر في مواجهة الأزمات (إثراء البدائل): حيث تسببت الصدمات المتكررة في إحداث تغيير في توجهات السياسة التجارية نحو إدراج منطق التعامل مع المخاطر المحتملة مقابل الاكتفاء بإدارة الأزمات، وذلك من خلال إثراء البدائل وتوسيع الاتفاقات المعززة لهذا التوجه مع شركاء لم يكونوا يومًا على قائمة الأولويات في ضوء نظام تجاري مستقر وقائم على احترام القواعد وهو ما لم يعد موجودًا فعليًا.
- تأمين الصناعات التكنولوجية والدفاعية (تعديل خريطة التحركات): والتي تعتمد على المعادن الحرجة والنادرة؛ مما يستلزم على السياسة التجارية إعادة رسم خريطة تحركاتها وفقًا لاحتياجات هذه الصناعات التي تعتبر عنصرًا مرجحًا في القوة الشاملة للدولة وأمنها القومي.
- الأمن الاقتصادي (التوترات الجيوسياسة توجه الاقتصاد): حيث تتسبب التوترات الجيوسياسية في مناطق حرجة للاقتصاد العالمي في دفع السياسة التجارية إلى العمل على تجنب وقوع الاقتصاد رهينة للقلاقل سواء على مستوى سياسات الشركاء التقليديين أو على مستوى النطاق الجغرافي المضطرب وغير المستقر، لتصبح السياسة التجارية مكونًا في منظومة الأمن الاقتصادي من خلال العمل على تعزيز العلاقات التجارية مع مناطق آمنة وموثوقة تجاريًا تتوافق فيها المصالح بعيدًا عن منطق الحروب والتهديدات السياسية والعسكرية والتجارية.
- تحركات السياسة التجارية للاقتصاديات الفاعلة:
أدركت القوى الاقتصادية الفاعلة بروز هذه العوامل؛ مما دفعها للقيام بتحركات عاجلة على مستوى السياسة التجارية لتجنب التداعيات السلبية للحرب الاقتصادية والصدمات الجيوسياسية، وقد أسفرت هذه التحركات عن عديد من الاتفاقات التي تستجيب لمصالح وهواجس كل اقتصاد منها من حيث تأمين مسارات النقل والطاقة وتنويع الشركاء وتأمين الوصول للموارد الطبيعية وتأمين إمدادات السلع الاستراتيجية حتى في حالات الطوارئ ويمكن رصد ذلك في تحركات السياسة التجارية لاقتصاديات مثل الهند وكندا ونيوزيلندا وسنغافورة وكذا الاتحاد الأوروبي ودول الميركسور.
- موقف الاقتصاديات الناشئة:
أما بالنسبة للاقتصاديات الناشئة فلا تزال السياسة التجارية الخاصة بها في جانب رد الفعل من هذه المتغيرات، وتستجيب بمنطق إدارة الأزمات دون إدارة المخاطر، لذا فعليها مسئولية حماية اقتصادياتها في هذه المرحلة الانتقالية (من زاوية مفهوم ودورالسياسة التجارية) من خلال ما يلي:
- أن يكون هناك إدراك (وليس فقط معرفة) بما يتم من تغييرات في النظام التجارى الدولي وأولوياته وما ينتج عن ذلك من تغير في أهداف السياسة التجارية ووسائلها والتبعات على اقتصادياتها وعلى وزنها النسبي على المستوى الإقليمي والدولي.
- إعادة تقييم قدراتها وثقلها وأدواتها الاقتصادية في ضوء المفردات الجديدة للنظام الاقتصادى العالمى من مدى إمتلاكها لمعادن حرجة ومسارات تجارة ومسارات طاقة وقدرات بشرية وقدرة على النفاذ لأسواق مضطربة ومميزاتها كمقصد استثماري مستقر وآمن إنتاجيًا ولوجستيًا.
- استثمار هذا التقييم وتعديل سياستها التجارية للاندماج في مسارات التجارة والإمداد ومنظومة اللوجستيات ومقاصد الاستثمار؛ مما يعظم من دورها وأهميتها الاستراتيجية في النظام الاقتصادي العالمي الجديد بما تمتلكه من أدوات تثبت أهميتها في حالة الاضطراب الحالية وعلى أساس من المصالح المشتركة مع القوى الاقتصادية الأخرى.
وختامًا، فإن الاقتصاديات التي لا تتواكب تحركات سياستها التجارية مع المتغيرات الحالية وتكتفي بكونها سوقًا مستهلكًا أو مصدرًا للسلع الأولية أو مصدرًا للعمالة منخفضة التكاليف ستقبع على هامش المنظومة الإنتاجية والاستثمارية واللوجستية طالما لم تستخدم إمكاناتها، لتعاني اقتصادياتها خارج حركة التطور الاقتصادي في ضوء مفردات النظام الاقتصادي العالمي الجديد.
مدير برنامج الدراسات الاقتصادية
