أعلنت المحكمة الدستورية الجزائرية في الثامن عشر من يوليو 2026 النتائج النهائية للاستحقاق الدستوري لانتخاب أعضاء المجلس الشعبي الوطني –الغرفة السفلي في البرلمان الجزائري- بعد استكمال دراسة جميع الطعون والفصل فيها وفقًا لأحكام الدستور والقانون العضوي المنظم للانتخابات، والتي عكست استمرارية هيمنة الأحزاب الموالية للنظام الجزائري، وفي مقدمتها كل من حزب جبهة التحرير الوطني بواقع 91 مقعدًا، ويليه في المرتبة الثانية حزب “التجمع الوطني الديمقراطي” بعدد 74 مقعدًا، وجاء حزب “جبهة المستقبل” في المرتبة الثالثة بعدد 56 مقعدًا، وذلك من إجمالي عدد مقاعد 407 مقاعد.
وتكشف النتائج في الوقت ذاته عن تراجع قدرة أحزاب المعارضة بمختلف صورها على المنافسة خلال الاستحقاق، في ضوء تذيل جبهة القوى الاشتراكية القائمة وحصولها على 12 مقعدًا، فضلًا عن استمرار تراجع ترتيب الأحزاب الإسلامية في المنافسة الانتخابية إلى المرتبتين الرابعة والخامسة، بحصول كل من حركة “مجتمع السلم” (حمس)، وحركة “البناء الوطني” على 43، 40 مقعدًا على التوالي.
وبالرغم من تصدّر أحزاب الموالاة المشهد الانتخابي وتأمين مقاعد تضمن لها الانخراط في ائتلاف يدعم أغلبيتها في البرلمان ويُؤمن تشكيل الحكومة؛ فإن أي حزب منفرد لم يحقق الأغلبية المطلقة؛ إضافةً إلى أن نتائج الانتخابات النهائية المُعلن عنها كشفت عن حالة عزوف عام عن المشاركة؛ حيث لم تتجاوز نسبة المشاركة في الاقتراع التشريعي عن 21.24% في الداخل الجزائري، وهي نسبة أقل من نظيرتها عام 2021 بنحو 3%، وبلغت نسبة المشاركة خارج الجزائر 10.75%، وتأتي تلك المشاركة المحدودة، رغم مشاركة أحزاب المعارضة في تلك الانتخابات؛ الأمر الذي يعكس أمرين؛ أولهما: فشل الأحزاب في عملية الحشد والتعبئة، والثاني: افتقاد ثقة الهيئة الناخبة في برامج الأحزاب، ومن ثّم قدرتها على الاستجابة لمتطلبات المواطنين.
أولًا: متغيرات مؤثرة في المشهد الانتخابي:
يُعد الاستحقاق التشريعي الذي شهدته الجزائر مطلع يوليو 2026 هو الثاني منذ تنحي نظام الرئيس الأسبق “عبد العزيز بوتفليقة” على خلفية حراك فبراير 2019، وتزامن الإعلان عن دعوة الهيئة الناخبة لاختيار أعضاء المجلس الوطني الشعبي عن طريق الاقتراع العام المباشر، وجود بعض المتغيرات التي كان لها تأثير في سياق المشهد الانتخابي يمكن توضيحها في التالي:
- إجراء تعديل على قانون الأحزاب السياسية: أحد المتغيرات التي شهدتها البيئة الانتخابية يكمن في التعديل الدستوري الذي أُقر في مارس 2026 وما تمخض عنه من تعديل قانون الانتخابات وإقرار قانون عضوي جديد للأحزاب السياسية، يشمل تنظيم العملية الانتخابية وتوزيع الصلاحيات المرتبطة بها، مع وضع إطار قانوني للأحزاب السياسية، ولعل أبرز تلك التعديلات ما يلي:
- المادة “87” وإقرار المشاركة كشرط للبقاء المؤسسي: تضمنت تعديلات قانون الانتخابات بندًا يتيح الحق للدولة في حل أي حزب لا يدفع بمرشحين خلال دورتين انتخابيتين متتاليتين وهو ما ورد في نص المادة 87 من الفصل الثاني (حل الحزب السياسي)، وهو ما دفع عدة أحزاب معارضة للعودة إلى المشاركة في ذلك الاقتراع بعدما تبنت سلوك المقاطعة والامتناع عن المشاركة في الانتخابات البرلمانية لعام 2021، وأبرزها حزب “جبهة العدالة والتنمية” الإسلامي، إلى جانب أحزاب المعارضة التقليدية، ومنها “جبهة القوى الاشتراكية” و”التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية”، و”العمال”، وسعت تلك الأحزاب بترشيح ممثلين لها في القوائم الانتخابية ضمانًا لوجودها في صفوف المعارضة وبقائها المؤسسي وبما يمنع حلّها في ضوء النص القانوني الجديد.
- المادة “42” وتحديد فترة تولي رئاسة الأحزاب: وضعت الجزائر رؤية شاملة لإعادة تنظيم الممارسة السياسية وتعزيز الإطار القانوني المؤطر لنشاط الأحزاب السياسية، عكسها مشروع مراجعة القانون العضوي للأحزاب السياسية الذي وافق عليه المجلس الشعبي الوطني في التاسع من مارس 2026، فقد تضمن بعض القواعد المنظمة لآليات الانتخاب في تولي المسئوليات وتحديد العهدات القيادية وضمان التداول على المناصب؛ حيث تم تحديد عدد الفترات التي يمكن أن يشغلها زعيم الحزب بفترتين كما نصّت عليه المادة “42” من قانون الأحزاب الجديد.
وفي ضوء تلك المادة وغيرها من المواد الإجرائية التي أقرها القانون الجديد، فقد استُبعد 14 حزبًا سياسيًا من خوض الانتخابات، وهو ما فسّره “كريم خلفان” رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة، بعدم الامتثال للالتزامات القانونية المتعلقة بتجديد قياداتها ضمن المهل الزمنية المحددة وغياب استيفاء المتطلبات الإدارية.
- تشديد الرقابة على القوائم المُرشحة: لقد فعّلت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات نص المادة (200) من القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات والتي تنص على استبعاد المُرشحين المرتبطين بمصادر تمويل مشبوهة، والاستناد لعدة شروط للترشح ترتبط بشكل وثيق بالنزاهة والسلوك، وعدم ارتباط المُرشح بأوساط المال الفاسد أو أي ممارسات تتعلق بنزاهة الانتخابات؛ الأمر الذي ترتب عليه رفض السلطة المختصة 61 قائمة تحت مسببات الفساد المالي لا سيما تلك المتعلقة بحصص النوع الاجتماعي غياب التمثيل الوازن للنساء والشباب.
وقد أثار رفض ذلك العدد من القوائم الذي يُمثل قرابة ثلث القوائم الانتخابية جدلًا قانونيًا وسياسيًا، وبات عدد القوائم الصحيحة 793 قائمة وحتى على صعيد ذلك العدد فإنه يأتي أقل بنحو 65% عن عدد القوائم السابق مشاركتها في انتخابات 2021 والبالغ حينها نحو 2490 قائمة.
- إقرار الشرعية التاريخية ودعم “الجزائر الجديدة”: ضمن معطيات الواقع الذي فرضته مرحلة ما بعد حراك فبراير 2019 وتنحية الرئيس الجزائري الأسبق “عبد العزيز بوتفليقه”، واستكمالًا لإعادة هيكلة المشهد السياسي، وتعزيزًا لدوّر ومسئولية البرلمان كركيزة رئيسية في النظام المؤسسي، وبما يدعم في الوقت ذاته ترسيخ مبادئ الحكم الرشيد، فقد شهدت البيئة السياسية حالة تقارب بين الأحزاب التقليدية المهيمنة على المشهد السياسي والداعمة للرئيس الجزائري “عبد المجيد تبون”؛ وبصورة خاصة جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي اللذان يسعيان إلى تشكيل كتلة حزبية موالية وداعمة للرئيس “تبون” وتأمين الأغلبية البرلمانية دعمًا لرؤية “الجزائر الجديدة”، وبما يحقق شرعية من خلال الشارع الجزائري، ولعل هذا الأمر عكسته تصريحات “عبد الكريم بن مبارك” الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني التي تركزت على ضرورة المشاركة الواسعة للمواطنين بما يضمن نجاح الاستحقاق التشريعي ويؤكد على تماسك الجزائريين بخيار المؤسسات، وهو الأمر الذي أكده أيضًا “منذر بودن” الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي.
- التفاف الإسلاميين حول الأحزاب اليسارية: أحد أبرز ملامح المشهد الانتخابي الحالي هو مساعي الإسلاميين للانخراط ضمن مظلة الأحزاب اليسارية، كما هو الحال بالنسبة لجبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية –أحد الأحزاب المنتقدة للتيار الإسلامي- تُشير بعض التقديرات إلى تطعيم القوائم الخاصة بهما ببعض المرشحات يرتدين الحجاب الإسلامي إلى جانب بعض السلفيين الملتحين، ويأتي ذلك في ضوء مساعي اكتساب دعم الأصوات المؤيدة للكتل الانتخابية من التوجهات المختلفة.
ثانيًا: تثبيت الوزن التشريعي للموالاة والإسلاميين:
بقراءة النتائج النهائية المُعلنة، يمكن القول إن ثمة مؤشرات تعكس ثباتًا نسبيًا للأوزان التشريعية لأحزاب الموالاة مع تراجع مُطرد للأحزاب الإسلامية، وهو ما يمكن توضحيه في التالي:
- توطيد موقع أحزاب الموالاة: على الرغم من عدم إحراز أي قوة سياسية مؤيدة كانت أو معارضة للأغلبية المطلقة في المجلس الشعبي الوطني، فإن النتائج المُعلنة تكشف عن استمرارية قدرة أحزاب الموالاة في تثبيت وجودها النيابي في مقابل تراجع بعض الأحزب، فإلى جانب تصدّرها قائمة الفائزين بأكبر عدد من المقاعد فإنها في الوقت ذاته عززت من تموضعها البرلماني مقارنة بانتخابات عام 2021؛ حيث تصدّر حزب جبهة التحرير الوطني الاستحقاق التشريعي 2026 بواقع 91 مقعدًا، في حين حصل حزب التجمع الوطني الديمقراطي على 74 مقعدًا في تشريعات 2 يوليو 2026 بزيادة 16 مقعدًا مقارنة بانتخابات 2021، وهو الحال بالنسبة لحزب جبهة المستقبل الذي حصل على 56 مقعدًا في هذا الاستحقاق مقابل 48 مقعدًا في عام 2021.
- افتقاد التأثير والوجود للإسلاميين: أحد أبرز ملامح المشهد الانتخابي الراهن هو استمرار افتقاد الأحزاب الإسلامية لقدرتها على الحشد والتعبئة: فقد شهدت نتائج الانتخابات تراجعًا لفاعلية الأحزاب الإسلامية مجتمعيًا، وافتقاد قدراتها على التأثير، وهو ما عكسه عدد المقاعد التي حصلت عليه تلك الأحزاب؛ حيث خسرت حركة “مجتمع السلم” (حمس) 22 مقعدًا من استحقاق 2021 وحظيت فقط بعدد 43 مقعدًا بعدما كانت تحظى بعدد 65 مقعدًا في عام 2021، وفق لما بيّنته نتائج الانتخابات.
- تراجع الأحزاب المستقلة وضعف تمثيل الأحزاب المعارضة: أحد أبرز ملامح نتائج الانتخابات التشريعية هو تراجع قدرة المستقلين على المنافسة؛ حيث جاءت في المرتبة السادسة في ترتيب المقاعد التي حصلت عليها، بعدد 33 مقعدًا، وهذا العدد يُشكل تراجعًا ملحوظًا في قدرة (الأحرار/ المستقلين) على الوجود والتأثير في ذلك الاستحقاق، بعدما كانت تلك الفئة تحظى بــــ 85 مقعدًا في انتخابات 2021، وعلى مستوى الأحزاب المعارضة، وعلى الرغم من عودة بعض من تلك الأحزاب في الانتخابات الحالية بعدما قاطعت الاستحقاق الماضي، فلم تحظى بمقاعد تُذكر مثلما هو الحال بالنسبة لجبهة القوى الاشتراكية التي جاءت في المرتبة الثامنة بحصوله على 12 مقعدًا بالرغم من كونه أقدم حزب معارض في الجزائر، وحصل حزب الحرية والعدالة على 6 مقاعد، حزب الفجر الجديد 6 مقاعد، وحزب الكرامة 5 مقاعد، وحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية على 4 مقاعد، وحصل حزب العمال على 3 مقاعد وكذلك حزب تجمع أمل الجزائر على 3 مقاعد، حركة النهضة مقعدين.
- صعود بعض الأحزاب حديثة النشأة: عكست نتائج الانتخابات صعودًا ملحوظًا لحزب “صوت الشعب” بقيادة “لمين عصماني”؛ والذي استطاع أن يرفع من رصيد مقاعده في البرلمان إلى 16 مقعدًا بعدما كان تمثيله قاصرًا على 3 مقاعد في الاستحقاق الانتخابي 2021، وعلى الرغم من حداثة نشأة الحزب والتي جاءت في أعقاب حراك فبراير 2019، بيد أنه استطاع تحقيق تفوق على بعض الأحزاب التقليدية المعارضة، وهذا الصعود قد يُشكل بديلًا سياسيًا لعديد من الأحزاب السياسية خاصةً في ضوء تبنيه خطًا للمعارضة البناءة مع دعمه للمؤسسات الحزائرية.
- انخفاض نسبة المشاركة وعزوف المواطنين: على الرغم من أن عدد المواطنين الذين يحق لهم الإدلاء بأصواتهم 23 مليون ناخب، فإن الانتخابات الراهنة عكست حالة عزوف عام، وهو ما بينته نسبة المشاركة فقد بلغ عدد المصوتين نحو 5 ملايين و71 ألف ناخب؛ أي ما نسبته 21.5%، تلك النسبة تقل عن نظيرتها في الانتخابات التشريعية عام 2021 والتي بلغت نحو 23%، وتأتي تلك المشاركة المحدودة بالرغم مما قدمته الجزائر من بعض الحوافز لتشجيع مشاركة الشباب في ذلك الاستحقاق كما هو الحال بالنسبة لحصص الشباب في القوائم الانتخابية وتوفير التمويل للمرشحين المستقلين من الشباب وكذلك إطلاق حملات إعلامية وتعبوية لتحفيز المشاركة كما هو الحال بالنسبة لحملة (هيا يا شباب)، جنبًا إلى جنب حضور واسع من جانب الشباب في القوائم الانتخابية؛ حيث شارك أكثر من 5 آلاف مترشح من دون سن الأربعين؛ أي نحو 54% من إجمالي المترشحين في ذلك الاستحقاق. ويُعزى ذلك إلى أمرين؛ تزامن الاستحقاق مع كأس العالم 2026 وأدى ذلك إلى عدم الاهتمام بذلك المضمار وفشل الأحزاب في إجراء لقاءات مع القواعد الشعبية، والثاني هو افتقاد الرغبة في المشاركة لإدراك الكثيرين بأن المجلس الشعبي الوطني يُعد صوره شكلية لا تحمل تأثيرًا ملموسًا على الواقع.
ختاما، عكست نتائج الانتخابات التشريعية الجزائرية عدم وجود أغلبية مطلقة لحزب سياسي بعينه ولكن هناك توليفة جديدة قد تتشكل داخل المجلس بما يضمن الأغلبية، في ضوء عدم حسم أحد أحزاب الموالاة الأغلبية المطلقة؛ ومن ثّم غياب القدرة على تشكيل الحكومة من جانب حزب بعينه بما قد يتطلب الدخول في ائتلاف يضم ثلاثة أحزاب الموالاة (جبهة التحرير الوطني، التجمع الوطني الديمقراطي، جبهة المستقبل) إلى جانب بعض المستقلين (الأحرار) وهو الأمر الذي قد لا يتغير معه شكل البرلمان، أيضًا إذا ما كان قرار عودة تلك الأحزاب للمشاركة في استحقاق يوليو 2026 يُقلص من مساحة مقاطعة الانتخابات وأعاد الزخم للعملية الانتخابية، لكنه في الوقت ذاته لم يؤثر في طبيعة موازين القوى داخل المجلس الشعبي.
إضافة لذلك، فإن استمرارية تراجع التيار الإسلامي المحسوب على الإخوان يعكس الوعي الشعبي بخطورة ذلك التيار وتغلغل ممثليه في البنية التشريعية للدولة، في ضوء تجربة العشرية السوداء والتجارب الحديثة في دول الجوار المغاربي، وبالتالي ثمة حاضنة شعبية واسعة رافضة لوجود أحزاب ذلك التيار.
كما يمكن القول إن تضاؤل نسبة المشاركة في ذلك الاستحقاق قد تفتح المجال أمام مزيد من المعارضة الموجهة لمؤسسات الدولة الجزائرية، وتراجع مستوى الثقة في البرلمان المقبل وتقوّض استعادته لتمثيله الحقيقي، خاصةً وأن تلك الانتخابات كانت أشبه باختبار لمصداقية البرلمان عن كونها مساحة للمنافسة، ولا يتوقف الأمر عند انتخابات الثاني من يوليو 2026، بل من المحتمل أن تنعكس نتائج تلك المشاركة على الانتخابات البلدية المزمع إجراؤها قبل نهاية العام.