ما بعد الحرب الباردة؟!

يبدو أن انتهاء الحرب الباردة داخل البلاط الملكي البريطاني بين الملكة إليزابيث، من ناحية، وحفيدها هاري وزوجته ميغان، من ناحية أخرى، كان البشارة الأولى التي جعلت الحروب الباردة الأخرى في العالم تتجه نحو الأفول. المعضلة في تعبير «الحرب الباردة» أنه مشحون بكل دلالات التوتر في الحروب، ولكنه يخلو من نتائجها التاريخية؛ ومنذ الحرب العالمية الثانية، وما جرى بعدها من حروب لا تطلق فيها رصاصة، وهذا نموذج لنوعية من العلاقات التي تشهر فيها الكثير من الأسلحة، أو الادعاء بإشهارها، ولكن السوفيات والأميركيين كانوا يعرفون الحدود التي يقف عندها الجميع. وعندما أعلن الأمير وزوجته نيتهما التخلي عن بعض من واجباتهما الملكية، كانا…


يبدو أن انتهاء الحرب الباردة داخل البلاط الملكي البريطاني بين الملكة إليزابيث، من ناحية، وحفيدها هاري وزوجته ميغان، من ناحية أخرى، كان البشارة الأولى التي جعلت الحروب الباردة الأخرى في العالم تتجه نحو الأفول. المعضلة في تعبير «الحرب الباردة» أنه مشحون بكل دلالات التوتر في الحروب، ولكنه يخلو من نتائجها التاريخية؛ ومنذ الحرب العالمية الثانية، وما جرى بعدها من حروب لا تطلق فيها رصاصة، وهذا نموذج لنوعية من العلاقات التي تشهر فيها الكثير من الأسلحة، أو الادعاء بإشهارها، ولكن السوفيات والأميركيين كانوا يعرفون الحدود التي يقف عندها الجميع. وعندما أعلن الأمير وزوجته نيتهما التخلي عن بعض من واجباتهما الملكية، كانا يعلنان حرباً على التقاليد البالية للتاج، التي من وجهة نظر الزوجين عن رفضهما التعرض لما تعرضت له الأميرة ديانا من قبل، وأكثر من ذلك حملا طفلهما الرضيع «آرشي» إلى كندا. كان في ذلك نوع من التصعيد المحسوب الذي لم تتجاوب معها الملكة بتصعيد مقبول، وإنما باجتماع مع حفيدها لم يعلم أحد بما جرى فيه، ولكن الجميع بعد ذلك خرجوا بصيغة يمكن للجميع التعايش معها. لم يكن البريطاني على استعداد لاستعادة أزمة الملك الذي تزوج المطلقة الأميركية في الثلاثينات، ولا كان أحد يريد تذكر أزمة الأميرة مارغريت وزوجها المصور في الستينات من القرن الماضي، ولا كان ممكناً أن تظل أزمة «أميرة القلوب» مستحكمة حتى اليوم. حل الأزمة، وما بدا كما لو كان حرباً باردة تهدد الوضع القائم للملكية البريطانية، بينما الملكة لم تعد قادرة على حمل التاج البريطاني على رأسها، كان لا بد أن يصل بسرعة إلى نهايته السعيدة. لم يعد بين الأطراف الدولية من يطيق عقوداً من الحرب الباردة، كتلك التي جرت بين موسكو وواشنطن على مدى أربعة عقود تخللتها أزمات كثيرة. هذه المرة عندما قامت الحرب الباردة التجارية بين واشنطن وبكين، فإنها لم تكمل أربع سنوات؛ ولا عجب إذا كانت تلك التي بين الملكة وحفيدها استغرقت أربعة أسابيع.

شيء مثل هذا جرى في الشرق الأوسط، فقد انتهت عاصفة الأزمة الأميركية الإيرانية بعد أن توافقت واشنطن مع طهران على ألا يكون هناك مجال آخر لضربات متبادلة. وبشكل متزامن، تقريباً، توقفت المواجهة العسكرية بين قوات الجيش الوطني الليبي وميليشيات حكومة «الوفاق الوطني» في طرابلس. حالة الأزمتين من الاحتقان تراجعت، وبات على كل أطرافها أن يعيد حساباته مرة أخرى، والتنفس بعيداً عن ضغوط المعركة المرتقبة أو المفاوضات المتوقعة. وواشنطن كانت تستعد للاحتفال بتوقيع المرحلة الأولى من الاتفاق التجاري مع الصين، فقد انتهت الحرب الباردة مبكراً. أكثر من ذلك، ففي يوم توقيع الاتفاق، جرى الإعلان عن توصل أطراف المفاوضات الخاصة بسد النهضة الإثيوبي إلى اتفاق في واشنطن حول الأمور الجوهرية، وبقيت صياغة الاتفاق الذي سيعلن عنه في 28 يناير (كانون الثاني) الحالي. ومع نهاية الأسبوع الثاني من العام الجديد 2020 تنفس العالم الصعداء، وابتعدت الأزمات الحادة في العلاقات الدولية عن حافة الهاوية، فلا كانت حرب باردة ولا ساخنة، وأصبحت الدنيا أفضل مما كانت عليه قبل بداية العام، وعاد البلاط الملكي الإنجليزي إلى أيامه الطيبة الأولى، التي يتلاءم فيها الجميع مع ما يتطلب العصر الذي يعيشون فيه.

ومن بين هذه الأحداث، كان أكثرها تعقيداً الاتفاق الصيني الأميركي، الذي ظفر كثيراً بتعبير الحرب الباردة؛ وأحياناً باسم «الحرب التجارية» التي أخذت شكلاً كان فيه الكثير من رعب السنوات التي سبقت الحرب العالمية الثانية، حينما تسابقت دول العالم على استخدام الضرائب والرسوم الجمركية، وقيل إنها كانت سبباً من أسباب نشوب الحرب. وبعدها فإن النظام الدولي الذي قام كان حريصاً، ليس فقط على إنشاء الأمم المتحدة، وإنما ألحق بها مؤسسات تحافظ على الصحة الاقتصادية للدول، فلا تكون عدوانية على بعضها البعض. وعندما تم إنشاء «منظمة التجارة العالمية» حرصت الولايات المتحدة على أن تلحق بها كل دول العالم، خصوصاً الصين وروسيا، على أساس أن اللحاق يعني الوجود في السوق العالمية، التي تقيم اعتماداً متبادلاً يبعد الدول عن شر الحرب ولعنة القتال. المدهش أن حدوث ذلك لم يمنع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من صبِّ اللعنات على الاعتماد المتبادل ومنظمة التجارة العالمية، التي لم ير فيهما أن المشكلة تكمن في القدرات التنافسية الأميركية مع الصين، وإنما لأن الصين تحصل على مميزات خاصة بالدول النامية، وتتلاعب بأسعار عملتها، لكي تستولي على الأسواق العالمية، وتجذب الشركات الدولية إلى أحضانها. وهكذا أصبحت الحرب التجارية قائمة، ومعها حرب سياسية باردة من الاتهامات والاتهامات المضادة، وترجم التوتر إلى سلسلة من فرض الضرائب والرسوم الجمركية بشكل متبادل وسريع بين واشنطن وبكين. وعندما يحدث ذلك بين أكبر سوقين عالميتين، وفي التجارة المتبادلة بينهما، فإن لذلك آثاراً سلبية على التجارة العالمية، ومعدل النمو في الاقتصاد العالمي. وعندما خلع العملاقان الاقتصاديان معاطفهما، أصيبت كل دول العالم، بدرجة أو بأخرى، بالزكام!

لا أحد يعرف ما الذي حدث في الحرب التجارية، ولا الاستعدادات التي جرى التنبؤ بها بالتحول إلى حرب باردة، اللهم إلا أن الاعتماد المتبادل بين الاقتصادين كان إلى الدرجة التي ولدت في الوقت المناسب، ما يكفي من المضادات الحيوية التي أولاً قسمت قضايا الخلاف الاقتصادية إلى مراحل يكون فيها التعامل مع ما هو واضح وصريح؛ ومن ثم يكون ممكناً ثانياً تعويض المتضرر؛ وثالثاً إرجاء كل ما هو صعب ومعقد، وغير ناضج، إلى مرحلة تالية. وهكذا فإن اتفاق المرحلة الأولى الذي جرى التوقيع عليه في 15 يناير الحالي، تضمن أن تقوم الصين بشراء ما قيمته 200 مليار دولار من السلع الأميركية، من بينها 50 ملياراً من المنتجات الزراعية. ترمب كان يريد ضرب عصفورين بحجر واحد: أن يقلص العجز الأميركي التجاري مع الصين؛ وأن يغازل المزارعين الأميركيين برشوة كبيرة، قبل شهور قليلة من الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة. لم يكن ترمب ليترك أمراً للصدفة، حتى ولو كانت كل المؤشرات، والعلامات في السماء، تقول إنه سوف يفوز بفترة رئاسية ثانية، وحتى لو كان الجمهوريون هم الأغلبية في مجلس الشيوخ، وسوف يقررون مصير محاكمته لصالحه. 

صحيح أن ما تبقى لا يزال كثيراً، وموضوعات مثل الملكية الفكرية والتكنولوجيا، ودور الشركات العامة في الصين، وما تقدمه له الدولة من دعم، هي كلها من الموضوعات الشائكة التي يحسن التعامل معها على مهل، ومن رئيس ليس مقدراً له الدخول في انتخابات مرة أخرى. ما يعلمه أن الاتفاق كانت له نتائجه الإيجابية الفورية على الاقتصاد العالمي كله بالارتفاع الذي جرى في البورصات العالمية، بما فيها البورصة الأميركية. كل ذلك مضافاً له حالة الاقتصاد الأميركي، وإدارته للأزمات في الشرق الأوسط، لن يعطي لمنافس فرصة في الانتخابات المقبلة.

*نقلا عن صحيفة “الشرق الأوسط”، نشر بتاريخ ٢٢ يناير ٢٠٢٠.

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

الخطاب الصينى

img

رأي

مصر والأزمات الدولية

img

رأي

فتح التاريخ الأميركي

img

رأي

فى آداب معركة الوعى

img

رأي

الثورة الذهنية

img

رأي

١١ سبتمبر والكورونا

img

رأي

حدود القوة…!

img

رأي

مصالحات إقليمية

img

رأي

لماذا تدق الأجراس؟

img

رأي

«سيجون ٢»

img

رأي

مصر تصالح نفسها

img

رأي

رحلة بايدن!

img

رأي

الدولة الفلسطينية

img

رأي

رسائل مصيرية

img

رأي

التخطيط للمستقبل

img

رأي

حصاد سنوات عشر!

img

رأي

هجوم بايدن الدبلوماسي

img

رأي

سيناريوهات فلسطينية

img

رأي

الصفقة..!

img

رأي

عام جديد ٢٠٢١

img

رأي

ثلاث قصص لم تنته بعد!

img

رأي

أزمة البطاطس!

img

رأي

الاستشراق الجديد

img

رأي

أيام ترامب الأخيرة!

img

رأي

ثلاث انفراجات كبرى!

img

رأي

«طيبة» مرة أخرى

img

رأي

معضلات إدارة بايدن

img

رأي

الضرورات والاختيارات

img

رأي

البعث

img

رأي

هل هناك اختيار آخر؟

img

رأي

عجائب أمريكية

img

رأي

الفتنة الأمريكية

img

رأي

اكتشاف مصر والمصريين

img

رأي

أكتوبريات؟!

img

رأي

تشغيل التغيير

img

رأي

قطر في مذكرات خائن

img

رأي

المحروسة

img

رأي

السيناريو الكابوس

img

رأي

«خوارزمية» المجتمعات

img

رأي

الإضافة اللبنانية

img

رأي

تجديد الفكر المدني

img

رأي

حكام العالم الأربعة

img

رأي

الكابوس الأمريكي

img

رأي

نصف العام الآخر؟!

img

رأي

قصة مصرية

img

رأي

نهاية أوسلو!

img

رأي

بروج مشيدة

img

رأي

الخروج من الإعصار؟!

img

رأي

نتنياهو مرة ثالثة!

img

رأي

الحيرة الأميركية

img

رأي

على حافة الهاوية!

img

رأي

المأزق التركي

img

رأي

أين أنت يا كوبر؟

img

رأي

كعب أخيل

img

رأي

الدائرة الكربونية!

img

رأي

فى انتظار «أرامكو»!

img

رأي

ثورة «الأرز»!

img

رأي

ثورة الـ”واتسآب”

img

رأي

نافخ الصفارة!

img

رأي

ما الذى جرى فى مصر؟

img

رأي

الحرب التي لم تنتهِ بعد

img

رأي

كشف حساب

img

رأي

علامات الساعة السياسية

img

رأي

هونج كونج

img

رأي

الحروب الباردة…!

img

رأي

ماذا نفعل مع إيران؟

img

رأي

الصفقة الرابعة

img

رأي

لقاء القدس!

img

رأي

حرب أم لا حرب؟!

img

رأي

تأريخ التاريخ!

img

رأي

المسألة السودانية

img

رأي

إعادة بناء الأمة

img

رأي

في انتظار رمضان!

img

رأي

معركة المحتوى

img

رأي

المأزق البريطاني

img

رأي

أوراق فلسطينية

img

رأي

العرب وأفريقيا 2019

img

رأي

حكمة الشعوب

img

رأي

الهزيمة الأمريكية

img

رأي

في ذكرى 25 يناير

img

رأي

إلى أين تذهب مصر؟!

img

رأي

الشرق الأوسط 2019

img

رأي

رجل العام 2019: ترمب!

img

رأي

استقالة جيمس ماتيس

img

رأي

الحرب المنسية

img

رأي

البترول والسياسة