منذ بدء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وما شهده من جولات حرب متعاقبة، وصولًا إلى الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، وما تلاها من تصعيد إقليمي امتد إلى المواجهة بين إسرائيل وإيران، تواصل مصر أداء دورها المحوري في جهود التهدئة ووقف إطلاق النار، ضمن مساعٍ دبلوماسية مستمرة تهدف إلى احتواء التصعيد ومنع اتساع رقعة الصراع في المنطقة، ولا تزال مصر تتصدر الجهود الإقليمية والدولية الدافعة نحو تنفيذ وقف فوري ودائم لإطلاق النار، وصد كافة المحاولات الإسرائيلية الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية.
وفي هذا الإطار، تمثل الجهود المصرية الراهنة امتدادًا لدورها التاريخي إزاء قضية العرب الأولى، وهو دور لم يتأثر بتغيّرات المشهد السياسي داخل الدولة المصرية؛ حيث ظلت القضية على رأس أولويات اهتمام القيادة المصرية. ولا يستند هذا الدور فقط إلى ما تمليه اعتبارات الجغرافيا والتاريخ التي تحتم على مصر تبني دور فاعل في هذا الملف، بل إن الدور المصري ينطلق من إيمان وقناعة ثابتة بعدالة القضية، وبحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم التي انتزعتها إسرائيل منهم منذ 78 عامًا، مع بداية النكبة الفلسطينية، حينما احتلت اسرائيل أراضي فلسطين التاريخية، وهجرت سكانها قسريًا من أراضيهم ومنازلهم، مرتكبة أبشع المجازر في حق أصحاب الأرض.
أولًا: نكبة 1948 وتدخل الجيوش العربية
عملت مصر طوال عقود على حشد الجهود السياسية الدبلوماسية والعسكرية أيضًا للدفاع عن حقوق الفلسطينيين في أراضيهم.
على الصعيد الدبلوماسي، فقد تنوع الجهد المصري ما بين المشــاركة والدعــوة لعقــد المؤتمــرات المناصــرة للقضيــة وطــرح الحلــول العادلــة لهــا، وهو ما تجلى من خلال مشاركة مصر في عديد من الفعاليات المرتبطة بالقضية ومن بينها؛ المؤتمر الإسلامي الأول بالقدس عام 1931، ومؤتمر بلودان في عام 1937، والمؤتمر البرلماني للبلاد العربية والإسلامية بالقاهرة في 1938، كما دعت مصر لإقامة المؤتمر الشرقي في القاهرة في العام نفسه، وشاركت في مؤتمر لندن عام 1939، وفي العام نفسه، رفضت مصر الكتاب الأبيض الذي كان يؤكد علـى مبـدأ إقامـة الوطـن القومـي اليهـودي، علاوة على ذلك قامت مصر بتنظيم المؤتمر النسائي العربي بالقاهرة في عام 1944.
واتصالًا بذلك، حرصت مصر، في إطار مساعي إنشاء جامعة الدول العربية، على بلورة موقف عربي جماعي تجاه القضية الفلسطينية، وهو ما تجلى في مخرجات اجتماع الإسكندرية (25 سبتمبر – 7 أكتوبر 1944)، الذي أكد أن فلسطين تُعد جزءًا أساسيًا من العالم العربي. كما كرّس ميثاق جامعة الدول العربية، الموقع في 22 مارس 1945، هذا التوجه؛ حيث دعت الدول العربية إلى تمثيل فلسطين داخل أعمال الجامعة العربية عبر مندوب أو ممثل عنها، بما يعكس مركزية القضية الفلسطينية في العمل العربي المشترك.
بالإضافة إلى ما تقدم، استضافت مصر أول مؤتمر عربي في أنشاص في مايو 1946، كرد فعل على توصيات اللجنة “الأنجلو-أمريكية” التي أوصت بدخول مائة ألف من اليهود الفارين من الاضطهاد النازي إلى فلسطين؛ حيث اعتُبرت نتائج تحقيق اللجنة مجحفــة لعـرب فلسـطين وغير مراعية لحقوقهم في أرضهم ووطنهم ومنحـازة في المقابل للمطالـب الصهيونيـة.
وقد جاءت هذه التطورات في سياق ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ حيث برزت مبادرات دولية متعددة لإعادة ترتيب أوضاع فلسطين؛ حيث نجحت بريطانيــا فــي تهيئــة الأوضاع لليهـود فـي فلسـطين لإقامة دولتهـم، من خلال تمكينهم مـن حيـازة مسـاحات كبيـرة مـن الأراضي، وتكديـس كميـات كبيـرة مـن الأسلحة، وبذلـت محاولات عديـدة لفـرض تقسـيم فلسـطين بيـن العـرب واليهـود، بالتوازي مع ذلك، اندفعـت الولايات المتحدة للمشـاركة فـي تحقيـق أهدافها مــن خلال لجنــة التحقيــق “الأنجلو – أمريكيــة”، والتــي قدمــت مشــروع “موريســون Morrison” فــي عـام 1946، الـذي قـام علـى فكـرة تقسـيم فلسـطين إلـى أربـع مناطـق: منطقـة يهوديـة، ومنطقـة عربيـة، تتمتعـان بسـلطة حكـم ذاتـي تحـت إشـراف المنـدوب السـامي البريطانـي وحكومـة مركزيـة، ومنطقتـي القـدس والنقـب، وتخضعـان للحكومة المركزيـة. ولذلك حرصت مصر خلال المؤتمر على تأكيد أن القضية الفلسطينية هي قضية العرب جميعًا، ومن ثم يتعين عليهم الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني.
وقـد حاولـت بريطانيـا إقنـاع العـرب فـي مؤتمـر لنـدن 1946 بقبـول هـذا المشـروع، إلا أن مصـر وباقـي العـرب المشـاركين فـي المؤتمـر رفضـوا الفكـرة، كمـا نبـه “عبـد الـرازق السـنهوري” ممثـل مصـر فـي المؤتمـر إلـى أن هـدف المشـروع بصورتـه تلـك لا يهـدف إلـى إقامـة دولـة اتحاديـة، وإنمـا سـيؤدي حتمـًا إلـى تقسـيم فلسـطين فعليـًا، لتبــدأ مصــر بعــد هــذا المؤتمــر نشــاطًا دبلوماســيًا منظمـًا لمناهضـة مشـروعات تقسـيم فلسـطين.
وفي أعقاب صدور قرار تقسيم فلسطين في 29 نوفمبر 1947 عن الأمم المتحدة، حـددت مصـر موقفهـا من خلال التأكيد على ضـرورة تقديـم الدعـم المـادي والمعنـوي لأهل فلسـطين لتمكينهـم مـن الدفـاع عـن أنفسـهم فـي مواجهـة العصابـات الصهيونيـة، في ظل نية بريطانيا إنهاء انتدابها على فلسـطين وسـحب إدارتها وقواتها، وأيضًا مــن خلال الاستعداد العسكري على حدود فلسطين، تحسبًا لما ستسفر عـنه الأحداث هُـناك.
أما على الصعيد العسكري، فنتيجةً لما ارتكبه الصهاينة من مجـازر بشــعة بحـق عديـد مـن القـرى الفلسـطينية بغـرض بـث الرعـب فـي نفـوس كل الفلسـطينيين لدفعهـم إلـى الهجـرة وتـرك قراهـم، واستيلائهم علــى مدينــة حيفــا، والممتلـكات المصريـة هنـاك، وارتكاب المجازر بحق رعايا مصرييـن كانوا مقيميـن فيها- مذبحة “مصفاة حيفا” التي وقعت في 30 ديسمبر 1947؛ حيث استهدفت عناصر صهيونية عمالًا عربًا، بينهم مصريون، كانوا يعملون في المصفاة، وقد أعقب ذلك اشتعال المظاهـرات بالمـدن المصريـة للمطالبـة بالتدخـل لنجـدة فلسـطين.
وبناءً عليه، أعلنـت الحكومة المصريـة الموافقـة علـى دعم التحرك العربي المشترك، ولكـن مـن خلال إرسـال المتطوعيـن إلـى فلسـطين تحـت مظلـة الجامعـة العربيـة مع قيام ضبـاط الجيـش المصـري بالإشراف علـى تدريبهـم وتأهليهـم عسـكريًا. كمــا ســلمت مصــر معســكر الهايكســتب للجامعــة العربيــة لتدريــب المتطوعيــن فيـه، وقد ترتب على ذلك تشــكيل قــوة مــن المتطوعيــن سـُـميت بــ”جيش الإنقاذ العربي”.
وفـي ظـل تدهـور الأوضاع فـي فلسـطين، وتعـدد الجرائـم والمجـازر التـي ارتكبتهـا العصابات الصهيونيـة، والتـي بـدا معهـا واضحًا عـدم قـدرة قـوات المقاومـة العربيـة علـى مواجهـة تلـك العصابـات مـع مـا تعانيـه مـن نقـص فـي الرجـال والـسلاح، سـافر اللـواء “إسـماعيل صفـوت رئيس اللجنـة العسـكرية التابعـة لجامعـة الـدول العربيـة إلـى القاهـرة؛ ليعـرض علـى اللجنة السياسـية بالجامعـة عـدم قــدرة المتطوعيـن العــرب علـى مواجهـة العصابـات الصهيونيـة، موضحًـا أن حـسم الموقف يتطـلب تدخل الجـيوش العربـية.
وعلـى الرغــم مـن وضـوح الهــدف السياســي المعلـن للحـرب، والـذي أجمعـت عليـه الـدول العربيـة، المتمثل في الحفـاظ علـى عروبـة فلسـطين، كان الهـدف السياسـي العسـكري غامضًـا، وكان التوجيـه الصـادر لرؤسـاء أركان الجيـوش العربيـة هو: “اتخـاذ التدابير الحاسـمة لإحباط مشـروع التقسـيم وخـوض المعركـة إلـى نهايتهـا المظفرة”. وقـد انعكس هـذا الغموض علـى الهدف الاستراتيجي الـذي كان مـن المفتـرض أن يحـدده القـادة لقواتهـم؛ حيـث انتهـى الأمر إلـى وضـع تصـور عـام وليــس خطــة حقيقيــة، وكان هــذا التصــور متمثــلًا فــي ســرعة الحصــول علــى نتائــج عســكرية لصالـح القضيـة الفلسـطينية قبـل تدخـل الأمم المتحـدة، دون أن يحـدد كيفيـة تحقيـق ذلـك سـواء بتدميـر قـوات العـدو، أم حصارهـا ودفعهـا للاستسلام، أم الاستيلاء علـى مناطـق محـددة لتحقيـق نصـر جزئـي لصالـح القضيـة السياسـية.
ثانيًا: الدور المصري في حرب 1948
وعلى الرغم من عدم الوضوح الذي شاب خطة الحرب، لعبت مصـر دورًا محوريًا خلال مجريـات الحرب فـي فلسـطين علـى مـدار ثمانيـة أشــهر، مـرت خلالها بعـدة مراحـل، وشـهدت عـدة هـدن فرضهـا مجلـس الأمن. وكان تدخلها العسـكري من خلال قوات الجـيش والمتطوعـين؛ حيث دخلـت القـوات المصريـة حـدود فلسـطين فـي 15 مايـو 1948. وتحركت القوات المصرية في القطاع الجنوبي؛ حيث سيطرت على مناطق في غزة ورفح، وامتد تقدمها نحو مواقع في النقب، بما في ذلك بئر السبع ومحيطها، كما نفذت عمليات عسكرية على محاور مختلفة في الجنوب الفلسطيني. وقد شهدت العمليات المصرية مراحل من التقدم والتراجع تبعًا لتطورات الميدان وفرض الهدن المؤقتة خلال الحرب.
وفي 11 يونيو 1948، ومع بدء تطبيق الهدنة الأولى التي فرضها مجلس الأمن، شهدت الجبهة الجنوبية محاولات من القوات الإسرائيلية لتهديد خطوط الإمداد المصرية بين المجدل وأسدود، إضافة إلى هجمات متفرقة على القرى العربية القريبة من محور عراق سويدان، قبل أن تتمكن القوات المصرية من التصدي لها وتثبيت مواقعها.
ومع انتهاء الهدنة الأولى في 9 يوليو 1948، استؤنفت العمليات العسكرية على طول الجبهة؛ حيث واصلت القوات المصرية تثبيت مواقعها في الجنوب الفلسطيني، مع استمرار الحصار المفروض على مناطق استراتيجية أبرزها الفالوجا. وفي المقابل، تواصلت محاولات الهجوم على بعض المواقع، إلا أن القوات المصرية تمكنت من الصمود وإحباط عدد من تلك الهجمات.
ومع توقّف القتال للمرة الثانية، ورغم التفاوت الواضح في حجم القوات والإمكانات العسكرية بين القوات المصرية والقوات الإسرائيلية، اتسمت تلك المرحلة بحالة من الكرّ والفرّ بين الجانبين، مع حفاظ القوات المصرية على تماسك خطوطها الدفاعية وثبات مواقعها. وفي المقابل، استمرت القوات الإسرائيلية في تنفيذ هجمات متفرقة في بعض المناطق، من بينها هجومها على الفالوجا في 27 يوليو، غير أن صمود القوات المصرية والأهالي المتطوعين داخل البلدة حال دون تحقيق أهداف الهجوم؛ مما دفع القوات الإسرائيلية إلى الانسحاب. كما شهدت منطقة عراق المنشية قصفًا من عدة اتجاهات، قبل أن تنسحب القوات المهاجمة تحت وطأة المقاومة وتكبّدها خسائر ميدانية.
وفي الأول من أغسطس، حاولـت القـوات الإسرائيلية المـرور شـرق الفالوجـا إلـى الجنـوب لتمويـن مســتعمراتها المعزولــة فــي النقــب، ولكنهــا تراجعــت بعــد أن دخلــت حقــل ألغــام دمــرت بعــض مركباتهــا. وفــي 18 أغســطس، أي بعــد شــهر مــن بــدء الهدنــة الثانيــة، قامــت القــوات الإسرائيلية بالهجـوم علـى جبـل المكبـر فـي القـدس، ولـم تتمكـن مـن احتلاله حيـث تصـدت لهـا القـوات المصريـة والمتطوعون.
سرعان ما استؤنف القتال على الجبهة المصرية خلال حرب 1948 مع إطلاق القوات الإسرائيلية في منتصف أكتوبر عملية “يوآف”، التي استهدفت كسر السيطرة المصرية في جنوب فلسطين وإعادة فتح الطريق إلى النقب. وقد ركزت العملية على ضرب خطوط الإمداد والاتصال المصرية، بما في ذلك الطرق الحيوية في محيط غزة -رفح-المجدل، إلى جانب استهداف مواقع مصرية في منطقة دير سنيد وعراق سويدان؛ مما أدى إلى زيادة الضغط على القوات المصرية ودفعها إلى تعزيز مواقعها الدفاعية والتمسك بخطوط التماس في الجنوب. كما ترافقت العمليات مع محاولات إسرائيلية لفصل الجيب المصري في الفالوجة وعراق المنشية عن بقية القوات المصرية في الشمال، غير أن هذه القوات بقيت صامدة داخل مواقعها المحاصرة رغم اشتداد القتال.
في 4 نوفمبر 1948، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 61، الذي دعا إلى وقف إطلاق النار في فلسطين وتعزيز جهود الأمم المتحدة لاحتواء التصعيد العسكري بين القوات العربية والإسرائيلية، في إطار المساعي الدولية الرامية إلى تثبيت التهدئة على الجبهات المختلفة. وفي هذه المرحلة، ومع استمرار التحديات الميدانية التي واجهتها القوات المصرية في جنوب فلسطين، خاصة ما يتعلق بنقص الإمدادات والذخائر وتعقّد الوضع العسكري، جرى خلال نوفمبر 1948 إعادة تنظيم القيادة العسكرية المصرية في فلسطين؛ حيث تولى اللواء أحمد فؤاد صادق قيادة القوات المصرية في إطار محاولة تعزيز إدارة العمليات ورفع كفاءة الأداء الميداني.
وفي ظل استمرار العمليات العسكرية وتزايد الضغوط على الجبهة الجنوبية، طُرحت داخل الأوساط السياسية والعسكرية المصرية نقاشات حول إعادة تقييم الوضع العسكري والوجود المصري في فلسطين، دون اتخاذ قرار فوري بالانسحاب الكامل. ومع تصاعد العمليات، بدأت القوات الإسرائيلية في 22 ديسمبر 1948 تنفيذ عملية “حوريب”، التي استهدفت السيطرة على كامل منطقة النقب وإنهاء الوجود العسكري المصري فيها. وشملت العملية هجمات واسعة النطاق على محاور جنوبية متعددة، إلى جانب محاولات للتقدم في اتجاه الشمال الغربي باتجاه محيط العريش بهدف الضغط على القوات المصرية وعزلها، غير أن هذه التحركات واجهت مقاومة من وحدات مصرية متمركزة في مواقعها الدفاعية؛ مما حدّ من قدرة القوات المهاجمة على تحقيق اختراق حاسم في عدد من الاتجاهات.
وفي المراحل اللاحقة من العملية، ركزت القوات الإسرائيلية جهودها على تكثيف الضغط باتجاه رفح ومحور غزة بهدف تقليص نطاق انتشار القوات المصرية، وذلك في سياق عمليات عسكرية متزامنة مع تصاعد الجهود الدولية الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار، والتي مهدت لاحقًا لاتفاقات الهدنة النهائية في عام 1949.
انتهت عملية “حوريب” في يناير 1949 بعد أن توغلت القوات الإسرائيلية في شبه جزيرة سيناء وصولًا إلى منطقة العوجة (نِتسانا)، في محاولة للضغط على القوات المصرية ودفعها إلى الانسحاب من جنوب فلسطين وقطاع غزة. وقد أثار هذا التوغل ردود فعل دولية؛ إذ حذّرت بريطانيا إسرائيل من استمرار تقدمها في سيناء، ملوّحة بإمكانية التدخل استنادًا إلى التزاماتها بموجب معاهدة 1936 مع مصر، وهو ما ساهم في دفع القوات الإسرائيلية إلى الانسحاب من الأراضي المصرية والعودة إلى ما وراء الحدود.
أصبـح علـى مصـر مواجهـة مفاوضـات الهدنـة مــع إســرائيل مــع توقــف القتال التي تمت برعاية الأمم المتحدة عبر الوسيط الدولي “رالف بانش”، الذي تولّى مهمة تسهيل التوصل إلى اتفاقات وقف إطلاق النار بين الأطراف المعنية، وقد قام بصياغة نقــاط اتفاق فــي صالــح إســرائيل، ومتوافقة مع الرؤيــة الأمريكية. كما استطاع “بانـش” تجريـد المناطـق الشـرقية مـن سـيناء وقطـاع غـزة مـن أي قـوة عسـكرية هجوميـة كبيـرة لمصـر؛ إذ فـرض الاتفاق تخفيـض القـوات المصريـة فـي غـزة ورفـح وبيـت لحـم بمـا يكفـل الدفـاع فقـط وتخفيـض التسـليح ليكـون ذا طابـع دفاعـي، كمـا اعتبـرت منطقـة العوجـة منطقـة منزوعـة الـسلاح، وتضمـن الاتفاق أن يُعهـد بإدارتهـا إلـى الأمم المتحـدة لتكون وديعـة لديهـا إلـى أن تُسـوى الأوضاع العسـكرية، كمـا مكـن الاتفاق إسـرائيل مـن امتلاك قـوة عســكرية علــى الناحيــة الأخرى مـن حــدود الهدنــة تكافــئ مــا لـدى مصــر والأردن مجتمعيــن، وبذلـك تكـون إسـرائيل قـد امتلكـت قـوة تمثـل ضعـف القـوات المصريـة.
تـم توقيـع اتفـاق الهدنـة الدائمـة، أو ما يُعرف بـ “اتفاق رودس”، فـي 24 فبرايـر 1949، ولكـن نجح الوفـد المصـري بمهـارة فـي تـرك القضيـة الفلسـطينية مفتوحـة ولا يُقضـى فيهـا بـرأي خلال المفاوضـات، كمـا نجـح فـي عـدم الانخراط فـي أي شـأن سياسـي وركـز فقـط علـى النواحـي العسـكرية؛ حيث نـص الاتفاق على عدم تفسير خـط الهدنـة علـى أنـه حـدود سياسـية أو إقليميـة، وقـد رسـم خـط الهدنـة فـي معظمـه علـى طـول الحـدود الدوليـة لعـام 1922 بيـن مصـر وفلسـطين الانتدابية، باسـتثناء البحـر الأبيض المتوسـط؛ حيـث ظلـت مصـر تسـيطر علـى قطـاع مـن الأراضي علـى طـول السـاحل، الـذي أصبـح يعـرف باسـم “قطـاع غـزة”، كمـا سـمح الاتفاق للقـوات المصريـة المحاصـرة فـي جيـب الفالوجـة بالعـودة إلـى مصــر بأســلحتها، وتــم تســليم هــذه المنطقــة إلــى الســيطرة العســكرية الإسرائيلية.
ثالثًا: ما بعد النكبة
أسفرت حرب 1948 عن تثبيت أقدام الكيان الصهيوني داخل فلسطين، وهو ما فرض على الدولة المصرية الاستمرار في تبني نهج متعدد الأبعاد، لضمان عدم خفوت الزخم، سواء الإقليمي أو الدولي، حول القضية.
- مصر وحكومة “عمــــوم فلسطــــــين“: مــع انتهــاء الانتداب البريطانــي، وإعلان دولــة إســرائيل، ودخــول الجيــوش العربيــة إلــى فلســطين، أصبحــت فلســطين ســاحة صــراع، بيــن طامعيــن فــي أراضيهــا، أو متصارعيــن علــى الاختصاصات والصلاحيات، ولــم يكــن للهيئــة العربيــة العليــا لفلســطين –التــي كان مــن المفتـرض أنهـا تمثل الكيـان الفلسـطيني منذ عـام 1946– وجود فعلي أو دور تمارسـه في الشـأن الفلسـطيني، فحاولـت جامعـة الـدول العربيـة اسـتدراك ذلـك فأعلنت عـن إدارة مدنية لفلسـطين فـي 22 سبتمبر 1948 برئاسة اسمية للحاج “أمين الحسيني”، وتولى “أحمد حلمي عبد الباقي” رئاسة الوزراء، وذلك بهدف تمثيل الفلسطينيين سياسيًا في تلك المرحلة، ولكـن مـع تجـدد القتـال بعـد انتهـاء الهدنـة ثبت عجـز تلـك الإدارة.
وتزايـدت حالـة الخلافات التـي سـادت البلاد العربيـة فـي 16 سـبتمبر 1948، حينمـا أُعلن تقرير الوسيط الدولي للأمم المتحدة “برنادوت”، والذي أورد فيه أن العرب لم يُبدوا أي رغبة في إنشاء حكومة في القسم العربي من فلسطين، عندئذ نشـطت الهيئـة العربيـة العليـا، وهـبّ الحـاج “أميـن الحسـيني” وغيـره لمناهضـة مثـل هـذه الفكـرة، كما بـادر “جمـال الحسـيني”، السياسـي الفلسـطيني، بالقيـام بجولـة فـي البلاد العربيـة للحصـول علـى موافقـة حكوماتهـا على إنشـاء حكومــة فلســطينية.
وبناءً عليه، اجتمعــت اللجنــة السياســية لجامعــة الــدول العربيــة، وأقــرت إنشــاء تلــك الحكومة، وفــي يــوم 23 ســبتمبر 1948، أعلنــت الهيئــة العربيــة العليــا إنشــاء “حكومــة عمـوم فلسـطين”، ومركزهـا فـي مدينـة غـزة مؤقتًا، برئاسـة “أحمـد حلمـي عبـد الباقـي”. وتقــرر عقــد مؤتمــر وطنــي فلســطيني فــي غــزة يــوم 30 ســبتمبر لإضفاء الشــرعية علــى الحكومــة وذلــك بتشـجيع كامـل مـن الحكومـة المصريـة، والتـي انحـازت إلـى وجهـة النظـر القائلـة بـأن تشـكيل حكومـة فلسـطينية سـوف يضـع العالـم أمـام أمـر واقـع يتفـق مـع قـرار الجامعـة العربيـة بعـدم الاعتراف بالدولــة اليهوديــة. وقـد أعلنـت مصـر اعترافهـا بالحكومـة فـي 12 أكتوبـر 1948، ووعـدت بتقديـم مبلـغ خمسـة ملاييـن جنيه لتلـك الحكومـة لتأسـيس الدواويـن، وتشـكيل الجيـش الفلسـطيني الـذي تدربـه مصـر لاستئناف الجهـاد لإنقاذ فلسـطين.
- مصــر وإدارة قطــــــاع غـــــــــــزة: أصبـح القطاع خاضعًا للإدارة المصريـة فــي 26 مايــو 1948، وكان بطبيعــة الحــال إدارة عســكرية فــي ظــل المعــارك الدائــرة وقتهــا، وقــد بقي القطــاع بأيــدي القــوات المصريــة بموجــب اتفاقيــة الهدنــة المصريــة – الإسرائيلية الموقعـة فـي 24 فبرايـر 1949. وفـي 8 أغسـطس 1949 خـول وزيـر الحربيـة المصـري الحاكـم الإداري العـام للقطـاع ممارسـة جميــع السـلطات والاختصاصات التـي كانــت مخولــة للمنــدوب الســامي البريطانــي قبــل إنهـاء الانتداب، وتــم تعييــن اللــواء “أحمــد ســالم باشــا” مديــر عــام سلاح الحــدود الملكــي والحاكــم العســكري للصحــراء الشــرقية وغيرهــا مــن مناطــق الحــدود، حاكمـًا إداريـًا للقطــاع.
قامـت الإدارة المصريـة بـإدارة القطـاع إدارة مدنيـة بمسـئولين عسـكريين فـي أكثـر الأحيان، وأعــادت الدوائــر الحكوميــة التــي كانــت قائمــة فــي عهــد الانتداب البريطانــي للعمــل، مثــل التعليــم والصحــة والزراعــة والمحاكــم المدنيــة والشــرعية. كمــا طبقت مصر النظــام التعليمــي المُطبــق لديها داخــل القطــاع، وتوســعت في إنشاء المدارس، كما قبلت الجامعات المصرية عددًا كبيرًا من أبنــاء القطــاع للدراســة بها، وكـذا قـام الأزهر بوصفـه الجامعـة الإسلامية الأكبر بالإشراف علـى المعهـد الدينـي الـذي أنشـأه أبنـاء القطـاع. وفـي القطـاع الصحـي، أنشأت مصـر مستشـفى الشـفاء، وجهزت معمـلًا طبـيًا متكاملًا، كمـا نفـذت وزارة الصحـة المصريـة عديـدًا من حملات مكافحـة بعـض الأمراض.
وفـي الواقـع، خضع قطـاع غـزة للإدارة المصريــة، علــى الرغــم مــن أن مصــر لــم تطالــب قــط بــأي أراض فلســطينية أو ضمتهــا إليهــا، وبالتالـي لـم تقـدم مصـر جنسـية للفلسـطينيين. وحتـى عندمـا أصـدرت “حكومـة عمـوم فلسـطين” فـي عـام 1949 جـوازات سـفر للفلسـطينيين الذيـن يعيشـون فـي قطـاع غـزة لـم تسـمح مصـر لهـم بالتحـرك بحريـة إلـيها، حرصًـا منهـا علـى عـدم تفريـغ القطـاع مـن الفلسـطينيين.
- مصـــر واللاجـــــــــئون الفلسطينيون: لجـأ عـدد مـن الفلسـطينيين إلـى مصـر ممـن نزحـوا قبـل اندلاع الحـرب فـي 15 مايـو 1948، فشــكلت الحكومــة المصريـة “اللجنــة العليــا لشــئون مهاجــري فلســطين” وخصصـت لهـم النفقات اللازمة لرعايتهــم، وبعـد الحرب لجـأت أعداد كبيرة من الفلسطينيين إلى مصر؛ حيث خصصـت لهم معسـكرًا في العباسية، ثـم خصصـت لهـم معسـكرًا أكبـر فـي منطقـة القنطـرة، بعـد أن زاد عددهـم، كما عاش آلاف الفلسطينيين بوثائـق سـفر رســمية داخل مصر وعاشـوا فـي مصـر علـى نفقتهـم الخاصـة.
وقــد حاولــت مصــر التنســيق مــع الهيئــات الدوليــة لإعادة هؤلاء اللاجئين إلــى فلــسطين وتعويض من فــقد ممتلكاته منــهم، وفقـًا لــقرار الجمعــية العامة للأمم المتحدة الصادر في 11 ديسمبر 1948، وشـاركت مصـر فـي مؤتمـر بيـروت خلال الفتـرة مـن 31 مـارس إلـى 15 أبريـل 1949 وأصـرت خلاله علــى وضــع مشــكلة اللاجئين علــى رأس الأولويات، وأكــدت علــى ضــرورة مواجهــة الإجراءات الإسرائيلية بحــق العــرب المقيميــن في المناطق التي سيطرت عليها إسرائيل.
وإلى جانب أدوارها السياسية الدبلوماسية والعسكرية والإنسانية، قدمت مصر الغالي والنفيس في سبيل الدفاع عن القضية. فخلال معــارك فلســطين عامــي 1948 و1949، استشهد عــدد كبير من ضبـاط وأفـراد الجيـش المصـري ومـن المدنييـن كذلـك، وقـد ذكـرت التقاريـر الرسـمية المصريـة أن عـدد الضبـاط الذيـن استشـهدوا خلال العمليـات الحربيـة فـي فلسـطين بلـغ 98 ضابطًا. بينما ذكــرت مصــادر أخــرى أن إجمالــي عدد الشهداء المصريين بلغ 926 شهيدًا من الضباط والجنود والمدنيين، هذا بخلاف المدنييــن المتطوعيــن الذيــن شــاركوا فــي الحــرب ولــم تشــملهم تلــك المصــادر. وكان أكبـر قـدر مـن الخسـائر قـد وقـع فـي المرحلـة الأخيرة مــن الحــرب خلال شــهري ديســمبر 1948 وينايــر 1949 بعــد أن تحولــت القــوات المصريــة إلــى الدفـاع وتعرضت للهجـوم الإسرائيلي.
وفي الختام، وبعد مرور 78 عامًا على النكبة الفلسطينية، وبرغم قرارات الأمم المتحدة الكثيرة بشأن الحق الفلسطيني، فلا يزال الإنكار الإسرائيلي لهذا الحق مستمرًا، وذلك عبر مواصلة سياسات الإبادة الجماعية والتشريد والتهجير ومصادرة الأراضي وهدم المنازل وإقامة مستوطنات غير قانونية، بهدف محو أي فرصة أو أمل أمام إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وستظل بذلك ذكرى النكبة تذكيرًا ليس فقط بتلك الأحداث المأساوية التي وقعت عام 1948، بل بالظلم المستمر الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني على مدار هذه العقود.
باحث سابق بوحدة الدراسات العربية والإقليمية