بالرغم من مرور فترة ليست بالقصيرة على طرح الخطة الشاملة الخاصة بقطاع غزة ( 29 سبتمبر 2025)، وكذا قرار وقف إطلاق النار ( 9 أكتوبر 2025 )، إلا أن الأوضاع فى غزة لاتزال تشهد العديد من المشكلات فى كافة المجالات ولاسيما فيما يتعلق بالنواحي الإنسانية الضرورية، وهو مايقودنا إلى القول بأن هناك حالة جمود واضحة فى عملية تنفيذ الخطة وبما يزيد من تعقيد الأوضاع فى القطاع ودون وجود أى أفق على إمكانية تحسن هذه الأوضاع أو تغييرها إلى الأفضل خلال المرحلة المقبلة.
من الواضح أنه لم يتم حتى الآن سوى تنفيذ بعض النقاط الواردة فى الخطة الشاملة وهى المتعلقة بوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى بين إسرائيل وفصائل المقاومة وفتح معبر رفح البرى فى الاتجاهين، ثم جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتمثل متغيراً جديداً أدى إلى نقل بؤرة الإهتمام من قطاع غزة إلى طهران وحزب الله ، بالإضافة إلى تركيز مختلف الأطراف على المستويين الإقليمى والدولى على كيفية تفادي تأثيرات هذه الحرب وخاصة بالنسبة للجانب الاقتصادي.
لم تلتزم إسرائيل بتنفيذ الإستحقاقات المفروضة عليها فى الخطة بل استمرت في نهجها المتطرف فى التعامل مع قطاع غزة سواء من حيث استمرار عمليات اغتيال القيادات والعناصر المنتمية إلى حركتى حماس والجهاد الإسلامى دون أى مبرر، أو من حيث توسيع مساحة الأراضى التى تحتلها فى القطاع والتى وصلت إلى نسبة 70%، إضافة إلى عدم الإلتزام بتدفق المساعدات الإنسانية إلى القطاع بالصورة التى وردت فى الخطة، وفى هذا المجال من الضرورى أن أشير أيضاً إلى تطور شديد الخطورة، وجدير بالمتابعة وهو تصاعد أصوات المتطرفين الإسرائيليين المطالبين بعودة الإستيطان إلى غزة.
لاتزال إسرائيل تتمسك بعدم الإنتقال إلى تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة الشاملة إلا فى حالة نزع سلاح حركة حماس وفصائل المقاومة فى غزة مع تأكيدها أنه بدون إتمام هذه الخطوة فإنها لن تقوم بتنفيذ أى من الإلتزامات الواردة فى الخطة وخاصة الانسحاب من الأراضى التى احتلتها فى القطاع حيث أنه من وجهة نظرها فإن غزة يجب ألا تكون مهددة للأمن الإسرائيلى مستقبلاً بأى شكل من الأشكال بل ترى إسرائيل أن هذه المسألة تعد بالنسبة لها مسألة حياة أو موت لاسيما بعد عملية طوفان الأقصى وتداعياتها على أمنها .
لم تكتف إسرائيل بانتهاج كافة السياسات المتطرفة تجاه غزة ولكنها رفضت دخول لجنة التكنوقراط الفلسطينية التي تتولى مسؤولية إدارة القطاع خلال المرحلة الانتقالية والمنصوص عليها فى الخطة رغم أنه تم تشكيل وتأهيل هذه اللجنة وحصلت على الدعم الإقليمى والدولى اللازمين ، ولا تزال قيادات اللجنة تترقب الحصول على موافقة الجانب الإسرائيلي لبدء العمل فى القطاع خاصة عقب قرار حركة حماس بحل اللجنة الإدارية التى كانت قد شكلتها فى السابق لإدارة شئون القطاع .
والأمر الجدير بأن أشير إليه هنا أنه بالرغم من تحويل الإنتباه فى اتجاه الحرب على إيران خلال المرحلة الماضية، إلا أن مصر كانت حريصة على ألا تقف ساكنة وتحديداً عقب نجاح مؤتمر شرم الشيخ الدولى للسلام حيث قامت بتكثيف تحركاتها ومباحثاتها مع قيادات حركة حماس وكافة الفصائل الفلسطينية وذلك بالتنسيق مع الوسطاء ( قطر وتركيا ) من أجل التوصل إلى حالة توافق عامة بشأن قضية سلاح المقاومة، وهناك بالفعل العديد من المقترحات المطروحة فى هذا الشأن وأعتقد أنها سوف تصل فى النهاية إلى التوافق المطلوب حتى ننتقل إلى تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة الشاملة بما فى ذلك البدء فى إعادة الإعمار.
ومن ناحية أخرى، فمن الواضح أن الإدارة الأمريكية لم تمارس حتى الآن أية ضغوط على إسرائيل من أجل دفعها للتحرك على مسار تنفيذ بنود الخطة التي تعتبر نتاجاً لجهد الرئيس الأمريكى دونالد ترمب والذى كان شديد الحرص على أن يسارع بتشكيل العديد من المؤسسات الواردة في الخطة وأهمها مجلس السلام الذى يترأسه شخصياً ويضم العديد من أهم قيادات وزعامات العالم من بينهم السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، وقد عقد هذا المجلس أول إجتماع له فى واشنطن فى التاسع عشر من فبراير من العام الحالي 2026 .
وفى ضوء ما سبق وفي ظل الأوضاع السيئة التى يمر بها قطاع غزة، فإن هناك ضرورة لتغيير هذه الأوضاع من خلال التحرك على المسارات التالية:
- التوصل إلى حل متوافق عليه بشأن مشكلة سلاح غزة حتى يتم سحب أية ذرائع تستند عليها إسرائيل لوقف تنفيذ الخطة، مع الأخذ فى الإعتبار أن الجيش الإسرائيلى يقوم بتثبيت وتوسيع قواعده فى القطاع وهو ما يشير إلى أنه سوف يبقى هناك لفترة غير محددة .
- دور أمريكى فاعل وعاجل من أجل تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترمب مع ضرورة الضغط على إسرائيل حتى تتوقف عن عمليات الاغتيال التى تنفذها داخل القطاع.
- البدء فى عملية إعادة إعمار أية مناطق يمكن الوصول إليها والتوافق عليها داخل قطاع غزة حتى تبدأ هذه العملية فى أسرع وقت ممكن مع عدم ربط هذه العملية بأية شروط أخرى.
- الإسراع فى إدخال أكبر قدر من المساعدات الإنسانية إلى كافة أنحاء القطاع من خلال تشغيل كافة المنافذ الحالية وهو إجراء ضرورى من أجل الحفاظ على الحد الأدنى للمعيشة داخل غزة.
- دخول لجنة التكنوقراط الفلسطينية إلى غزة حتى تبدأ عملها وكذا الإسراع بنشر قوات الإستقرار الدولية داخل القطاع.
- عدم التوقف عن المطالبة بضرورة تنفيذ حل الدولتين رغم كافة المعوقات التى تثيرها إسرائيل.
نائب المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية