وحدة الدراسات الأوروبية

روسيا وأوكرانيا: في صعوبة قراءة الحسابات الروسية (٢)

لا تهدد أزمة البيلاروس وبولندا وليتوانيا ولاتفيا أزمة السلام العالمي، فهي أزمة صغيرة إن قورنت بأزمة أوكرانيا، فهي لا تعدو أن تكون محاولة من نظام مينسك -ربما بمباركة روسية- لاستغلال ملف مزعج للأوروبيين لتعميق الخلاف بينهم ولانتزاع تنازلات منهم. ورغم سعي بولندا إلى تفادي اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي وإلى إدخال الناتو في الصراع، فإن الأطراف الأوروبية هي التي لعبت الدور الأكبر في التصدي للبيلاروس وإفشال خططها، من جهة أخرى فللأزمة بين أوكرانيا وروسيا شأن آخر، لأنها الأقدم وإن اشتعلت مجددًا، ولأن روسيا تلعب بوضوح الدور الرئيسي فيها، ولأن الولايات المتحدة هي التي تتصدى لها، ولأن روسيا حشدت ٩٢ ألف عسكري…

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية

لا تهدد أزمة البيلاروس وبولندا وليتوانيا ولاتفيا أزمة السلام العالمي، فهي أزمة صغيرة إن قورنت بأزمة أوكرانيا، فهي لا تعدو أن تكون محاولة من نظام مينسك -ربما بمباركة روسية- لاستغلال ملف مزعج للأوروبيين لتعميق الخلاف بينهم ولانتزاع تنازلات منهم. ورغم سعي بولندا إلى تفادي اللجوء إلى الاتحاد الأوروبي وإلى إدخال الناتو في الصراع، فإن الأطراف الأوروبية هي التي لعبت الدور الأكبر في التصدي للبيلاروس وإفشال خططها، من جهة أخرى فللأزمة بين أوكرانيا وروسيا شأن آخر، لأنها الأقدم وإن اشتعلت مجددًا، ولأن روسيا تلعب بوضوح الدور الرئيسي فيها، ولأن الولايات المتحدة هي التي تتصدى لها، ولأن روسيا حشدت ٩٢ ألف عسكري مسلحين بأسلحة هجومية حديثة، ولأنه من الصعب تخيل حل سياسي يُرضي جميع الأطراف الرئيسية.

الحسابات الروسية

لعل ما يزيد الأمور تعقيدًا تحديد ماهية الحسابات والنوايا الروسية، فعلى عكس أغلب الملفات الأخرى، لا يمكن الاكتفاء بحساب المكاسب والخسائر المحتملة لكل سيناريو، ففي هذا الملف تحديدًا تلعب التصورات عن الدور التاريخي لبوتين والعواطف والمشاعر والأيديولوجيات الوطنية دورًا متضخمًا للغاية، وإملاءاتها تناقض إملاءات حسابات المكسب والخسارة، وقد يخطر على بال الرئيس بوتين تصور مفاده أن الوقت يلعب ضده، وأن عليه التصرف سريعًا مهما كانت التكلفة –وستكون مرتفعة للغاية كما سيتبين- وإلا “ضاعت أوكرانيا” للأبد، وتفصيل هذا أن الرئيس بوتين، ومعه قطاع كبير من الرأي العام الروسي، يرفض تمامًا قبول مقولة أن هناك شعبًا أوكرانيًا منفصلًا عن الشعب الروسي، ونشر الرئيس الروسي في يوليو الماضي على موقع الرئاسة الروسية مقالًا بالغ الطول ليشرح وجهة نظره مستشهدًا بقراءته للتاريخ، حيث يرى أن الأوكرانيين هم روس الحدود الغربية، وأنهم –هم والبيلاروس– مكون من مكونات الشعب أو الشعوب الروسية، وجزء لا يتجزأ من الشعب أو الشعوب الروسية، فالتاريخ واحد واللغة واحدة –مع بعض الفروق في العامية- والدين واحد والأرض واحدة. وطبعًا يمكن الرد على ذلك بالقول إن السمة الرئيسية التي تسمح بالحديث عن شعب واحد هي الرغبة في العيش المشترك وفي بناء مستقبل مشترك، وأن هذه الرغبة أصبحت غير متوافرة، ولكن الرئيس بوتين سيقلل من أهمية هذا الشرط، قائلًا إن الرغبة في التميز والانفصال عن روسيا ما هي إلا ظاهرة حديثة نتجت عن غسيل مخ أجراه أعداء روسيا – بولندا، الحزب الشيوعي السوفيتي الذي كان يرتاب من التعصب القومي الروسي/سلافي.

تاريخيًا أرض أوكرانيا، واسمها أيضًا روسيا الصغيرة، كانت محل نزاع بين مملكة بولندا/ليتوانيا الكاثوليكية والإمبراطورية الروسية الأرثوذكسية، واختار السكان الولاء والانتماء لمن هم من نفس الملة، وشاركوا في بناء الدولة الروسية، وتولى بعض أعيانهم مناصب رفيعة فيها. وأيًا كان رأي بوتين في القومية الأوكرانية –يقول صراحة إنه ليس لها أساس تاريخي- فهو يقر بأن رغبة الانفصال عن روسيا موجودة، وأن هناك أيديولوجيا قومية أوكرانية، ولكنه يدافع عن ضمه/استرداده للقرم، قائلًا إنها أرض روسية وليست أوكرانية، أرض روسية سلبها الحكم الشيوعي ومنحها لأوكرانيا كمقابل للانضمام إلى الاتحاد وما دامت أوكرانيا اختارت الانفصال فلم يعد لها نصيب في القرم (طبعًا هذا الكلام أيًا كانت وجاهته فهو يخالف تمامًا أحكام القانون الدولي حول الحدود)، ثم يحاول بيان أن النزعة القومية الاستقلالية الأوكرانية تضر أوكرانيا قبل روسيا، لأن أوكرانيا بانفصالها عن روسيا فقدت حقوقها في عائد البترول والغاز الروسيين، ويقول إن روسيا قبلت استقلال أوكرانيا وسعت إلى توثيق وتعميق الروابط الاقتصادية والثقافية والتجارية ولكن حسن نيتها قوبل بالرفض وبإعادة كتابة التاريخ لتصوير روسيا كقوة احتلال بغيضة ارتكبت جرائم وقوبلت أيضًا بخطابات كراهية ذات طابع نازي.

كما يرى أن أوكرانيا سوّقت نفسها في الغرب كحاجز بين الغرب والعدوانية الروسية، وشجعها الغرب على فك الروابط الاقتصادية والثقافية والدينية (حدث انشقاق في الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية بين من ظل تابعًا للكنيسة الروسية، ومن استقل، ودعمت سلطات كييف الفرع الذي استقل) وعلى تهميش تدريس اللغة الروسية، وعلى عدم الحوار مع روسيا، وترك الغرب أوكرانيا تمارس التمييز ضد الأقلية الروسية، وانتقلت سلطات كييف تدريجيًا من مقولة “أوكرانيا ليست روسيا” إلى مقولة “أوكرانيا ضد موسكو”، وبعد ذلك يقوم بعرض وجهة نظره في تطورات الموقف في أوكرانيا منذ سنة ٢٠١٤، ويصور القومية الأوكرانية على أنها النسخة السلافية من الأيديولوجيا النازية (الواقع أن هناك حركة فاشية قوية في أوكرانيا، ولكنها ليست التيار الوحيد أو الغالب)، ويُحمّل الرئيس الروسي سلطات كييف المسئولية عن تدهور الأوضاع، فهي التي تجاهلات رغبات الملايين من المواطنين، ويقول إن السلطات الأوكرانية على عكس ما تدعي لا تريد استرداد إقليم الدونباس، ونعلم طبعًا أن حكومة كييف والدول الغربية ترفض جملة وتفصيلًا الرواية الروسية، ولديهم حجج وجيهة.

ليس من الهام للغاية التطرق تفصيلًا لحرب الروايات تلك، بل بيان أن الموضوع عاطفي يشهد توترًا بين الخيال والعقل المعتمد على حساب المكسب والخسارة، هناك جرح جماعي في كل من روسيا وأوكرانيا. الرئيس بوتين وغيره في روسيا يرون أن القومية الأوكرانية تستند إلى تزييف للتاريخ، وقطاعات كبيرة من الأوكرانيين تبادلهم الاتهام، وتقول إن الاستناد إلى التاريخ أو إلى قراءة انتقائية له لا يلغي واقع الإرادة الشعبية الحالية. الرئيس بوتين يرى أن كييف مدينة روسية وليست أوكرانية، الرئيس بوتين يميل إلى الاعتقاد بأن الأوكراني الذي لا يرى نفسه روسيًا إما مخدوع أو خائن أو نازي. وأخيرًا، بوتين يرى أنه أحد القادة القلائل الذين كتب عليهم وقدر لهم أن يتولوا مهمة مقدسة، وهي أن يوحدوا الأراضي والشعوب الروسية، أقصد أن بوتين لا يتذرع بذرائع، بل يؤمن بما يقوله، ويكره نخب كييف كراهية عميقة لا تمثيل فيها، وبالتالي ليس من المؤكد أن يجري ببرود حسابات المكسب والخسارة.

الجبهة الداخلية الروسية

هناك مشكلات عدة عند التطرق لتقييم الموقف في “الجبهة الداخلية” الروسية من وجهة نظر موضوعية من ناحية، ومن وجهة نظر الرئيس بوتين من ناحية أخرى، وتأثير هذا الموقف على القرار الروسي فيما يتعلق بأوكرانيا. بعض المراقبين يرون أن الوضع الداخلي سيئ، ثم ينقسمون إلى فريقين، فريق يرى أن الوضع السيئ يدفع الرئيس بوتين إلى مغامرة خارجية بحثًا عن نصر قوي، وفريق يرى أن الوضع لا يحتمل مزيدًا من التدهور، وأنه من الصعب تصور أهداف واقعية (وهذه النقطة محل تشكيك المعتقدين أن روسيا ستتدخل، فهم يعرضون لقائمة من الأهداف الممكنة) لعمل عسكري، وهذا يحث الرئيس بوتين على التروي، وعلى تفادي عقوبات دولية جديدة. وهناك -في المقابل- من يرى أن الموقف في الجبهة الداخلية جيد أو جيد جدًا، ثم ينقسمون أيضًا إلى فريقين، فريق يرى أن بوتين يملك ترف سياسة خارجية تتفق ومعتقدات النخبة فيما يخص أوكرانيا، وفريق يرى أن أي مغامرة خارجية ستهدم ما تحقق.

من يرى أن الوضع سيئ يقول إن حملات المعارض نافالني نجحت في بيان فساد نخبة النظام وحياة البذخ والترف التي تعيشها رغم أن الشعب يعاني، وسيضيف أن النظام تآكلت شرعيته وكانت كبيرة في وقت ما، وأنه يستند الآن إلى قمع يزداد شدة وتوحشًا، وأن النظام أدار أزمة الجائحة بطريقة كارثية، وأن معدلات التضخم ارتفعت، وسيضيف أن الشعب الروسي مستاء من تكلفة السياسة الخارجية لا سيما التدخل في سوريا، وأنه ملّ من الرئيس بوتين وطول رئاسته، ومن ميله إلى الاختفاء عندما تزداد الأزمات الداخلية ضراوة. أما من يرون أن الوضع الداخلي جيد فيقولون إن الرئيس بوتين ونظامه نجحا في إسكات المعارضة، وفي إحكام القبضة على المجتمع وتخويفه، وأن الارتفاع الدولي لأسعار الطاقة قوّى الوضع المالي لروسيا بطريقة غير متوقعة، وأن الشعب راضٍ إلى حدٍ ما بنجاحات النظام على صعيد السياسة الخارجية، ويثمن بعض الخبراء نجاح رئيس الوزراء في إجراء إصلاح كامل لمنظومة الضرائب.

ومن يرون أن وضع النظام السياسي سيئ منقسمون بين من يرى أن شعار توحيد الأراضي والشعوب الروسية جذاب، ويلقى تأييدًا سيدفع الرئيس بوتين إلى تجديد شرعيته والتدخل العسكري في أوكرانيا. ويذكرنا هذا الفريق بأن الملف الأوكراني هو الملف الذي سمح للرئيس بوتين بتجديد شرعيته في بداية العقد الماضي، وهناك من يرى أن المغامرة محفوفة بالمخاطر، لا سيما أن الرئيس بايدن لا يستطيع تحمل صفعة أخرى بعد صفعة أفغانستان، وأن أي تدخل عسكري روسي قد يُجبر ألمانيا على إلغاء مشروع “ستريم ٢” وهو مشروع حيوي وصفقات الغاز، وقد يوقع الغرب عقوبات أخرى مثلًا على القطاع البنكي، ويقولون إن الرئيس بوتين رغم تخيلاته وتصوراته عن دوره التاريخي رئيس بارع في الحسابات السياسية ولذلك لن يغامر. وعامة، يدعو أنصار هذا الرأي الأخير الرئيس بايدن وقادة أوروبا إلى تبني مواقف واضحة حاسمة وحازمة.

ويمكن القول بالانقسام نفسه في الفريق الذي يرى أن الوضع الداخلي جيد بالنسبة لبوتين، فهناك من يقول إن ارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يقنع الرئيس بوتين أن الله أو القدر معه ومع مهمته التاريخية، ويسمح بتمويل شبكات تضامن اجتماعي وبرامج تسليح وربما مغامرات عسكرية. وهناك من يقول إن النظام كان سعيد الحظ ولن يغامر مجددًا. أو يقولون إن الرئيس بوتين حشد قوات في مارس الماضي ثم سحبها بعد أن حقق مكاسب منها إجبار إدارة بايدن على الحوار معه، وأنه لن يبادر بالهجوم، ولكنه سيبتز الغرب ويمارس أشد الضغوط على أوكرانيا، لأنه يرى أن المسار الدبلوماسي لم يحقق نتائج، ويلفتون النظر إلى قيام الرئيس بوتين بتشديد خطوطه الحمراء، فأصبح تواجد خبراء عسكريين وجنود أمريكيين في أوكرانيا خطًا أحمر، بعد أن كان الممنوع هو انضمامها إلى الناتو أو الاتحاد الإفريقي.

ونبه بعض الخبراء إلى آليات عمل بيروقراطية الكرملين، وقالوا إن الأغلب أن رجال بوتين يقومون بفلترة الأخبار وبتعظيم أهمية الأخبار الجيدة، وتقليل تغطية الأخبار السيئة، ويساعدهم في ذلك أن الإشراف اليومي على عمل الدولة من اختصاص رئيس الوزراء وبدرجة أقل الوزراء والعمد ومنهم عمدة موسكو، ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية تعتقد أن احتمالات قيام روسيا بعمل عسكري ازدادت وأبلغت حلفاءها بذلك. ولا يمكن القول إن التدخل العسكري أمر حتمي، ولكن احتمالات حدوثه أعلى من المعتاد، ويمكن الإشارة هنا مجددًا إلى انقسام الخبراء حول نيات موسكو.

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية