ما الذي نراقبه عالمياً في 2019؟

الزمن في السياسة، والعالمية خاصة، لا يلعب دور اللحظة الفارقة لها ما قبل ولها ما بعد، الحالة ليس كما يحدث في الاقتصاد، حيث الموازنة لها عام مالي يجري «الجرد» أو «المسح» عند نهايته، وبعدها يكون الإنفاق وجمع الإيرادات في جداول زمنية معروفة فيما يأتي من عام. في السياسة ربما تكون مواعيد الانتخابات والتصويت تمثل لحظات زمنية ذات شأن، لكن ما عدا ذلك فإن العام الجديد هو من ناحية استمرار للقديم، لا يفصله عنه سوى الاحتفال بمولد عام جديد لا يبقى منه إلا بعض من ذكرى في العقل، وربما صداع في الرأس. لذلك؛ فإن ما نراقبه أولاً هو إلى أي حد…


الزمن في السياسة، والعالمية خاصة، لا يلعب دور اللحظة الفارقة لها ما قبل ولها ما بعد، الحالة ليس كما يحدث في الاقتصاد، حيث الموازنة لها عام مالي يجري «الجرد» أو «المسح» عند نهايته، وبعدها يكون الإنفاق وجمع الإيرادات في جداول زمنية معروفة فيما يأتي من عام.

في السياسة ربما تكون مواعيد الانتخابات والتصويت تمثل لحظات زمنية ذات شأن، لكن ما عدا ذلك فإن العام الجديد هو من ناحية استمرار للقديم، لا يفصله عنه سوى الاحتفال بمولد عام جديد لا يبقى منه إلا بعض من ذكرى في العقل، وربما صداع في الرأس. لذلك؛ فإن ما نراقبه أولاً هو إلى أي حد سوف يستكمل العام الجديد الملفات المفتوحة من العام القديم.

فيما يخصنا، هناك مجموعة من الملفات السياسية والدبلوماسية التي تخص أزمات المنطقة في سوريا، واليمن، وليبيا، المرجح أنها سوف تستمر، التقدم فيها ليس مضموناً، لكن المؤكد أيضاً أن عدم النجاح ليس حتمياً. الأطراف كلها تريد أن تحقق على مائدة التفاوض ما لم تحققه في معارك القتال، لكن ذلك سوف تتبعه لحظة الإفاقة على أن استمرار الحال على ما هو عليه ليس في مصلحة أي طرف.

متى تحدث لحظة الإفاقة النهائية، لا أحد يعرف؛ فالزمن لا يقبل فوراً إلا تحسين الأوضاع نسبياً عما كانت عليه منذ سنوات. ما نعرفه أن عصر الموت بعشرات الآلاف وصل إلى نهاية، وهناك عودة بالمئات للاجئين، لكن الانتقال من الموت إلى الحياة، ومن اللجوء إلى العودة ربما يستغرق وقتاً أكثر من عام. وهناك أيضاً ملفات دائمة مثل المصالحة الفلسطينية، وهذه لا بد لها من جولة أو جولتين، ففي الجولات أحياناً متعة الإقامة في فنادق عالية الفخامة، مع وسيط يحاول أن يحقق نجاحاً في الوساطة وعلى كل طرف فلسطيني أن يجعله سعيداً. المعضلة الكبرى في موضوع المصالحة، أنه يغلق الباب على كل محاولة لاستئناف عملية السلام، وقد بذل الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة كثيراً من الجهد في إدانة «صفقة القرن» قبل أن يعرف أحد محتواها، لكن الرفض الفلسطيني يحدث في كل الأحوال، وعليه درجة غير عادية من التوافق.

الزاوية المهمة فيما تراقبه هذا العام في الشرق الأوسط ليس هو كل الآليات المشار إليها، وإنما ماذا سوف تفعل الولايات المتحدة هذا العام. لاحظ هنا أن زيارة مايك بومبيو وزير الخارجية لدول المنطقة لم تأت برسالة كبيرة مثل التي جاء بها باراك أوباما إلى المنطقة عام 2009 لإعادة التفاهم بين العالم الإسلامي والعالم الغربي على أساس من احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان. ولا كانت الرسالة مماثلة لتلك التي مثلت فيها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس في خطاب في القاهرة، وفي الجامعة الأميركية أيضاً، عن جماعة المحافظين الجدد في ضرورة تغيير نظم الحكم التي بدأت وقتها في العراق، وربما آن أوان تغييرها في دول أخرى دون التدخل الأميركي المباشر. بومبيو ورئيسه ترمب ليس لديه أي من ذلك، ورغم وعود استمرار الاهتمام الاستراتيجي بالشرق الأوسط، فإن الأمر العملي الوحيد هو الإعلان عن انسحاب القوات الأميركية من المنطقة، والدعوة إلى الاعتماد على دول المنطقة ذاتها لكي تقوم بهذه المهمة من خلال تحالف. الشائع في واشنطن أن المشكلة في سوريا ليست مشكلة ترمب، لكنها في الأساس مشكلة سوريا. هنا راقب، وبشدة عملية الانسحاب هذه، ومن بعدها راقب حركة الأطراف الأخرى مثل تركيا وإيران والحكومة السورية على الأرض، وفي اللحظة ذاتها راقب أصداء ذلك على الملفات المفتوحة الأخرى. سوريا إلى حد كبير سوف تحدد مصير اليمن، وليبيا، ولبنان، والعراق، ربما ليس في العام الحالي (2019) وإنما في العام الذي يليه (2020).

مراقبة الحركة الأميركية في الشرق الأوسط تعتمد على حركتها في العالم. وإذا كان العالم قد صار ثلاثي الأقطاب – الولايات المتحدة والصين وروسيا – فإن العلاقات بين الأولى والقطبين الآخرين تمثل المحاور الاستراتيجية الكونية الكبرى لواشنطن. وفي هذه توجد ملفات مفتوحة من العام الماضي مثل الملف التجاري مع الصين، وملف التسلح مع روسيا. هناك ملفات أخرى مرتبطة بالملفات الرئيسية، فالعلاقة مع الصين فيها الملف المفتوح للمفاوضات الأميركية مع كوريا الشمالية، وملف الأمن في بحر الصين الجنوبي، والأهم من ذلك كله مستقبل تايوان. وفي مثل هذه الحالة، فإن المراقبة تأخذ منهاجين: أولهما البحث عن علامات «الصفقة الشاملة» التي تنظر فيها جميع القضايا، والبحث فيها عن حل يتعايش معه الطرفان، وفي يوم ما من أيام 1972 فإن ريتشارد نيكسون اتفق مع ماو تسي تونغ على أن هناك صيناً واحدة من حيث المبدأ، لكن عملياً فربما كان وجود تايوان ليس ضاراً ولا مهدداً. عاشت هذه المعادلة لأكثر من أربعة عقود؛ لكن لا الصين بقيت على حالها ولا تايوان. وثانيها مراقبة ما يحدث في كل هذه الملفات منفصلة، وربما كان الملف التجاري هو الحلقة الرئيسية التي إذا جرى فيها توافق فربما تعطي دفعة لباقي الملفات الأخرى، أو يعتقد الطرفان أنها أقل أهمية إلى الدرجة التي يمكن تركها لأزمان قادمة.

الملف الأميركي – الروسي لا يقل حرجاً، ومعضلته أن في داخله ملفاً داخلياً في الولايات المتحدة تتعلق بالتحقيقات الجارية تحت رعاية وزارة العدل عما إذا كانت روسيا تدخلت في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2016، وعما إذا كان هذا التدخل حدث بعلم وتوافق مع الرئيس دونالد ترمب. وحتى الآن، فإن التدخل الروسي ثابت من التحقيقات، وبأكثر من طريقة، لكن التهمة لم تثبت على الرئيس على الأقل حتى الآن. المؤكد هو أن هذه التحقيقات لا بد أن تصل إلى نهاية، وفي الظن أن عام 2019 لا بد أن يشهد قراراً إما بتوجيه الاتهام، أو بإغلاق التحقيقات التي لا تتحمل استمرارها الحملة الانتخابية القادمة في جولة 2020، وفي هذه الحالة فإن ترمب سوف يكون لديه فرصة كبيرة للفوز بفترة رئاسية أخرى.

الملفات الأخرى في العلاقات مثل سوريا وأوكرانيا فإن واشنطن «ترمب» ليست متحمسة، وإذا تُرك الأمر للرئيس فإن خياله لا يذهب لأكثر من بناء السور بين الولايات المتحدة والمكسيك، وإذا كان ممكناً بناء هذا السور بين أميركا وكل العالم الذي يعتبره ترمب أشبه بالثقوب السوداء، حيث الداخل فيها مفقود، أو أنها لا تخص الولايات المتحدة على أي حال. ما تريده واشنطن الحالية هو الخروج ما أمكن من سوريا والعراق وأفغانستان، والمؤسسات الدولية متعددة الأطراف؛ لكن ليس كل ما يتمناه الرئيس يدركه؛ فهناك قيود من التاريخ والمؤسسات الأميركية والانتخابات القادمة، ولا يستطيع عام 2019 أن يستوعب كل تمنيات ترمب.

*نقلا عن صحيفة “الشرق الأوسط”، بتاريخ 16 يناير 2019.

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

الخطاب الصينى

img

رأي

مصر والأزمات الدولية

img

رأي

فتح التاريخ الأميركي

img

رأي

فى آداب معركة الوعى

img

رأي

الثورة الذهنية

img

رأي

١١ سبتمبر والكورونا

img

رأي

حدود القوة…!

img

رأي

مصالحات إقليمية

img

رأي

لماذا تدق الأجراس؟

img

رأي

«سيجون ٢»

img

رأي

مصر تصالح نفسها

img

رأي

رحلة بايدن!

img

رأي

الدولة الفلسطينية

img

رأي

رسائل مصيرية

img

رأي

التخطيط للمستقبل

img

رأي

حصاد سنوات عشر!

img

رأي

هجوم بايدن الدبلوماسي

img

رأي

سيناريوهات فلسطينية

img

رأي

الصفقة..!

img

رأي

عام جديد ٢٠٢١

img

رأي

ثلاث قصص لم تنته بعد!

img

رأي

أزمة البطاطس!

img

رأي

الاستشراق الجديد

img

رأي

أيام ترامب الأخيرة!

img

رأي

ثلاث انفراجات كبرى!

img

رأي

«طيبة» مرة أخرى

img

رأي

معضلات إدارة بايدن

img

رأي

الضرورات والاختيارات

img

رأي

البعث

img

رأي

هل هناك اختيار آخر؟

img

رأي

عجائب أمريكية

img

رأي

الفتنة الأمريكية

img

رأي

اكتشاف مصر والمصريين

img

رأي

أكتوبريات؟!

img

رأي

تشغيل التغيير

img

رأي

قطر في مذكرات خائن

img

رأي

المحروسة

img

رأي

السيناريو الكابوس

img

رأي

«خوارزمية» المجتمعات

img

رأي

الإضافة اللبنانية

img

رأي

تجديد الفكر المدني

img

رأي

حكام العالم الأربعة

img

رأي

الكابوس الأمريكي

img

رأي

نصف العام الآخر؟!

img

رأي

قصة مصرية

img

رأي

نهاية أوسلو!

img

رأي

بروج مشيدة

img

رأي

الخروج من الإعصار؟!

img

رأي

نتنياهو مرة ثالثة!

img

رأي

الحيرة الأميركية

img

رأي

على حافة الهاوية!

img

رأي

المأزق التركي

img

رأي

أين أنت يا كوبر؟

img

رأي

كعب أخيل

img

رأي

الدائرة الكربونية!

img

رأي

فى انتظار «أرامكو»!

img

رأي

ثورة «الأرز»!

img

رأي

ثورة الـ”واتسآب”

img

رأي

نافخ الصفارة!

img

رأي

ما الذى جرى فى مصر؟

img

رأي

الحرب التي لم تنتهِ بعد

img

رأي

كشف حساب

img

رأي

علامات الساعة السياسية

img

رأي

هونج كونج

img

رأي

الحروب الباردة…!

img

رأي

ماذا نفعل مع إيران؟

img

رأي

الصفقة الرابعة

img

رأي

لقاء القدس!

img

رأي

حرب أم لا حرب؟!

img

رأي

تأريخ التاريخ!

img

رأي

المسألة السودانية

img

رأي

إعادة بناء الأمة

img

رأي

في انتظار رمضان!

img

رأي

معركة المحتوى

img

رأي

المأزق البريطاني

img

رأي

أوراق فلسطينية

img

رأي

العرب وأفريقيا 2019

img

رأي

حكمة الشعوب

img

رأي

الهزيمة الأمريكية

img

رأي

في ذكرى 25 يناير

img

رأي

إلى أين تذهب مصر؟!

img

رأي

الشرق الأوسط 2019

img

رأي

رجل العام 2019: ترمب!

img

رأي

استقالة جيمس ماتيس

img

رأي

الحرب المنسية

img

رأي

البترول والسياسة